Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

الحضارة لا تتجزأ

غنيٌّ عن البيان أن أصحاب الحضارة في العالَم اليوم هم ُ الغربيون، أهالي الولايات المتّحدة الأمريكية وأوروبا الغربية. إن جوهر الحضارة هو العلم والعقلانية. نرى أن المصيبة النكراء في مجال الثقافة والفكر في العالم العربي هو ذلك الوضع المحبط والتعيس الذي يكون فيه صاحبُ الحلّ والربط في ذلك هو الحاكم ذو السلطان. بيده النار والنور في حين أن العلم والمعرفة هما في الواقع يجب أن يكونا السلطة. الحقيقة المطلقة لا وجودَ لها فهي نسبية ومتغيّرة. إنّ عملية الثقافة الحقيقية تأبى أن تكتفي بالموجود فهي في حركة مستمرة من البحث والتحليل لتفسير ما يجدّ من تساؤلات في حياة البشر. فالثقافة بمثابة الرصيد الروحي لحضارات الشعوب، وهي المبلورة لوجدانها وعقلها. ولدى العرب ما زالت الثقافة الشفوية هي الشائعة ومنابعها التاريخ والشعر والدين. كما أن مفهوم “العام” و”الجماهيري” في العقلية العربية الراهنة يحتلّ مكانة وضيعة جدا.

يجد القارىء المتأنّي للتاريخ العربي أنّ الحوار الحرّ العميق كان من السِّلع النادرة. كما أنّ جبروت الماضي ما زال مهيمناً على جلّ تصرفات الانسان العربي في شتّى أنماط الحياة. بعبارة أخرى، إنّ تراث الماضي يُلزم الأحياء ويكبّلهم. لا بدّ من إشباع التراث العربي بأكمله تفكيكا وتحليلا بغيةَ سَبر ما فيه لهضمه وتمثّله والتحرّر منه في آن واحد. من المشاكل الهامّة التي تُواجه الشعوب العربيةَ برمّتها من المحيط إلى الخليج هي كيف يمكن إقناعُها بأن العاداتِ والتقاليدَ والنظرة إلى القِيم قد تتبدّل وتتعدّل بمرور الزمن.

لا يجوز للمثقّف أن يُموْضعها في خانة النهائي والمطلق. إذا أراد شعب ما أن يُحافظ على أصالته المتمثلة في سِماته المميّزة فما عليه إلا اتّباع منحى التجديد والإبداع لا التبني الفكري بدلا من الإنجاب الفكري. يُقال إن أوّلَ التجديد هو أن نقتلَ القديمَ بحثاً وتمحيصا. قسم كبير من الثقافة العربية المعاصرة ما هو إلا اجترار وتكرار للماضي. هناك هالة وقوالب جاهزة شبه متحجّرة يتقوقع الانسان العربي المعاصر فيها. كما أنّ الفهم الشائع للثقافة لا يمتّ بالحياة والواقع بأوهى رباط، في حين أن الثقافة الحقّة يجب أن تتجلّى في كل شكل من أشكال الحياة.

 أيّ مستوى من الثقافة قد يسود مجتمعاً تنقصه إلى حدّ كبير الحرية السياسية والاجتماعية. أضف إلى ذلك أن المجتمع العربي يرى أنّ أداة الثقافة الرئيسية - اللغة - هي الهدف في حدّ ذاته وليستِ الوسيلةَ لتحقيق الهدف وهو العلم والمعرفة والإبداع. هذا أمرٌ عظيم الأهمية والخطورة ولا مندوحة من إعادة النظر فيه مليّاً ووضع الأمور في نصابها الصحيح والنافع. إنّ تعلّم أية لغة في العالم يتمّ لتحقيق أهداف معيّنة، منها عادة القراءة والتكلّم والكتابة بتلك اللغة. هذه هي المهارات اللغوية الأساسية الثلاث التي يسعى كلّ طالب جادّ من أجل تحقيقها.

 هناك بالطبع غايات أخرى من وراء تعلم لغة ما مثل المقارنة اللغوية البحتة بينها وبين أخواتها أو فصائل لغوية متنوعة. المنحى العامّ في صفوف المستشرقين حتى يوم الناس هذا، هو معرفة اللغة العربية الفصحى نظريا فقط. بعبارة أخرى، أولائك المستشرقون والأساتذة يقرأون العربية ويبحثون فيها وفي الحضارة العربية عامّة ويدرّسونها ولا قدرةَ لهم لا على التكلّم بها ولا على الكتابة بها. ولا نكون مغالين إذا ما قلنا إن التلفاز بصحونه المتنوعة غدا ”مُخدّرا” جديدا بدلا من أن يكون أداة معرفة وتثقيف. كما أن الكتاب الجادّ شأنه شأن السينما والمسرح الهادفين في تقهقر مستمر والطلب الكاسح في السوق هو لمؤلفات دينية وغيبية وجنسية وطبيخية، العربي لا يقرأ.

إعتقد الكثيرون من العرب وما زالوا بأن معرفة اللغة العربية الفصحى هي الثقافة بعينها. أن يُجيد الشخص صرفَ العربية ونحوها ومفرداتِها معناه بلوغ القمّة في المعرفة والثقافة. ينبغي أن ننوّه بأن استنتاج قواعد اللغة العربية وتدوينها انبثق من أجل الحفاظ على القرآن الكريم من اللحن.

 الغاية المركزية من تعلم قواعد اللغة هي، في المقام الأوّل، استعمال اللغة بمهاراتها الثلاث بشكل سليم وواضح قدر الإمكان. على كل مجموعة بشرية تتوق إلى التقدّم والمشاركة في الحضارة الإنسانية العالمية أن تلفُظ الغيبيات من قاموسها لفظَ النواة والعمل الجادّ وفق أسس عقلانية بصراحة وبعلنية وبحرية تامّة. في العالَم العربي الحديث نظرياتٌ عديدة بشأن العلاقة القائمة ما بين التُراث العربي الإسلامي والحضارة الغربية الراهنة. هناك مفكّرون وكتّاب كعباس محمود العقاد نهلوا من كلا المصدرين وآخرون كطه حسين قبلوا بعض التراث فقط وكلَّ الحضارة الغربية. طه حسين قال ”أن نسير سيرة الأوروبيين حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد وما يُعاب”.

محمد عبده، على سبيل المثال، اعتمد على التراث بأكمله وانتقى نواحي معينة من التراث الغربي في حين أن بعض الآخرين كأحمد أمين غرف من هنا وهناك بعد أن أجرى بعض التعديلات. أما بعض الشعراء وكتّاب المسرحية والقصة فقد ابتعدوا عن كلا المصدرين. ثمّ أين دور المرأة العربية في عملية التعليم والتثقيف وهي، كما يقال مرارا وتكرارا، نصف المجتمع؟ للأسف ما زالت النظرة العامة إليها تعتبرها مخلوقاً قاصرا ومقتصرا على تأمين المتعة الجنسية واستمرار الجنس البشري والقيام بالمهام المنزلية.

هذه الأسطر التالية للأديبة السورية المعروفة، غادة السمّان، تعكس بجلاء إشكاليةَ الدمج بين مصدرين متضادين إلى حدّ كبير.

 مما يجدُر ذكرُه أن الأديب المشهور الدكتور يوسف إدريس كان قد نعت غادة السمّان بأنها ”... أفصح الكاتبات العربيات لأن لها أبجدية خاصّة بها... لا تقلّ فصاحةً أو شعراً عن الخنساء”. خطّت غادة السمّان في كتابها الثامن والعشرين ”عاشقة في محبرة” المطبوع عام 1995 ” ما يلي ص. 97 ”عاشقة في سهرة باريسية، كتبت في 13/1/1989: ثمّة شيء هزلي في علاقتنا تريدُ منّي أن أرتدي ثياب ” ديور وأتعطّر مثل أميرة موناكو وأحفظ الموسوعة البريطانية واستمع إلى برامز شرط أن أفكّر كما كانت تفكِّر جدّتي تريدني متعلمة مثل ”مدام كوري ومغرية مثل ”مادونا راقصةً بجنون في ليلة رأس السنة مثل ”لوكريس بورجيا” شرط أن أظلّ )محافِظة( مثل رابعة العدوية ولكنّك نسيتَ أن تقول لي كيف..

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أهمية فصل الدين عن العلم وضرورة ذلك لبناء مجتمع متقدم إذ أن القوانين الإلهية تتّسم بالثبات والكلية الشمولية في حين أن القوانين الوضعية غير ذلك. أهناك سبيل معقول لخلق مجتمع متقدم علميا من حيث المادّة والروح على حدّ سواء؟ تقنيات عالية وأخلاق حميدة؟



(400168) 1
خبيث
مش صهيوني
أسلوبك خبيث ومترهل، رودس السم بالعسل. من يمر عبر مقالاتك يستشف نفس ألاعيب الجزيرة القطريه في هدم الهويه العربيه وتسلل مفاهيم مغلوطة في أوساطها، ولا أدل في ذلك فقرتك الاخيره بضروره فصل الدين عن العلم!.... ولا ادري ما تريد وأي فصل هذا، وهي جمله يتقبلها ويغني لها مستشرق حاقد ويريد تسويقها بخبث في أوساط أهل لغة الضاد، لغة القران ، والذين أبدعوا وتالقوا لأزمان طويله في كل المجالات وخاصة العلوم، عندما ارتبطوا ذهنيا وفكريا وعلميا وروحيا بدينهم الإسلامي ، الذي تحاورهم انت ولكن بخبث بلغتهم ولغة ناموسهم الذين أبدعوا من خلاله. وهي حقيقه ساطع ينكرها فقط الخبيث ذو النوايا القذره. ولا تاخذنك سفاهة وتفاهات أهل الشرق المتخلف حاليا لأنهم ابتعدوا عن ناموسهم الحق، وهي سنن الدنيا بتارجح البشر والأقوام في الأماكن والأزمان . وخاصة انك تنعت أهل أمريكا وأوروبا بالحضارة ، ولكن اي حضارة هذه اذا سقطت أخلاق البشر واصبح مقياس البشر هو الخلاعه واللوطيه والإباحية والتطاول والإهانات باسم حرية الرأي وغيره وغيره، وللأسف يركض الكثير من أهل الشرق ورا هذه الخلطبيطه اللتي تودي فقط بانحلال الأسر والأخلاق، وان ابدع ممن تطبل انت لهم في صنع الصواريخ والسيارات وخلافه. وعجبي وانت دكتور ان تستغبي نفسك، أو تحاول ان تستغبينا.
February 2, 2013 3:04 AM


(400171) 2
تريد ان تقول ان الاسلام هو السبب ويجب ان نسير حسب مقولة طه حسين
ادم
حسب رأيي يجب التقييد بروح الاسلام الوسطي والانفتاح نحو الاخر الذي يمثل اليوم النجاح لكن الانظمه والدول هي التي يجب ان تضع الاساس لنمو الشعوب بدل البحث عن كيفية صيانة وحماية الانظمه الدكتاتوريه ببذل اموال الشعب للمخابرات التي تكبت الشعوب لكي تتفرغ هي للنهب
February 2, 2013 4:28 AM


(400181) 3
د.حسيب
حائر
كم انت رائع ....محبتي لك.
February 2, 2013 7:22 AM


(400183) 4
مقالة على الوجع
ناصر الخليلي
روعة! نعم فصل الدين عن العلم وعن الدولة! نعم العرب والمسلمون في آخر السلم الحضاري في العالم! لا جامعة عربية واحدة ضمن الـخمسمائة الأولى ولإسرائيل نصيب في العشرات الأولى يتا مش متصهين.
ناصر
February 2, 2013 8:14 AM


(400185) 5
جازاك الله خيرا يا أستاذ!
صالح
يُقال إن أوّلَ التجديد هو أن نقتلَ القديمَ بحثاً وتمحيصا!تمعنوا يا يشر بهذه الجملة مثلا!
صالح
February 2, 2013 8:19 AM


(400186) 6
مثل لموت الاجتهاد
عماد
ما ينضح به المش صهيوني أقوال ممجوجة وهذا يدل على انقراض الاجتهاد في العالم العربي والإسلامي. علا فأل العرب في الأندلس مثلا لأنهم شجعوا الاجتهاد وبحث كل شيء بالعقل والفلسفة لا بالغيبيات كما تقول أنت وأمثالك وما أكثرهم وإلا لتقدم العرب.
عماد
February 2, 2013 8:24 AM


(400217) 7
الدين الكامل والأديان التي لم تكتمل!
ABdoalhalabi
" ان جوهر الحضارة هو العلم والعقلانية. نرى أن المصيبة النكراء في مجال الثقافة والفكر في العالم العربي هو ذلك الوضع المحبط والتعيس الذي فيه صاحبُ الحلّ والربط في ذلك هو الحاكم ذو السلطان. بيده النار والنور في حين أن العلم والمعرفة هما في الواقع يجب أن يكونا السلطة. الحقيقة المطلقة لا وجودَ لها فهي نسبية ومتغيّرة. إنّ عملية الثقافة الحقيقية تأبى أن تكتفي بالموجود فهي في حركة مستمرة من البحث والتحليل لتفسير ما يجدّ من تساؤلات في حياة البشر. فالثقافة بمثابة الرصيد الروحي لحضارات الشعوب، وهي المبلورة لوجدانها وعقلها."
كلام سليم٫يستنتج منه : أن سبب تخلف المجتمعات العربية هو الحاكم المستبد الذي "بيده النار والنور" ..الذي يلغي العلم الذي يضيء سبل المستقبل ويستخدم نيران عسكره ومخابراته "ضباع الصيد الليلية " في قتل العقل المتنور الذي يستشف آفاق مستقبل حياة أفضل لأفراد الشعب والمجتمع..
وقد أعطى الأسلام قيمة عظيمة للعلم٫وللأنسان المتعلم وفضله .. حيث فضل رب العزة سيدنا آدم ٫لعلمه ٫حتى على أغلب ملائكته ٫كما ورد في سورة البقرة٫الآيات 31 و32 و33 :
"وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين. قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ماعلمتنا انك أنت العليم الحكيم. قال ياآدم انبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ماتبدون وماكنتم تكتمون"
February 2, 2013 3:11 PM


(400219) 8

ABdoalhalabi

‎كما حث الأسلام على استخدام العقل ٫وثمنه في العديد من آياته٫كما ورد في سورة البقرة الآية 164‫:‬
‎ ‫"‬انَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي
‎فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‫"‬
‎وأيضا في سورة الحج٫الآية 46‫:‬
‎ ‫"‬أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ‫"‬
وأعتقد بأنك قد أصدرت حكما متسرعا عندما قلت :
"لا بدّ من الإشارة إلى أهمية فصل الدين عن العلم وضرورة ذلك لبناء مجتمع متقدم إذ أن القوانين الإلهية تتّسم بالثبات والكلية الشمولية في حين أن القوانين الوضعية غير ذلك"
ان فصل الدين أو الأديان التي لم تكتمل , لأنها لم تحث على العلم ولم تعط قيمة للعقل , شيء مطلوب٫أما الدين الأسلامي ٫الذي يثمن العلم والعقل والعمل ٫فغير محتم بالضرورة عملية فصله والغائه لكي ينعم الأنسان بمستوى معيشي مادي معاصر .. فالبناء المادي الجسدي لايحقق للأنسان اشباعاته الكاملة أو التامة اذا لم يتكامل وينسجم مع البناء المعنوي أو النفسي "الروحي"… وهذا ما سبب في الغاء أو بطلان صلاحية النظام الشيوعي وما يعمق ويزيد شراسة أزمة النظام الرأسمالي الحالي…
February 2, 2013 3:13 PM


(400365) 9
سبب تأخر العرب والمسلمين البتعاد عن الاجتهاد
آدم
نعم عدم استعمال العقل، التحليل العلمي في كل شيء من أسباب تأخر العرب والمسلمين في العالم. إنهم ينصاعون ورآء الغيبيات والماضي بدلا من الحاضر والمستقبل.
آدم
February 4, 2013 9:25 AM


(400392) 10
Thanks dr Haseeb
Naser Elmasri
هذه المرة حرمتني من ممارسة هوايتي بنقد مقالتك وطول اللسان، تحليل علمي واقعي تستحق الشكر عليه يا دكتور
February 4, 2013 1:48 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز