Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

التمديد والتفتيييييييييييييييييييش

 في‏ ‬الواحد والعشرين من تمّوز عام ٢٠٠١ ‬انتهت مدة صلاحية جواز سفر ابنة حسام الشادي،‏ ‬هالة ابنة الثلاثة عشر عاما‏. ‬بعد ذلك بأيام معدودات،‏ ‬وعلى وجه الدقة والتحديد وبالرغم من عدم استملاح استعمال وزن‏ "‬التفعيل‏" ‬في‏ ‬هذه الحقبة الحرجة والعصيبة في‏ ‬الأرض الحبيبة،‏ ‬في‏ ‬يوم الجمعة الموافق للسابع والعشرين من الشهر المذكور توجّه حسام إلى سفارة بلاده في‏ ‬ابنة البلطيق بغية تقديم طلب لتمديد صلاحية جواز السفر المذكور‏.

 أآتٍ‏ ‬أنت إلى السفارة؟ جاء هذا الاستفسار الاحترازي‏ ‬بالإنجليزية كردّ‏ ‬فعل على ضغط حسام الكهل على زر كُتب بجانبه‏ "‬السفارة الاسرائيلية‏" ‬بالإنجليزية‏. ‬نعم،‏ ‬إلى السفارة،‏ ‬ردّ‏ ‬السيد حسام بالعبرية‏. ‬وهل تحمِل جواز سفر إسرائيلي‏ ‬وكيف‏ ‬يدعونك‏ (‬ما اسمك‏) ‬ردّ‏ ‬سائلا بالعبرية ذلك الموظف المجهول الرائي‏ ‬وغير المرئي‏ ‬القابع في‏ ‬حُجيرة في‏ ‬شقة فسيحة في‏ ‬الطابق السادس من عمارة ليست بحديثة العهد‏. ‬أجاب حسام على الأسئلة موضّحا أن هدف المجيء هو تمديد جواز سفر ابنته كما كان قد أبلغ‏ ‬موظفا في‏ ‬القنصلية هاتفيا في‏ ‬اليوم السابق لقدومه‏.

‬ في‏ ‬الواقع،‏ ‬قال حسام‏ "‬لاطي‏ ‬في‏ ‬خلقة خشّة‏" ‬بلهجته الفلسطينية الحلوة والسيّالة سيولة وديان بلاده في‏ ‬فصل الشتاء‏. ‬صفن حسام مليّا وأعمل فكره قدر المستطاع في‏ ‬مثل هذه الحالات‏ ‬غير العادية راجيا أن‏ ‬يستبدل تلك الكلمات العامية الثلاث بأخريات فصيحات ولكن دون جدوى‏. ‬لا ضير في‏ ‬ذلك،‏ ‬همس حسام المحنّك في‏ ‬عبّه وهو‏ ‬يتمتم بصوت خافت‏ "‬الألفاظ خدم للمعاني‏" ‬وعلى الانسان العصري‏ ‬المثقف انتقائها بدقة وعناية فائقتين‏. ‬هذه العبارة أو ما‏ ‬يشبهها،‏ ‬كان حسام قد قرأها منذ فترة طويلة في‏ ‬مطالعاته اللغوية الحثيثة والمنتظمة‏.

 ‬إن أساس الثورة الفكرية الحقيقية تبدأ باللغة وعاء الفكر والوجدان‏.‬ استقلّ‏ ‬حسام المصعد أو المحمل الكهربائي‏ ‬ذا الحبال قاصدا الطابق السادس وهو الطابق الأخير‏. ‬قليلة مثل تلك المصاعد في‏ ‬عصرنا المتطور هذا في‏ ‬أوروبا على الأقل‏. ‬أخذ حسام‏ ‬يفكر متى وأين كان في‏ ‬مثل هذا المصعد في‏ ‬المرّة الأخيرة‏. ‬مقعد خشبي‏ ‬صغير قد‏ ‬يتّسع لاستين منكمشين على أكثر تقدير داخل المصعد‏.

‬شيء ملفت للانتباه وربما كان حسنا أن تكون في‏ ‬مصعد مكشوف ويتسنّى لك رؤية الخارج ومن بالخارج‏ ‬يراك‏. ‬كما وفي‏ ‬المصعد مرآة‏ ‬يستطيع المتواجد في‏ ‬هذا القفص المتحرّك بروتينية وعلى الدوام إلى الأعلى وإلى الأسفل أن‏ ‬يضع اللمساتِ‏ ‬الأخيرة على شكله وعلى هندامه ولا سيما على هيئة شعر الرأس فالانسان قادم إلى ملاقاة ممثلي‏ ‬بلاده ووطنه في‏ ‬الغربة‏.

 ‬تعلّم حسام ضمن ما تعلّم خلال العقد من السنين ونيّف الذي‏ ‬قضاه في‏ ‬بلاد الشمال،‏ ‬أن‏ ‬يلتقط المشط من جيبه الخلفي،‏ ‬ويمرره على ما تبقى من شعر في‏ ‬كلا جانبي‏ ‬الرأس ولا سيما في‏ ‬مؤخرة الرأس‏. ‬ وقد تذكّر حسام أن المشط آلة ضرورية في‏ ‬هذه البلاد ويجب أن‏ ‬يكون دائما متوفرا في‏ ‬الجيب كما كان بالنسبة للهوية الشخصية في‏ ‬الوطن‏. ‬أبى المصعد أن‏ ‬يتوقّف في‏ ‬الطابق السادس،‏ ‬كما كان من المفروض،‏ ‬بل‏ ‬يبدو أنه تكاسل وتقاعس وأخذ‏ ‬يلهث في‏ ‬طلعة‏ "‬الليّات‏" ‬وتوقّف حوالي‏ ‬شبرين أو فترين تحت أرضية الطابق السادس‏. ‬معنى ذلك أن لا مجال لفتح بابي‏ ‬المصعد والخروج منهما‏. ‬عطب تقني‏ ‬طارىء قد‏ ‬يكون السبب المباشر لمثل هذا الوضع الشاذ‏. ‬دون تفكير طويل أو تلكّع مدّ‏ ‬حسام سبابته اليمنى وضغط على زرّ‏ ‬الطابق الخامس ومن هناك صعد برجليه الثابتتين إلى العنوان المنشود‏.

‬ وقف شاب إسرائيلي‏ ‬يهودي‏ ‬بباب مكتب السفارة مستقبلا الزبون الجديد حسام‏. ‬استهل الشاب استقباله لحسام بوابل من الأسئلة والاستفسارات فهذه طبيعة مهمّة مثل هؤلاء الشباب‏:‬ عليّ‏ ‬أن أفتشك وأفتش ما في‏ ‬حوزتك قبل السماح لك بالدخول إلى‏ ‬غرفة الانتظار أو الصالون،‏ ‬قال الشاب‏ ‬فردّ‏ ‬حسام‏ "‬لا بأس‏".‬ ما اسمك الكامل؟ حسام الشادي أين تسكن في‏ ‬فنلندا؟ في‏ ‬هلسنكي أفي‏ ‬حوزتك سكين أو مقصّ‏ ‬أو أية آلة حادة؟ كلا‏!‬ أفي‏ ‬حوزتك سلاح شخصي‏ ‬للدفاع عن النفس؟ لا،‏ ‬لست بحاجة‏.‬ ألديك‏ ‬غاز مسيل للدموع؟ كلا‏!‬ بهذه الأسئلة القصيرة والهامة انتهت جولة الاستفسار وجاء دور الفحص الجسدي‏ ‬ميكانيكيا‏. ‬لاحظ حسام،‏ ‬حين وطئت قدماه مصطبة الطابق السادس،‏ ‬أن بابا إضافياً‏ ‬قد بُني‏ ‬بجانب المدخل الرئيسي‏ ‬وأن آلة لفحص المعادن قد نصبت وهي‏ ‬بشكل مستطيل أمام المدخل‏.

 ‬مثل هذه الآلة‏ ‬يعرفها المسافرون عند دخولهم وخروجهم للمطارات الدولية‏. ‬لا بد أن هذا التغيير قد طرأ في‏ ‬الأونة الأخيرة،‏ ‬إذ أن حسام لا‏ ‬يذكر مثل هذا في‏ ‬زيارته الأخيرة التي‏ ‬كانت قبل ثلاث سنين تقريبا‏. ‬مرّ‏ ‬حسام بخطى رزينة في‏ ‬حيز الآلة آنفة الذكر فأخذت في‏ ‬التململ والصفير‏. ‬معنى ذلك عادة أن هناك معدنا ما في‏ ‬مكان ما على جسد الآدمي‏ ‬المنخرط في‏ ‬عملية التفتيش‏. ‬ أهناك أشياءُ‏ ‬أخرى في‏ ‬جيوبك‏ ‬،‏ ‬سأل الشاب القائم على عملية الفحص محاولا مساعدة الكهل المحترم حسام‏. ‬لا،‏ ‬لا شيء سوى لفافة بلاستيكية فيها أقراص تحتوي‏ ‬على نسبة عالية من الچلوكوز وزنها أربعون‏ ‬غراما،‏ ‬أجاب حسام بكل هدوء وموضوعية وأخرجها من جيب سرواله الصيفي‏ ‬ووضعها على الطاولة الصغيرة حيث بقية ممتلكاته‏.

 ‬هل هناك أي‏ ‬شيء معدني‏ ‬في‏ ‬الحذاء؟ سأل الشاب‏. ‬وعندما ردّ‏ ‬حسام بالنفي‏ ‬طُلب منه ثانية أن‏ ‬يجري‏ ‬الفحص الآلي‏ ‬وحدث ما حدث في‏ ‬الكرّة الأولى‏. ‬أصدرت الآلة صفيرا رتيبا في‏ ‬الذهاب وعند الإياب‏. ‬وضع الشاب الجديّ‏ ‬والعملي‏ ‬كفّه على صدغه وأمعن في‏ ‬التفكير لعله‏ ‬يفك لغز المعضلة‏. ‬وبعد هنيهة،‏ ‬صمت عميق،‏ ‬أشار ذلك الشاب الذي‏ ‬لم‏ ‬يعرّف بنفسه عند الاستقبال ولا خلال الاستقبال ولا عند انتهاء المعاملة،‏ ‬بأن الحزام قد‏ ‬يكون السبب في‏ ‬صفير الآلة‏.

 ‬وما كان من السيد الزائر المطيع طواعية أو قسرا إلا أن‏ ‬ينزع الحزام الذي‏ ‬على وسطه ويلقيه على الطاولة المعدة لحمل متاع الزائرين الذين‏ ‬يتحتم فحصهم‏. ‬الحق‏ ‬يقال،‏ ‬ان هناك طاولتين الواحدة أكبر من الأخرى والصغيرة وهي‏ ‬كالإسكملة،‏ ‬كما‏ ‬يسميها العرب في‏ ‬فلسطين‏. ‬ربما بدا على وجه الشاب أنه قد اكتشف السبب وقد‏ ‬يكون قد صاح في‏ ‬أعماق داخله‏ "‬يوريكا‏ ‬يوريكا‏" ‬كما فعل العالم اليوناني‏ ‬الشهير أرخميدس قبل أكثر من اثنين وعشرين قرنا‏. ‬كل هذا قد‏ ‬يكون ممكنا وبنفس الدرجة من الاحتمال قد‏ ‬يكون‏ ‬غير ممكن بل مجرد تكهنات دارت في‏ ‬دماغ‏ ‬حسام‏.

 ‬في‏ ‬طرف الحزام،‏ ‬كما هو معروف ومألوف،‏ ‬إطار وإبزيم معدني‏ ‬قد‏ ‬يكون من حيث المنطق سببا في‏ ‬صفير الآلة التي‏ ‬من المفروض أن تقوم بواجبها كما برمجها عقل البشر‏. ‬ ولا بد من التنويه في‏ ‬هذه المرحلة ان السيد حسام لا‏ ‬يولي‏ ‬اهتماما كبيرا لمثل هذه الأمور الصغيرة التي‏ ‬كان قد اعتاد عليها ويدع الحقيقة الخالصة وغير المزيفة أن تقول كلمة الفصل وقت‏ "‬الحزّ‏ ‬واللز‏". ‬بعبارة مقتضبة،‏ ‬إنه‏ ‬يفضل العمل على القول‏. ‬قام السيد حسام بتنفيذ ما طلب منه للمرة الثالثة‏. ‬خطوات معدودات لا تتجاوز الست ذهابا ومثلها إيابا‏. ‬إلى الأمام سر وإلى الخلف در‏! ‬لقد تذكر حسام هذه العبارة وومضت في‏ ‬أعماق قلبه وعقله‏. ‬تلك العبارة التي‏ ‬طالما رددها أساتذته للرياضة البدنية قبل أربعين عاما ونيّف في‏ ‬الجليل الأشم‏. ‬أصرّت الآلة على الصفير رغم كل المحاولات الجادة والتعاون المشترك بين الطرفين،‏ ‬فمن‏ ‬يريد أن‏ ‬يعرّض نفسه للخطر‏.

 ‬وفي‏ ‬آخر المطاف‏ ‬يئس القائم على التحقيق والتفتيش وعندها سمع صوتا من داخل الباب الرئيسي‏ ‬يقول‏: ‬دعه فهو ليس داخلا إلى المكتب هنا بل إلى الحجيرة الجانبية الخاصة بالمعاملات القنصلية‏. ‬ أخذ حسام‏ ‬يلملم أغراضه من على الطاولة وربط الحزام الذي‏ ‬كان متدليا من على الطاولة آخذا شكل أفعى هامد‏. ‬وعندها سمع حسام صفيرا من نوع آخر،‏ ‬إنه صفير‏ ‬يعلن عن إمكانية الدخول فالباب في‏ ‬حالة انفتاح إذا دفع به إلى الداخل‏. ‬مثل هذا النمط من الصفير‏ ‬غير خاف على حسام الذي‏ ‬تعرّف على الكثير الكثير من تقنيات العصر الراهن في‏ ‬بلاد الشمال النائية عن وطنه في‏ ‬الشرق‏.

 ‬ففي‏ ‬كل وحدة سكنية مؤلفة من طوابق مثل هذا النظام من أزرار الصفير المعلنة عن قدوم زائر والسماح له بدخول العمارة إثر كبس الزر‏. ‬يبدو أن القابع في‏ ‬قرنته في‏ ‬الداخل،‏ ‬الذي‏ ‬يرى ولا‏ ‬يرى،‏ ‬سبحان الله القدير من مثل هذه العبارات،‏ ‬فهذه رؤية وتلك رؤيا وهذا راءٍ‏ ‬عبر شاشة التلفزيون التي‏ ‬تعكس ما تزودها به الكاميرات المبثوتة في‏ ‬كل ركن من أركان العمارة‏. ‬وذلك راءٍ‏ ‬في‏ ‬الداخل في‏ ‬أعماق شاشة القلب والأحشاء ومحبّ‏ ‬كل الحب والرحمة لكل بني‏ ‬البشر دون أي‏ ‬فرق أو تمييز مواطنا كان من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة‏. ‬الخالق قد خلق الانسان بصورته‏.

 ‬ففي‏ ‬العدد السادس والعشرين من سفر التكوين جاء‏ "‬وقال الله‏: ‬لِنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا،‏ ‬وليتسلط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع وحوش الأرض وكل ما‏ ‬يدِبّ‏ ‬على الأرض‏". ‬حسام لم‏ ‬يتمكن من الدخول رغم دفعه الباب إلى الداخل أكثر من مرّة‏. ‬وعندها هبط صوت من الداخل وصل الخارج مخترقا سمك الباب الكبير‏ ‬يرشد حسام ويقول‏:"‬إنك لست أمام الباب الصحيح‏". ‬عاد حسام بضع خطوات إلى الوراء ودفع الباب الجانبي‏ ‬إلى الداخل،‏ ‬إلى الصالون،‏ ‬وما أدراك ما الصالون‏. ‬ كان الجوّ‏ ‬في‏ ‬ذلك اليوم حارا بصورة‏ ‬غير عادية فقد وصلت درجة الحرارة إلى أكثرَ‏ ‬من ٢٧ ‬درجة سالزيوس وقلّما‏ ‬يكون الطقس هكذا في‏ ‬هذه البلاد‏. ‬هذا الصالون عبارة عن حجيرة مستطيلة الشكل طولها أكثر من مترين بقليل وعرضها أكثر من متر بقليل‏. ‬فيها طاولة مربعة صغيرة فاتحة اللون وثلاثة مقاعد خشبية وعلى جدرانها بعض الصور لمناظر وآثار معروفة في‏ ‬الديار المقدسة‏.

 ‬هذه الصور مشفوعة ببعض العبارات التفسيرية بالعبرية والعربية والإنجليزية والروسية‏. ‬قد‏ ‬يبدو أن اللغة الروسية قد أصبحت في‏ ‬الواقع اللغة الرسمية الثانية في‏ ‬البلاد وليس اللغة العربية فهي‏ ‬كذلك من ناحية شكلية أو رسمية‏. ‬ما أكثر الرسميات والشكليات في‏ ‬القنصليات والسفارات والوزارات بلا وزارة في‏ ‬الوطن الأم‏. ‬لا نافذة في‏ ‬الصالون،‏ ‬اللهم سوى طاقة زجاجية‏ "‬قدّ‏ ...‬العقربة‏" ‬وسط الحائط المطل إلى الداخل مهمّتها تسليم أوراق ووثائق لموظف في‏ ‬الداخل ومن ثم تسلّمها‏. ‬تتمّ‏ ‬هذا المعاملة أو العملية الرسمية عبر فتحة نصف دائرية للكوّة‏.

 ‬وبجانب تلك الكوة إبريق زجاجي‏ ‬فيه بعض الماء وبمحاذاته كؤوس‏. ‬كما ولاحظ حسام خلال مكوثه القصير الطويل في‏ ‬الصالون المذكور أن هناك رفّاً‏ ‬بلاستيكيا وضعت فيه نشرات مختلفة بالفنلندية والإنجليزية فالإنجليزية لغة عالمية ولغة البلاد وقت الانتداب وربما كانت اللغة الثانية في‏ ‬الواقع لا من حيث الرسميات والشكليات‏. ‬منها،‏ ‬على سبيل المثال لا الحصر،‏ ‬دورات تعليمية للغات في‏ ‬الجامعة في‏ ‬العاصمة الفنلندية‏. ‬كما ولاحظ حسام بعض الإعلانات بالإنجليزية بشأن إيجار شقق في‏ ‬مدينة السلام والديانات السماوية الثلاث‏.

‬وهل هذه المدينة لأصحاب هذه الديانات كما قد‏ ‬يعتقد البعض؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف‏ ‬يمكن التقسيم بناءً‏ ‬على العدد،‏ ١٤ ‬مليونا من اليهود في‏ ‬العالم وأكثر من مليارين من المسيحيين في‏ ‬العالم وحوالي‏ ‬مليار من المسلمين في‏ ‬العالم؟ أم أن الأمر‏ ‬غير ذلك،‏ ‬بل أن المدينة محتلة وفق الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ولا بد من إرجاع الأرض المحتلة إلى أصحابها وفق اتفاقيات سلام دائم وعادل مستند إلى الشرعية الدولية ولا شرعية سواها في‏ ‬عصرنا الحديث؟ وعلى أصحاب السيادة في‏ ‬مدينة السلام منح الحرية كاملة دون أي‏ ‬نقصان لرعايا الأديان الأخرى‏. ‬وهناك من‏ ‬يقول إن القدس لم تكن عاصمة لأية دولة‏. ‬ويحكى أن بن‏ ‬غوريون لم‏ ‬يوافق على القدس لتكون عاصمة للدولة العبرية بسبب المشاكل والمخاطر المكتنفة مثل هذا القرار‏. ‬وهو نادى بتل أبيب عاصمة له‏. ‬كما أن طهران عاصمة إيران وهي‏ ‬ليست مدينة مقدسة هناك والرياض وليست مكة عاصمة المملكة العربية السعودية‏. ‬كل شيء قابل للتفسير والتحليل والتعليل كما‏ ‬يراه صاحب القرار والقوة لا صاحب الحقّ‏ ‬والعدل‏.

‬ ومن العجيب الغريب أن نشرة حملت العنوان‏ "‬مسادا،‏ ‬رمز الحرية اليهودية‏" ‬بالإنجليزية قد لفتت انتباه حسام بشكل ملحوظ فهو مولع بالحرية عاشق لها كالطائر‏. ‬إنها نشرة من نشرات مركز الإعلام في‏ ‬القدس‏. ‬وحسام‏ ‬يتذكر الكثير مما تعلمه في‏ ‬المدرسة والجامعة قبل عقود عن مسادا‏. ‬إنها ذلك الجبل الصخري‏ ‬بالقرب من شواطىء البحر الميت الغربية‏.

 ‬والبحر الميت أو كما‏ ‬يدعوه الآخرون‏ "‬بحر الملح‏" ‬هو أكثر الأماكن انخفاضا في‏ ‬المعمورة‏. ‬وفي‏ ‬ذلك الجبل حاربت في‏ ‬القرن الأول للميلاد ثلة من الجنود اليهود روما العاتية القاهرة لانتزاع الكرامة والاستقلال والحرية‏. ‬آثر أولائك المحاربون البواسل أن‏ ‬يقتلوا أنفسهم وألا‏ ‬يرزحوا تحت نير التعذيب والقمع الأجنبيين‏. ‬في‏ ‬ذلك الزمان ىا إخواننا الكرام أضاف حسام كانت البلاد،‏ ‬بلادنا،‏ ‬تئنّ‏ ‬تحت الحكم الروماني‏. ‬حوالي‏ ‬أربعة أعوام استمر ما‏ ‬يسمّى في‏ ‬التاريخ باسم‏ "‬التمرد ضد روما‏" ‬من سنة ‏٦٦ ‬وإلى سنة ‏٧٠‬م‏. ‬لقد احتل تيطس القدس عام ٧٠‬م وهدم،‏ ‬كما تعلم عزيزي‏ ‬القارىء،‏ ‬الهيكل وقضى على الكثيرين من سكان المدينة ونفى ما تبقى من اليهود عن البلاد‏. ‬وقد تمكن بعض المحاربين اليهود الافلات من قبضة القيصر المحكمة وتوجهوا إلى مسادا التي‏ ‬كانت تحت سيطرة إخوانهم منذ بداية التمرد‏.

‬وكانت قمة مسّادا محصّنة إذ أنها كانت معقل الملك هيرودوس قبل التمرد المذكور بقرن من الزمان‏. ‬فهيرودوس كان‏ ‬يخشى من قيام رعاياه اليهود بخلعه وكذلك أخذ الحيطة والحذر حيال عدوته اللدودة كليوبترا،‏ ‬التي‏ ‬كانت تسوّل لها نفسها بتوسيع مملكتها وبسط سيطرتها على منطقة‏ ‬يهودا برمتها‏. ‬وبعد سقوط القدس كما ذكرنا كان عدد المقاتلين اليهود وأفراد أسرهم المتحصّنين على جبل مسادا حوالي‏ ‬الألف نسمة وصمدوا هناك عامين‏. ‬وفي‏ ‬عام ٧٢‬م حاصر اللواء فلاڤيوس سِلْڤا مسادا بقوة عسكرية قوامها عشرة ألف مقاتل روماني‏ ‬من الكتيبة العاشرة‏. ‬لم‏ ‬ينج من هذا الحصار المحكم سوى امرأتين اختبأتا في‏ ‬صهريج كما‏ ‬يروي‏ ‬المؤرخ اليهودي‏ ‬يوسيفوس فلاڤيوس‏. ‬وإليعازار بن‏ ‬يائير كان قائد اليهود وهو الذي‏ ‬أمر أتباعه عند الهزيمة المحققة بقتل أنفسهم بدلا من الوقوع أسرى وعبيدا في‏ ‬أيدي‏ ‬الأعداء‏. ‬وأضاف قائلا لهم‏ "‬هيا نغادر هذا العالم مع زوجاتنا وفلذات أكبادنا بحرية‏". ‬ويذكر التاريخ أن تسعمائة وستين شخصا،‏ ‬من الرجال والنساء والأطفال،‏ ‬قد وضعوا حدا لحياتهم‏.

 ‬قد‏ ‬يقول المرء إن هذه القصة خيالية إذ أن الدين اليهودي‏ ‬يحرّم قتل النفس فالذي‏ ‬خلقها هو الذي‏ ‬يأخذها وقد‏ ‬يقول الآخرون هذه قصة ترمز إلى الكرامة والحرية للتحرر من القمع والاحتلال البغيض والتشريد والتنكيل والتعذيب والتجويع والتركيع والتجريف والتخويف والتمييز والتركيز والتقتيل والتحطيم والتشليح والتجهيل والتزوير و‏... ‬مسادة رمز الكرامة والشرف وحزم الشعب وإصراره ليكون حرا طليقا من القمع والطغيان في‏ ‬أرضه وعلى حبات ترابه‏. ‬وهل هناك شيء أغلى وأعذب من الحرية‏. ‬إن الحرية نار متأججة في‏ ‬روح الأمّة تغذيها بنسماتها لتلسع وتحرق أعداءها‏. ‬رسالة مسادا جلية‏.

 ‬عندما‏ ‬يؤدي‏ ‬الجندي‏ ‬يمين القسم اليوم على قمة مسادا‏ ‬يقول‏ " ‬لن تسقط مسادا مرّة ثانية‏". ‬كما وترمز مسادا إلى أن اليهود لن‏ ‬يقتلوا أنفسهم كي‏ ‬يتجنبوا نير الاضطهاد الأجنبي‏. ‬ ظلّ‏ ‬حسام كل هذا الوقت القصير الطويل منتظرا قدوم الموظف المسؤول لتنفيذ المعاملة الرسمية‏. ‬لا أحد وراء تلك الطاقة الزجاجية‏. ‬لا‏ "‬حسّ‏ ‬ولا نسّ‏" ‬ولا حياة لمن تنادي‏ ‬أم‏ "‬أطرق‏ ‬يفتح لكم‏" ‬يبدو أن العبارة الثانية هي‏ ‬الطريق السوي‏ ‬المجدي‏ ‬في‏ ‬وجدان حسام وفلسفته الحياتية‏. ‬ما‏ ‬يبدو طبيعيا وسهلا،‏ ‬لا‏ ‬غبار ولا ذرة جدال فيه في‏ ‬مكان ما،‏ ‬قد‏ ‬يكون معقّدا وطويلا في‏ ‬مكان أخر‏. ‬ولكن والجميع‏ ‬يعلم أن الحقوق في‏ ‬معظم أنحاء الكرة الأرضية تنتزع انتزاعا ولا تقدم على صينية من الذهب أو الفضة أو النحاس الأصفر‏.

 ‬ قام حسام وضغط على الزر الخاص باستدعاء الموظف فقدمت موظفة وقالت لا بدّ‏ ‬من قدوم الزوجة من أجل تقديم طلب تمديد جواز سفر هالة‏. ‬ما زالت هالة تحت السن القانونية أي‏ ‬الثامنة عشرة،‏ ‬وعلى كلا الوالدين الحضور للتوقيع على استمارة التمديد‏. ‬وأضافت الموظفة البدينة والتي‏ ‬تحمل اسم‏ "‬جميلة‏" ‬سائلة وهل الاسم‏ "‬شادي‏" ‬فارسي‏ ‬الأصل؟ لا،‏ ‬بل عربيّ،‏ ‬أجاب حسام وكانت في‏ ‬نبرته مسحة من الاعتزاز والفخر بأصله وفصله‏. ‬ومن أي‏ ‬مكان أنت في‏ ‬البلاد؟ تابعت‏ "‬جميلة‏" ‬في‏ ‬استفساراتها التي‏ ‬طغى عليها كما ترائى لحسام ابن البلد طابع المجاملة وطقّ‏ ‬الحنك‏.

 ‬إني‏ ‬من قرية‏ "‬البروة‏". ‬وهل تعرف أناسا من‏ "‬كفر سميع"؟ استطردت‏ "‬جميلة‏". ‬مثل من؟ أجاب حسام بسؤال وكأنه تأثر بالثقافة اليهودية حيث في‏ ‬العديد من الحالات‏ ‬يجاب على سؤال بسؤال‏. ‬وطرح الأسئلة أمر هام وضروري‏ ‬في‏ ‬ميدان العلم والمعرفة وكما جاء في‏ ‬التوراة الشفوية اليهودية أن‏ "‬سؤال الحكيم نصف جواب‏". ‬وعندها تذكر حسام أنه سمع طرفة من تلميذ‏ ‬يهودي‏ ‬له قبل عقدين من الزمن‏. ‬كان ذلك التلميذ وهو مهندس معماري‏ ‬يدرس العربية الفلسطينية على يد الأستاذ حسام في‏ ‬حيفا إثر ما‏ ‬يسميه البعض حرب تشرين والبعض حرب‏ ‬يوم الغفران،‏ ‬غفر الرب الرحيم الغفار ذنوب الخطاة أجمعين،‏ ‬والبعض الآخر‏ ‬يطلق عليها حرب العام ١٩٧٣. ‬وتقول النكتة أن شخصا سأل‏ ‬يهوديا قل لي‏ ‬لماذا‏ ‬يجيب اليهود عادة على السؤال بسؤال؟ أجابه اليهودي‏: ‬ولِمَ‏ ‬لا؟ قالت جميلة مجيبة على استفسار حسام‏ "‬مثل مَن‏"‬،‏ ‬السفير هنا كان من تلك القرية قالت‏ "‬جميلة‏" ‬والحبور اعتلى محياها وكأنها تريد أن تقول لا فرق عندنا في‏ ‬البلاد بين هذا وذاك فالمساواة ديدننا وفلسفتنا وعلى رؤوس أولوياتنا‏. ‬عقّب حسام مصحّحا،‏ ‬لا إنه ليس من كفر سميع بل من كفر البطيخ الأصفر أو المسمر أو القرع أو الفقوس على ما أذكر،‏ ‬ويبدو أن ذاكرتي‏ ‬قد تخونني‏. ‬آه،‏ ‬أتعرفه شخصيا،‏ ‬أضافت مستفسرة كما وأرادت أن تعرف ماذا‏ ‬يفعل حسام في‏ ‬هذه البلاد الشمالية النائية‏.

 ‬ انصرف حسام من الصالون المذكور واستقل المصعد من الطابق السادس إلى الأول إلى الطابق الأرضي‏ ‬وكان الهبوط آمنا وسلسا دون أي‏ ‬عطب‏. ‬وقد طرأ في‏ ‬فكر حسام وهو‏ ‬ينتقل من السادس إلى الخامس إلى‏...‬أن هناك وزيرا عربيا جليليا في‏ ‬مستهل هذا القرن الحادي‏ ‬والعشرين في‏ ‬حكومة شارون‏. ‬ولكن والحق‏ ‬يجب أن‏ ‬يقال،‏ ‬وإن لم‏ ‬يقل فسوف‏ ‬يبان بل وسيسطع إن آجلا أو عاجلا،‏ ‬إن الوزير المشار إليه هو وزير بلا وزارة‏. ‬كما وأن السيد شمعون پيرس،‏ ‬مهندس اتفاقية أوسلو،‏ ‬رحمها الرب،‏ ‬يعمل وزيرا خارجيا في‏ ‬حكومة شارون الذي‏ ‬نادى بشعار مائة‏ ‬يوم لإعادة أو تثبيت الأمن والأمان في‏ ‬البلاد على جميع العباد أو لقمع الانتفاضة،‏ ‬انتفاضة الأقصى أو الانتفاضة الثانية‏. ‬ قلنا إن اللغة هامة وبالغة الأثر في‏ ‬الثورة،‏ ‬في‏ ‬الثورة الثقافية لكل شعب على وجه هذه البسيطة‏. ‬واللغة والمصطلحات ذات‏ ‬أهمية كبرى في‏ ‬البلاد فالقدس هي‏ ‬أورشليم،‏ ‬والتحرير أو التحرر من الاحتلال هو عنف وإرهاب،‏ ‬إعطاء الحقوق لأصحابها الشرعيين هو تنازل ومنّة من الطرف الآخر القوي،‏ ‬الغلام رامي‏ ‬الحجر المحتل بالفتح‏ ‬يوازي‏ ‬الجندي‏ ‬البالغ‏ ‬ببندقيته أو بدبابته أو برشاشه أو بصاروخه من الحوّامة أباتشي‏ ‬أو النفاثة ف ‏١٥ ‬أو ١٦!‬،‏ ‬عيش كتير بتشوف كتير‏!!‬

 ---- 1 ‏ ‬أي‏ ‬تشابه بين الأسماء التي‏ ‬وردت في‏ ‬القصة والواقع هو صدفة محض‏. ‬


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز