Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

حُرّاسُ المدينة ناطوري قارْتا

اسم هذه المجموعة الدينية اليهودية في الأصل هو ”ناطوري قَرْتا” أي حرّاس المدينة، مدينة القدس، وهما لفظتان آراميّتان كانتا تعنيان في الماضي البعيد في التراث اليهودي كما ورد في التلمود الفلسطيني / الأورشليمي ”رؤساء المدينة ومديروها”. وهؤلاء الحرّاس هم الكتبة والمتعلمون وليس الجنود، كما ورد في حادثة ذكرها يهودا هَنَسي، جامع المشناة اليهودية، التوراة الشفوية، ويُنظر في سفر المزامير 127 ومسيخت حجيجه 76. أسست هذه الحركة الأرثوذكسية في القدس عام 1935 إثر انشقاقها عن أجودات يسرائيل التي تأسست عام 1912 وذلك بغية محاربة الحركة الصهيونية.

 ويحاول المنتمون لهذه المجموعة قدر الإمكان عدم استخدام الخدمات الحكومية في إسرائيل كالمحاكم وبطاقات الهوية والمدارس العامة والعملة الخ. وتدّعي هذه المجموعة اليهودية الإشكنازية الصغيرة نسبياً أنها المحافِظة على قداسة مدينة السلام، وتعارض كّلا من الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل. وتقول لا حق لأحد في هذه الحقبة الزمنية من الحياة في الشتات في إقامة دولة يهودية. ومن الأسس التي تنادي بها هذه المجموعة، كما ورد على لسان الرابي يِسْرائيل فِلدْمان، أن أساسَ الصراع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يُعزى إلى الحركة الصهيونية الكافرة وأن الدولة الإسرائيلية صهيونية ملحدة وغير شرعية.

 في نظر ”حُرّاس المدينة” هناك تعارض صارخ ما بين قيام الدولة العبرية الصهيونية وتعاليم التوراة، إذ أن تلك التعاليم تُحرّم قيام الدولة وتأمر اليهودَ أن يبقوا في الشتات حتى خلاصهم من الآثام على يد الله نفسه دون أيّ تدخّل من قِبل الانسان، آنذاك سينعَمُ العالَم بأسره بالسلام والوئام ويعبد بنو البشر كافّةً الخالقَ الواحد الأحد. ويعتبر أتباع هذه الحركة أن الأرثوذكسية اليهودية والصهيونية عدوان لدودان، وما الصهيونية إلا ردّة فعل على اللاسامية التي ظهرت في أوروبا ولا علاقة لليهودية بالقومية.

وينعت حرّاس المدينة هرتصل، مؤسس الحركة الصهيونية، بالقول: هرتصل يشو، واللفظة الثانية عبارة عن اختصار بالعبرية معناه ”فليمح اسمه وذكره”، وفي الأساس أطلق هذا على يسوع، يشوع بالعبرية وأسقط الحرف الحلقي لعسر لفظه. ومما يجدر ذكره أن هناك كتابات دينية صهيونية تستعمل : ناصر يشو وحتى عرفات يشو! قبل قرابة ألفي عام، عند خراب الهيكل، منع اللهُ اليهودَ، كما ورد في ”رسالة عقود القِران” في التلمود )مَسّيخت كِتوبّوت ص. مائة وأحد عشر ا (، من التوّجه الجماعي المكثّف إلى الأراضي المقدسة ومن التمرّد على الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها ومن القيام بأية محاولة لإنهاء العيش في الشتات والمهجر وعليهم العيش كمواطنين صالحين. وغنيّ عن البيان أن ”حرّاس المدينة” يدّعون بأنهم ممثلو اليهودية الحقيقية وأن الصهيونية هي نتاج تفكير الملحدين والكَفَرة في حين أن اليهودية تحرّم مصادرة الأراضي بطريقة غير شرعية واضطهاد الآخرين وإذلالهم.

 وتعارض هذه المجموعة بشدّة الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلّة وتدينها بحزم جليّ قائلةً بأن كلّ ذلك لا يتمشّى وتعاليم التوراة. وتضيف قائلة أنّ المعاناة التي يعيشُها الفلسطينيون منذ قرن من الزمان بسبب الحركة الصهيونية مردّه إلى التمرّد الصهيوني ضد الخالق. وترى هذه المجموعة أن الحلّ الوحيد لهذه المعضلة المتجذرة بغية تحقيق السلام الحقيقي المرتكز على العدل والقرارات الدولية هو تغيير الحُكم في فلسطين التاريخية، تبنّي الحل التوراتيّ وهو اقتلاع الكيان الصهيوني غير المشروع واسترداد السيادة الفلسطينية الكاملة على كامل التراب الفلسطيني.

ويضيف أفراد هذه المجموعة جازمين أن حلاً كهذا لن يتمخّض عنه ذبح اليهود دون تمييز على يد الفلسطينيين. قد يظنّ القارىء ولو لوهلة أننا بصدد الحديث عن بعض الحركات الإسلامية الأصولية مثل حركة المقاومة الإسلامية، حماس، أو الجهاد الإسلامي الخ. لا إننا نعني ”حراس المدينة” الذين يروْن بأن الدولة الصهيونية تعرّض حياة اليهود للخطر لأنّها تشرّع تمرّداً مفتوحاً ضد الخالق. سيعود السلام والوئام إلى أرض السلام، بين العرب واليهود، كما كانت الحال عليه قبل قرن من الزمن، حين يعود الشعب الفلسطيني إلى دياره كشعب ذي سيادة حقيقية وعند انقشاع الظلم الصهيوني من على وجه التراب الفلسطيني المقدّس، وألا يبقى أي لاجىء فلسطيني يودّ العودة إلى أرضه خارجَ الوطن.

إن الدولة الصهيونية تدنّس قدسية السبت، تشجّع اللباس غير المحتشم ووسائل الإعلام فيها غير أخلاقية، كما وتضرب العديد من القوانين التوراتية بعرض الحائط. زِد إلى ذلك كله، أن إسرائيل والصهيونية كانتا مصدر معاناة للشعب اليهودي، أين لقي اليهود حتفَهم منذ الحرب العالمية الثانية أكثر مما حدث في الدولة الصهيونية؟ كل ذلك من جرّاء الطموح الصهيوني الفجّ من أجل التمتع بالقوة الضاربة والجبروت المتغطرس عبر تحدٍّ صفيق لتعاليم التوراة واليهودية وقيمها الإنسانية الرفيعة. إنّ أي إنسان، ولو كان على أدنى حدٍّ منَ المعرفة للتاريخ وللأحداث الراهنة، يعلم علم اليقين أن الدولة الصهيونية كانت إحدى أكبر المآسي التي حلّت بالشعب اليهودي، كما وخلقت صراعاً أليما ودمويا مع العرب والمسلمين على حدّ سواء.

 ويُذكر أن اليهود كانوا قد عاشوا بسلام واطمئنان على العموم مع العرب خلال عدّة قرون من الدار البيضاء وإلى بغداد الرشيد لا سيّما في الأندلس، فردوس العرب المفقود. والأمة العربية، يقول حرّاس المدينة، لم تؤذ الشعب اليهودي حتى بزوغ الصهيونية القومية. اليهودية ليست الصهيونية. اليهودية هي إيمان الشعب اليهودي بالله وبتوراته في حين أن الصهيونية تمثّل الإيدولوجيا العنصرية لمجموعة من العصابات التي تؤمن بأنها الوحيدة القادرة على حماية اليهود من التهديدات الخارجية.

ومن المعروف، كما يقول ”حُرّاس المدينة” إن هؤلاء الصهاينة كانوا قد قاموا بإذكاء جذوة المناهضة لليهود في شتّى أرجاء المعمورة بغية حمل اليهود على الهجرة إلى شطّ الأمان، الدولة العبرية الصهيونية. لنتذكّر كيف قام الصهاينة بزرع القنابل والمتفجرات في الكُنس، دور العبادة اليهودية، في اليمن والعراق وأرض الكِنانة وغيرها وراح ضحية هذه الممارسات الفظة الكثير من البريئين. كل ذلك من أجل ترويع اليهود وإجبارهم للهجرة إلى إسرائيل. إن التحامل على العرق اليهودي وإذكاء أجيج الآراء السبقية اللعينة إزاء اليهود هي في الواقع قِوام الحياة بالنسبة للحركة الصهيونية، وبدونها لا تقوم أية قائمة لها.

 تسعى الصهيونية جاهدة في نعت كل من يجرؤ على معارضتها من قريب أو بعيد بمعاداة السامية و”ببهدلته” على الملأ، حتى ولو كان في المعارضة قدر كبير من المنطق والصدق والموضوعية. إنهم يحتكرون العرق السامي لوحدهم وكأن العرب مثلا جاؤوا من فلك آخر لا يمتّ لسام بن نوح بأية وشيجة أو صلة. إن العودة إلى اليهودية الحقّة وإلى الله هو الضمان الوحيد لإنهاء الحلقة المفرغة من العداء المستشري وسفك الدماء في الأراضي المقدسة. كما وينادي أعضاء ”ناطوري قارْتا” المسلمين بعدم اقتراف الخطأ المأساوي في اعتبار اليهودية والصهيونية وجهين للعملة ذاتها، إنهما، كما يقولون، أمران على طرفي نقيض.

 إنّ اليهودي الحقيقي يشعر مع الفلسطيني الذي يقاسي الأمرّيْن، ويعتقد أن الرجوع إلى الله هو السبيل الوحيد للسلام، وكما ورد في نبوءة النبي أشعياء، 11:9 ”لا يُسيئون ولا يُفسدون في كل جبل قُدسي لأن الأرض تمتلىء من معرفة الربّ كما تغمر المياهُ البحر”، وجاء في سفر المزامير، 102:23، ”حين تجتمع الشعوب والممالك معاً ليعبدوا الربَّ”. وكان الربي عمرام بلاو قد كتب نشيدا وطنيا للحركة في الأربعينات من القرن العشرين أوله: الله ملكُنا نحن خدّامه التوراة المقدّسة شريعتنا ويعبّر اليهودي سنوياً في عيد رأس السنة اليهودية عن رغبته في أن تجتمع البشرية في عبادة الله الواحد بأخوّة ووحدة.



(410725) 1
هل مصدر "ناطوري قارتا" من اللغة الكنعانية
جورج كنعان
في لهجة أهل بلاد الشام "ناطر كرم العنب" ناطر البستان" وين ناطور البستان" وكلها تعني يحرس البستان وحارس البستان.

لا أعرف مصدر "قارتا" ولا أدري ولا أستطيع أن أجزم إن كان مصدرها من اللغة الكنعانية والتي تعني "قرية" بالعربية.

فإذا عندك معلومات عن اللغة الكنعانية هل بالإمكان أنت تخبرنا إذا كان مصدر الكلمتين السابقتين من اللغة الكنعانية ولك جزيل الشكر يا ابن كنعان
May 24, 2013 4:56 PM


(410726) 2
Well done
Shawakir
أنت ايقونة في هذا الموقع بحق شكراً لك
May 24, 2013 5:02 PM


(410747) 3
شكرا على المقال
محمد
مقالك غني ومفيد
وكما قلت اننا كنا نعيش متاخين بمختلف دياناتنا وطوايفنا واتمنى ان ترجع تلك الايام

شكرا جزيلا لك
May 25, 2013 12:41 AM


(410776) 4
مقال علمي ومفيد، ما قل ودل
الرمحي
نحن العرب بحاجة لمثل هذه المقالات التنويرية فالكل يكتب ويخبص في السياسة. السيد كنعان يسأل سؤالا جوابه ورد في بداية المقال أعلاه.
نطمح للمزيد من مثل هذه المقالات المميزج.
الرمحي
May 25, 2013 8:45 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز