Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

غودو آتٍ لامحالة

منذ ان استرخى صموئيل بيكيت على مقعد الطائرة في مطار هيثرو بالعاصمة البريطانية عازما العودة الى باريس ، تفاجأ بالكابتن غودو (وهذا هو اسمه الحقيقي ) قائد الطائرة التي ستتجه الى مدينة النور وهو يمسك بالمايكرفون مناديا بابتسامة مصطنعة اعتاد عليها يوميا : " مرحبا بكم اعزائي المسافرين ، انا الكابتن غودو أحييكم على متن الطائرة (....) في الرحلة (.....) متمنيا لكم رحلة سعيدة موفقة عبر بحر المانش الخلاب ، الرجاء شدّوا الاحزمة جيدا هناك مطبّات هوائية قد تثير فيكم بعض القلق ، معذرة ايها الاصدقاء المسافرون ، رحلة مصونة وعودة ميمونة

هلع بيكيت خوفا ، وأحسّ بدنوّ اجله فها هي الشخصية الدرامية  قد لاحت للعيان امراً واقعا وستأخذ بخناقه هاهو الذي ترقبناه طويلا قد عاد  حاملا معه ذلك الرعب التجريدي الذي سيملأ عالمنا خوفا دائما ، نشاطرك الرعب ايها الكاتب الكبير ففي عالمنا العربي هواجس تثير الآسى واهوال يشيب لها شعر الرأس وحيرة توخز عقولنا وتهدم وجودنا

سوريا الشامية المحتد والمنبت عائمة بالنزيف الذي لاينقطع من الدماء ، هناك موت من النوع الآخر ؛ صامت بلا ازيز يتنفسه الانسان في صدره فيتصاعد الخناق ويبلغ الحلقوم وتصل القلوبُ الحناجرَ ويتمدد الآف الاطفال موتى من الانفاس القاتلة بلا مجازر السيف والرصاص وبصمت قلّ نظيره وتعوم الغوطة بمشاهد الموتى ، قبور ظاهرة للعيان تضم رفات اطفال صغار بعمر الزهور

مصر الكنانة تستشيط غضبا  والصراع بين العسكر والأسلمة ومايسمونه الفلول و" الحرامية " الذين سلبوا ثورة يناير واضطرابات تشتعل كثيرا وتخبو قليلا ولا ندري كيف يكون مآلها ونهايتها الدرامية في انتظار مَن !!

العراق يتفجر بالسيارات الملغمة والعبوات الناسفة والعمليات العسكرية قائمة على قدم وساق ومرجل بغداد يغلي زحاما وتأففا من مستقبل مجهول لايعلم به الاّ الله والراسخون في السياسة الماسخة الغريبة الاطوار وبين ساعة واخرى يموت العشرات هنا وهناك وتفرّخ فينا الجرحى والموجوعين

الشمال الافريقي هو ايضا عائم بالاضطرابات والاغتيالات ، ليبيا لاتهدأ وتحكمها المليشيات ؛ تلعب بها يمنة ويسرة . اما تونس التي سميناها مهد الربيع العربي فقد أوصلتنا بغمضة عين الى لحدنا ، نموت بسرعة البرق ونستقر في قبورنا جموعا ؛ فالمقابر الجماعية عادت الينا بزيّ اخر لكنه اكثر احمرارا بصبغة الدم وعلى المكشوف ، ظاهرة للعيان دون خجل او استحياء

لبنان الفتاة الفينيقية الصغيرة ذات الضفائر الذهبية تعيش اياما حالكة ، حذت حذو بغداد في امتهان الالعاب بالسيارات المفخخة ، تأتيها الرياح المجمرة من جيرانها ومن بعض اهلها العاقّين ، وكلٌ يجرّ حبله على هواه ليطيحَ بابناء جلدته ويوقعهم في مهاوي الردى

لاتقولوا لنا ان هذا هو ثمن الديمقراطية الباهظ فقد دفعنا ابناءنا للموت ولم يبق لدينا في اصلابنا نطف صالحة فقد بلغ السيل الزبى ووصلت القلوبُ الحناجرَ ولاشيء غير الموت يرافقنا اينما حللنا فكل ارضنا العربية اصبحت لحدا وقبورا تفتح افواهها نهما وتهب علينا كالريح السموم

تجرعنا المرّ ورأينا العجب العجاب وحُزّت رقابنا بسكاكين صدئة عمياء غير ان مشهد اولادنا الموتى في سوريا أنبت فينا فزعاً لايطاق ، جحظت عيوننا ونحن نرى هؤلاء الفتية الصغار يلفّهم الموت الارعن القذر ، وجفّ الدمع في مآقينا وارتعدت اوصالنا خوفا من مقبلٍ سيحصد الناس والزرع والضرع

صمّا وبكما للربيع العربي وصانعيه وزارعي نباته الزقوم والغسلين وورودهِ السامة

عميا لكل من يغمض عينيه على اكوام اجساد الاطفال الموتى في غوطة الشام ولعنة الله على قاتليهم أيّا كانوا سواء من قومي او اية اقوام اخرى التمّت في ربوعنا ليعيثوا فسادا في سوريا بردى

سحقا لكم ايها السفلة الاوغاد يامن يجيشون على الصغار والخائفين والنسوة والعاجزين والمستضعفين

قبحا لك ايها الزمن الوغد ، أبقيت لنا ذنَب العقارب السامة تجول في ملاعب زاهية نضرة بعد ان أحالتها الى خرائب واطلال مهجورة

صدقت جدّتنا الخنساء أمّ الشهداء ، ونادبة أخويها القتيلين وهي تقول شاتمة الزمان وأعاجيبه

ان الـزمان ومايـفـنى له عـجـبٌ ........أبقى لنا ذنَباً واستؤصل الراسُ

ان الجديدين في طول اختلافهما......... لايـفسدان ولـكن يفـسدُ النـاسُ

 


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز