Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

فذلكة حول إعداد عربيّ‏ ‬المستقبل

صورة العربي‏ ‬السلبية صورة العربي‏ ‬جدّ‏ ‬قاتمة في‏ ‬أيامنا هذه،‏ ‬بل ومنذ مدّة طويلة قد تكون بدايتها سنة ‏١٤٩٢،‏ ‬حيث هوى حجر الزاوية الرئيس في‏ ‬صرح الحضارة العربية إثر طرد العرب من الأندلس‏. ‬ولفظة‏ "‬العربي‏" ‬تكاد تكون مرادفة للعديد من المعاني‏ ‬السلبية المعبّر عنها في‏ ‬العالم الغربي‏ ‬عامة وفي‏ ‬الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بألفاظ شتّى مثل‏: ‬همجي،‏ ‬إرهابي،‏ ‬لا‏ ‬يعوّل عليه،‏ ‬انفعالي،‏ ‬سلبيّ،‏ ‬متطرّف،‏ ‬صاحب المال والجِمال الخ‏. ‬والدول العربية،‏ ‬التي‏ ‬يزيد عددها عن العشرين،‏ ‬ليست بأوفر حظّاً‏ ‬من شعوبها المقموعة والمقهورة على أمرها حتى الآن،‏ ‬فهي‏ ‬ما زالت بعيدة عن النظام الديمقراطي‏ ‬والحريّات على أنواعها والأحزاب والمؤسسات المدنية ما زالت شبه‏ ‬غائبة‏ رغم حلول ما أطلق عليهاسم “الربيع العربي”. ‬

ملوك هذه الدول وأمراؤها وسلاطينها ورؤساؤها المعيّنون الوارثون أو المنتخبون بنسب،‏ ‬تصل دائما الى ‏٩٩‬،‏ ٩٩‬٪،‏ ‬ولا مثيل لهم في‏ ‬أية دولة من دول القارات الخمس،‏ ‬فهم لا‏ ‬يتنحّون عن عروشهم وينزلون عن كراسيهم إلا بسبب الوفاة أو التصفية الجسدية وبعد أن‏ ‬يكونوا قد أعدّوا واحدا من فلذات أكبادهم‏ "‬لخلافتهم‏". ‬وإنصافا للحقيقة لا بدّ‏ ‬من استثناء قطر عربي‏ ‬واحد في‏ ‬هذا الوصف للوضع المزري‏ ‬وهو لبنان‏. ‬أضف إلى ذلك المرض الوراثي‏ ‬وهو التشرذم المستشري‏ ‬في‏ ‬جسد وروح هذه الدول الواهنة التي‏ ‬لا‏ ‬يحسب لها أي‏ ‬حساب في‏ ‬هذا العالم الحديث الذي‏ ‬يسير الى التكتلات العسكرية والاقتصادية وبخطى العولمة التكنولوجية العملاقة‏. ‬الحكام العرب في‏ ‬واد وشعوبهم في‏ ‬واد آخر وكل في‏ ‬غيّه‏ ‬يعمه‏.‬

ضرورة الإصلاح يبدو أن العالم الغربي‏ ‬الحديث لا‏ ‬يذكر أيَّ‏ ‬شيء عربي‏ ‬إيجابي،‏ ‬اللهم سوى المصطلح،‏ "‬الأرقام العربية‏" ‬(Arabic Numerals)،‏ ‬التي‏ ‬هجرها المشرق العربي‏ ‬مستبدلاً إياها بما‏ ‬يدعى بـ‏ "‬الأرقام الهندية أو الغبارية‏" ‬وتبنّاها العالم بأسره‏. ‬وجامعة هذه الدول العربية لا تقوى على إنجاز أي‏ ‬مشروع ذي‏ ‬بال بسبب هذه الحالة العربية العامة،‏ ‬التقهقر والخمول والمحسوبيات والروح القبلية والعائلية والطائفية والانفرادية والانتهازية والعجز الصارخ في‏ ‬التغيير الجذري‏ ‬والمدروس،‏ ‬أكان ذلك مرحليا أم دفعة واحدة‏. ‬وفي‏ ‬الآونة الأخيرة كثر الحديث واللغط حول ضرورة الإصلاح في‏ ‬شتى ميادين الحياة في‏ ‬العالم العربي،‏ ‬وتفاقم الجدل حول الإصلاح حسب رؤى وأجندات من الخارج،‏ ‬أمريكا وأوروبا،‏ ‬أم من الداخل أي‏ ‬من الدول العربية المعنية نفسها وتمشيا مع أوضاعها وظروفها الذاتية‏. ‬لا‏ ‬يظن أي‏ ‬عاقل بأن مثل هذه الإصلاحات الجذرية في‏ ‬دمقرطة العالم العربي،‏ ‬حيث نصف سكانه تقريبا من الأميين،‏ ‬وعقلنة كافة ميادين العلم والمعرفة وفصل الدين عن الدولة‏ ‬يمكن تحقيقها في‏ ‬المستقبل المنظور‏. ‬بادىء ذي‏ ‬بدء،‏ ‬قادة الأربعمائة مليون إنسان عربي،‏ ‬هم أخر من‏ ‬يسعون بجدّ‏ ‬لمثل هذه‏ "‬الهزة الأرضية‏" ‬المجلجلة لأنها تعني‏ ‬خسارة السلطة،‏ ‬العرش والكرسي‏ ‬الوثير بالنسبة لهم ولذراريهم من بعدهم‏. ‬سيادة القانون وتساوي‏ ‬جميع شرائح المجتمع العربي‏ ‬أمامه وقيام السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بمهامها بالشكل الصحيح وبشفافية الخ‏.

 ‬من هذه الخيرات العظام التي‏ ‬ينعم بها عرب الشتات ويحلم بها عرب العالم العربي‏ ‬ما زالت كلها تقريبا حبرا باهتا على ورق أصفر‏. ‬ ما الحلّ؟ التربية ثم التربية ثم التربية ما هو‏ ‬الطريق الصحيح والممكن لتغيير هذا الوضع العربي‏ ‬المزري‏ ‬والبائس حتى النخاع على كافة الأصعدة؟ نرى أن الطريق الوحيد هو التربية ثم التربية ثم التربية‏. ‬من الثابت علمياً‏ ‬أن حوالي‏ ‬نصف ذكاء الطفل‏ ‬يتكوّن في‏ ‬غضون الأعوام الأربعة الأولى من حياته والسؤال الجوهري‏ ‬الذي‏ ‬يطرح نفسه بإلحاح هو‏: ‬هل العائلة العربية عامة والأم العربية خاصّة،‏ ‬ذات كفاءة فكرية وثقافية وروحية نفسية تؤهلها للقيام بتربية طفلها ورعايته،‏ ‬وفق الأطر العلمية السليمة ليصبح عضوا صالحا وحرا وفاعلا في‏ ‬المجتمع؟ نحن في‏ ‬عالم قاسٍ‏ ‬فيه القدح المعلى للكيفية لا للكمية‏ "‬عدّي‏ ‬رجالك عدّي‏"‬،‏ ‬وقطار التقدم الفكري‏ ‬والتكنولوجي‏ ‬سريع جدا،‏ ‬يمتطيه ذوو الهمم العالية ولا‏ ‬ينتظر المتقاعسين المتقوقعين في‏ ‬عباءات الماضي‏ ‬والغيبيات والظواهر الصوتية والجدل الدائري‏ ‬العقيم‏. ‬في‏ ‬الواقع،‏ ‬يجب أن تبدأ عملية إعداد المولود الجديد للحياة المنتجة منذ كونه جنينا في‏ ‬أحشاء والدته بواسطة مراعاة المبادىء الصحية الملائمة‏. ‬دور الأم المحوري‏ ‬في‏ ‬التربية لا‏ ‬يحتاج إلى أي‏ ‬برهان أو دليل،‏ ‬كما أن إسهام المرأة أو الزوجة في‏ ‬تفجّر عبقرية الرجال العظماء في‏ ‬التاريخ الانساني‏ ‬جليّ‏ ‬على مرّ‏ ‬العصور،‏ ‬ويُنظر مثلا في‏ ‬الكتيب‏ "‬المرأة في‏ ‬حياة العظماء‏" ‬لإبراهيم المصري‏ ‬والصادر ضمن سلسلة‏ "‬دار الهلال‏" ‬بالقاهرة عام ‏١٩٦١. ‬وقد تبيّن في‏ ‬الأبحاث النفسية الحديثة أن نقل الرضيع مثلا من ركن معين في‏ ‬البيت إلى مكان آخر كل فترة قصيرة أمر ضروري‏ ‬وذلك لإتاحة المزيد من الفرص أمامه لاكتساب الخبرات المختلفة عبر حواسّه‏.

‬إتاحة الفرص على الدوام لتعريض الطفل إلى صور كثيرة ومتنوعة من الحياة والطبيعة والأشخاص تساعد في‏ ‬تنمية قدرات الطفل العقلية والروحية‏. ‬في‏ ‬الركود جمود وفي‏ ‬الحركة والتغيير تجديد وانفتاح دون حدود‏. ‬وهناك سلسلة من الشروط الواجب اتباعها في‏ ‬العملية التربوية التعليمية البيتية فدار الحضانة،‏ ‬فروضة الأطفال فالمدرسة الابتدائية الخ‏. ‬على الدولة العصرية المخلصة أن تضع موضوع التربية والتعليم في‏ ‬أعلى سلم أولوياتها لإنشاء مجتمع حضاري‏ ‬ينتزع مكانته انتزاعا ليحلّ ضمن الدول الراقية في‏ ‬هذا العالم،‏ ‬الذي‏ ‬لا‏ ‬يقيم أي‏ ‬وزن أو حساب للدول الضعيفة اقتصاديا وعسكريا والمتأخرة علميا وثقافيا‏. ‬ودور البيت،‏ ‬وبالأخصّ‏ ‬الأم،‏ ‬هام جدا في‏ ‬تشييد المدماك الأول في‏ ‬هذه العملية التربوية الثقافية المتجددة واللامتناهية‏. ‬وهذا‏ ‬يعني،‏ ‬بطبيعة الحال،‏ ‬أن تكون الأم متعلمة لا بل ومثقفة إلى حدّ‏ ‬مقبول،‏ ‬وشتّان ما بينهما،‏ ‬لتنشئة بناتها وبنيها على أحسن وجه ممكن‏. ‬بعبارة أخرى،‏ ‬نحن نسعى منذ البداية إلى خلق طبقة اجتماعية متعلمة ومثقفة،‏ ‬وهذا استثمار بعيد الأمد ولا بد من الشروع به بأسرع وقت ممكن فاليوم خير من‏ ‬غدا‏.

‬ العقلنة وفي‏ ‬هذه العُجالة أودّ‏ ‬التركيز على نقطتين اثنتين فقط اعتبرهما الأهم في‏ ‬هذا الموضوع،‏ ‬ويمكن الإشارة إليهما باللفظة العربية المستحدثة،‏ "‬العقلنة‏"‬،‏ ‬من ناحية وباللغة،‏ ‬وعاء الفكر والوجدان ووسيلتهما،‏ ‬من ناحية ثانية‏. ‬وفي‏ ‬الحقل الدلالي‏ ‬لهذه‏ "‬العقلنة‏" ‬تندرج عدة مفاهيم مثل‏ "‬الموضوعية،‏ ‬المنطق،‏ ‬التعليل والتفسير،‏ ‬الاستنباط،‏ ‬ربط الأمور،‏ ‬قوة الملاحظة،‏ ‬النقد البناء،‏ ‬طرح الأسئلة المناسبة والصحيحة في‏ ‬السياق الملائم،‏ ‬تمرّس في‏ ‬البحث عن المعرفة‏" ‬وكلها هامة وضرورية جدا في‏ ‬العملية التربوية العصرية والناجحة‏. ‬إن أي‏ ‬منهج تعليمي‏ ‬وتربوي‏ ‬يعتمد على مثل هذه اللبنات قولا وعملا سيؤدي،‏ ‬لا محالة،‏ ‬إلى إنشاء جيل عصري‏ ‬يكون في‏ ‬مقدوره الانتاج النوعي‏ ‬والتفريق بين الغثّ‏ ‬والسمين من الآراء والأخبار التي‏ ‬تعجّ بها وسائل الاتصال المرئية والمقروءة والمسموعة‏.

‬لا شيء‏ ‬يأتي‏ ‬من فراغ‏ ‬أو‏ ‬يمنح دون مجهود،‏ ‬ومن الواجب على كل جهة رسمية أو شعبية في‏ ‬الدولة العصرية،‏ ‬أن تقوم بواجبها على أفضل شكل ممكن،‏ ‬واضعة نصب عينيها ديناميكية الحركة في‏ ‬الدراسة والتجديد،‏ ‬بغية اختيار أنسب الوسائل والمناهج لتحقيق الهدف المنشود في‏ ‬التربية والتعليم‏. ‬شعوب العالم الراقية علميا وتقافيا وفكريا وهي،‏ ‬في‏ ‬الغالب الأعم،‏ ‬في‏ ‬أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية،‏ ‬لم تصل إلى ما وصلت إليه من رقي‏ ‬وتقدم وازدهار إلا عبر تحقيق المعجزات والعجائب في‏ ‬التربية والتعليم‏. ‬كما وإنها ليست أيضا ذات قدرة عقلية وفطرية تفوق شعوبا أخرى مثل الشعوب العربية‏. ‬وهذه النقطة تذكرني‏ ‬بطرفة كنت قد سمعتها منذ فترة طويلة في‏ ‬القدس ولها دلالتها اللاذعة الخاصة‏. ‬تقدم ستّة أشخاص،‏ ‬أمريكي‏ ‬وألماني‏ ‬وفرنسي‏ ‬وبريطاني‏ ‬وياباني‏ ‬وعربي‏ (‬لنقل لبناني‏)‬،‏ ‬بطلب عمل في‏ ‬شركة كبيرة‏. ‬وفي‏ ‬المقابلة التي‏ ‬أجراها مدير الشركة مع هؤلاء المتقدمين للعمل وقع الاختيار على الأخير،‏ ‬وكان هذا بمثابة صدمة شديدة بالنسبة للجميع وخصوصاً‏ ‬للفائز نفسه‏.

‬وفي‏ ‬مجرى التبرير لهذا القرار المفاجىء جاء إن جميع المرشّحين للعمل باستثناء الأخير كانوا قد استعملوا قدراتهم العقلية حتى‏ "‬الثمالة‏" ‬أما قدرة الأخير فما زالت‏ "‬طازجة،‏ ‬جديدة لنج‏". ‬ يجب ألا‏ ‬يكون أي‏ ‬مكان أو مكانة لمنهاج التلقين دون الفهم،‏ ‬المعروف بسمعته السيئة‏ "‬البصم‏"‬،‏ ‬الذي‏ ‬يعرفه كل التلاميذ العرب منذ أجيال وما زال ساريا بنسب متفاوتة في‏ ‬المدارس العربية‏. ‬لا بدّ‏ ‬من اتّباع أسلوب الفهم والنقد البنّاء ومحاولة الاستقراء والاستنباط بناء على معطيات وفرضيات صحيحة وملائمة مستمدّة من مصادر موثوق بها بقدر الإمكان‏. ‬هذا لا‏ ‬يعني‏ ‬أن الحفظ عن ظهر قلب محظور كلية،‏ ‬إذ أن هناك بعض الحالات التي‏ ‬يكون فيها هذا النمط التعليمي‏ مطلوبا بل و‬إلزاميا‏. ‬على سبيل المثال،‏ ‬يتوجب على كل تلميذ في‏ ‬مرحلة مبكرة من تعليمه الابتدائي‏ ‬حفظ الجداول الحسابية الأربعة،‏ ‬الجمع والطرح والضرب والقسمة حتى الرقم الثاني‏ ‬عشر‏. ‬والأمر ذاته‏ ‬ينسحب أيضا بالنسبة للصلوات والأشعار والأغاني،‏ ‬إلا أن ذلك كله‏ ‬ينبغي‏ ‬أن‏ ‬يكون مبنيا على الفهم والقناعة الذاتية‏. ‬لا‏ ‬يُعقل أن‏ ‬يردد الواحد أبيات شعر أو صلوات وهو لا‏ ‬يفقه ما‏ ‬يتفوه به‏.

‬عملية التحديث الجادة عليها أن تمسّ‏ ‬عقل العربي‏ ‬أولا وأخيرا‏. ‬ومن‏ ‬يسعى دائما وراء الماضي‏ ‬ليعدد الأمجاد الجليلة عليه أن‏ ‬ينظر أيضا إلى الأمام ويحذو حذو السلف الصالح وآراء المعاصرين الأفذاذ مهما كانت جنسياتهم‏. ‬من هذا السلف الجدير بالاحترام والاحتذاء به أبو بكر محمد بن زكريا الرازي‏ (٨٦٤-٩٢٣‬م‏.) ‬الذي‏ ‬رأى في‏ ‬العقل أساساً‏ ‬للعلم والمعرفة والمعيار للحكم النزيه‏. ‬ اللغة هي‏ ‬الهوية والكيان والنقطة الثانية الهامّة في‏ ‬هذا الصدد،‏ ‬كما نوّهنا،‏ ‬هي‏ ‬اللغة‏. ‬الأسْرة العربية في‏ ‬مجال تعليم بناتها وبنيها لهجتَها المحكية في‏ ‬البيت تقوم بواجبها خير قيام تقريبا‏. ‬من الثابت علميا أن التحدث إلى المولود منذ‏ ‬يومه الأوّل‏ ‬يؤدي‏ ‬بالتالي‏ ‬إلى تسريع بداية مقدرته على النطق والتعبير عمّا‏ ‬يحسّ به ويكون ذلك عادة في‏ ‬أواخر السنة الثانية من عمر الطفل‏. ‬في‏ ‬عملية التلقين اللغوي‏ ‬هذه‏ ‬يشترك أفرادٌ كثيرون في‏ ‬المجتمع العربي،‏ ‬الذي‏ ‬ما زال في‏ ‬معظمه محافظا والعلاقات بين الأهل حميمة،‏ ‬الوالدان،‏ ‬أشقاء وشقيقات،‏ ‬الجدّان والجدتان،‏ ‬الأعمام والعمّات،‏ ‬الأخوال والخالات والجيران والأصدقاء‏.

‬ومن الملاحظ أن هؤلاء الكبار المتحدثين إلى الطفل‏ ‬يستعملون في‏ ‬أحيان كثيرة ألفاظا طفولية مثل‏ "‬بحّ،‏ ‬دحّ،‏ ‬نح،‏ ‬إمْبو،‏ ‬واوا،‏ ‬ننّا،‏ ‬نونو،‏ ‬أحّو،‏ ‬ككّا‏" ‬الخ‏. ‬في‏ ‬اللهجة الفلسطينية،‏ ‬ومن الأفضل استعمال طريقة الحديث العادية لكل فرد،‏ ‬توخي‏ ‬الواقعية والصدق وتجنب عملية‏ "‬التدليع‏" ‬غير الموفقة هذه‏. ‬الطفل‏ ‬يتكلم بما‏ ‬يعرفه ويناسبه وفق آلية ذهنية ما زال العلم الحديث قاصرا عن معرفتها ووصفها بشكل كامل ودقيق،‏ ‬والبالغون‏ ‬يجب أن‏ ‬يستعملوا لهجتهم الشخصية‏ ‬(idiolect)‏. ‬إنّ‏ ‬الاهتمام المفرط بالطفل والخوف‏ ‬غير المبرّر عليه‏ ‬يحدّ،‏ ‬في‏ ‬آخر المطاف،‏ ‬من حريته واستقلاليته ولا‏ ‬يفسح المجال أمامه كي‏ ‬يشقَّ طريقَه ويحاول التعرف على أشياءَ وخبرات جديدة وبلوغ‏ ‬ما‏ ‬يريده بنفسه إذا أمكن‏. ‬كما أن جعل الطفل مركز اللقاءات العائلية،‏ ‬كما هي‏ ‬الحال‏ ‬غالبا في‏ ‬العائلات العربية،‏ ‬لا‏ ‬يسهم في‏ ‬بناء شخصية حرّة مستقلة وخلاقة بالقدر الكافي‏ ‬في‏ ‬المستقبل البعيد‏. ‬ لغة الأم بالنسبة لكل عربي‏ ‬هي‏ ‬لهجته المحلية وعليه الشروع في‏ ‬تعلم اللغة العربية الفصحى الحديثة‏ ‬(Modern Standard Arabic)‏ ‬عند دخوله الصف الأول الابتدائي،‏ ‬وشتّان ما بينهما من حيثُ الصرفُ والنحو وعلم الدلالة‏. ‬ومن المعروف أن هناك مستويات مختلفة في‏ ‬اللغة العربية الحديثة،‏ ‬كما‏ ‬يظهر بجلاء في‏ ‬كتاب‏ ‬محمد السعيد بدوي،‏ ‬مستويات العربية المعاصرة في‏ ‬مصر‏. ‬دار المعارف بمصر ١٩٧٣‬،‏ ‬وتوجد أهمية بارزة بالنسبة لما‏ ‬يُدعى بالعربية الأدبية،‏ ‬إذ أنها الوسيلة الأساسية لاكتساب العلم والمعرفة والتواصل بالحضارة الانسانية قديما وحديثا‏. ‬وهذا‏ ‬يعني‏ ‬وجوب السعي‏ ‬الجادّ‏ ‬بغية السيطرة على هذه اللغة سيطرة طيبة في‏ ‬المهارات اللغوية المعروفة،‏ ‬القراءة والفهم والتحدث والكتابة‏.

 ‬إن فكرة معرفة كل شاردة وواردة،‏ ‬وما أكثرها،‏ ‬في‏ ‬قواعد لغة الضاد بمدارسها المتباينة،‏ ‬لا سيما البصرية والكوفية والبغدادية،‏ ‬يجب ألا تشغل بال أي‏ ‬طالب عادي‏ ‬يود،‏ ‬على سبيل المثال، ‬الالتحاق بالمؤسسات التعليمية العليا لدراسة الطبّ أو العلوم الطبيعية أو الاجتماعية‏. ‬على الانسان العربي‏ ‬أن‏ ‬يعي‏ ‬بأن معرفة اللغة، أية لغة كانت ليست،‏ ‬في‏ ‬واقع الأمر،‏ ‬هدفا في‏ ‬حدّ‏ ‬ذاته،‏ ‬بل وسيلة لهدف آخرَ،‏ ‬هو مثلا،‏ ‬التعبير عن الفكر والوجدان والتواصل بين بني‏ ‬البشر وفهم الفلسفة العربية في‏ ‬القرون الوسطى أو الشعر الجاهلي‏ ‬أو القرآن الكريم الخ أو حتى معرفة كيفية تركيب قطعة أثاث جديدة في‏ ‬المنزل أو إصلاح آلة بينية‏. ‬اللغة هي‏ ‬هوية الانسان وكيانه ومرآة الثقافة‏. ‬غني‏ ‬عن البيان،‏ ‬أن الانسان العربي‏ ‬المثقف بحاجة ماسّة لمعرفة لغة عالمية واحدة على الأقل،‏ ‬مثل الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية وذلك لمواكبة التقدم المذهل في‏ ‬أغلبية أنماط العلم والمعرفة‏ شمولا وعمقا. ‬ولا نشك لحظة أن الانسان العربي‏ ‬الجديد ذا التوجه العقلاني‏ ‬الصادق الحرّ‏ ‬والنقدي‏ ‬وفيه الروحانية الشرقية السامية السمحة المتجلية في‏ ‬تراثه الثري،‏ ‬لقادر في‏ ‬الإسهام من جديد في‏ ‬حضارة أخيه الانسان في‏ ‬عصر العولمة هذا وما‏ ‬يليه‏. آمل بأن تكون الهبات العربية الشبابية التي انطلقت مؤخرا اللبنة الأولى في عملية بناء عربي المستقبل. ‬


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز