Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

وأطلقت على مولودها الاسم‏ ... حاجزا

هناك تأثير متبادَل ما بين اللغتين الشقيقتين الساميّتين،‏ ‬العربية والعبرية،‏ ‬في‏ ‬الديار المقدسة فهما لغتا دولة إسرائيل الرسميتين،‏ ‬على الورق على الأقل،‏ ‬بالنسبة للغة الضاد‏. ‬وهناك،‏ ‬كما هو معروف ومألوف،‏ ‬أسباب وأهداف عديدة تدفع الانسان لتعلّم لغة ما من اللغات الإنسانية التي‏ ‬يصل عددُها إلى أكثرَ‏ ‬من أربعة آلاف لغة‏.

 ‬من هذه الأسباب ما هو اقتصادي‏ ‬واجتماعي‏ ‬وعلمي‏ ‬وسياسي‏ ‬وشخصي‏. ‬وليس نادرا أن تسمع عمَّن‏ ‬يدرُس لغةً‏ ‬معينة قراءة وترجمة للغة أمّه دون الطموح لإحراز أية مقدرة تُذكر في‏ ‬المجالين الهامّين،‏ ‬الحديث والكتابة،‏ ‬وذلك ليُصبح فقط أستاذا جامعيا‏ ‬يتحدّث في‏ ‬وسائل الإعلام المختلفة في‏ ‬بلاده عن ثقافة ذلك الشعب وتاريخه ودينه وعاداته وتقاليده دون أن‏ ‬يكون قادرا على التحدث مع عالِم من هذه الأمة أو أي‏ ‬رجل بسيط فيها بلغتهما المكتوبة والمنطوقة أو حتى التمكن من شراء كتبٍ‏ ‬ومصادرَ‏ ‬لموضوع اختصاصه من خلال استخدام لغة تخصصه‏.

 ‬وشرّ‏ ‬البلية ما‏ ‬يُضحك،‏ ‬أن الناسَ عادة،‏ ‬الخواصّ‏ ‬والعوامّ‏ ‬على حدّ‏ ‬سواء،‏ ‬لا‏ ‬يعلمون أن مثل هؤلاء الأساتذة المتغطرسين حتى الثمالة والمنفوخين حتى نقطة الانفجار لا‏ ‬يجرؤون على التفوّه بأية جملة ذات بال في‏ ‬لغة تخصّصهم أو إلقاء محاضرة ذات بضع دقائق لا‏ ‬غير بتلك اللغة،‏ ‬فهناك تعتيم شامل كامل ومُطبق حولهم ولا بدّ‏ ‬إزاء هذه الظاهرة السلبية والمضللة من العمل الدؤوب بغية إزالة مثل هذه الضبابية والسرية لكشف الحقيقة عارية دون أية رتوش‏.

 ‬ وهناك من‏ ‬يتعلم اللغة العبريةَ‏ ‬مثلا كي‏ ‬يعيش‏،‏ ‬كي‏ ‬يحصل على قوت‏ ‬يومه،‏ ‬لا أكثر ولا أقلّ‏، ‬وذلك كما ورد على لسان أحد الشبان في‏ ‬بيت لحم عند مقابلته للصحفية الإسرائيلية،‏ ‬عميرة هس،‏ ‬في‏ ‬الصحيفة الإسرائيلية العبرية اليومية،‏ ‬هآرتس،‏ ‬في‏ ‬خريف العام ٢٠٠١. ويُذكر أن إحدى الكلماتِ العبرية الأكثر شيوعا في‏ ‬حالات اللقاء اليومية بين أبناء إسحق وأبناء إسماعيل، أي‏ ‬الجنود الإسرائيليين من جهة والفلسطينيين من جهة أخرى في‏ ‬أيامنا هذه هي‏ ‬لفظة‏ "مَحْسوم‏" ‬أي‏ "‬الحاجز‏". ‬والجدير بالذكر أن هذه الكلمة وحيدة أو (hapaxlegomenon)،‏ ‬كما‏ ‬‏ ‬‏يقال في‏ ‬الأبحاث العلمية اللغوية،‏ "‬لفظة فردة ‬في‏ ‬العهد القديم إذ أنها وردت فقط في‏ ‬سفر المزامير الإصحاح ‏٩٣ ‬العدد ‏٢ ‬الذي‏ ‬يعود تاريخ تدوينه النهائي‏ ‬إلى القرن الثالث قبل الميلاد ‏: "‬قلتُ‏ ‬أنتبهُ‏ ‬في‏ ‬سلوكي‏ ‬لئلا‏ ‬يخطَأ لساني،‏ ‬وأضع لفمي‏ ‬لجاماً‏ ‬ما دام الشِّرير أمامي‏". ‬

بعبارة أخرى،‏ ‬معنى هذه الكلمة‏ "‬مَحْسوم‏" ‬في‏ ‬العبرية الكلاسيكية هو‏ "‬اللِجامُ‏ ‬أو الكِمامُ‏ ‬أو الكعام أو الشِّبام‏" ‬وهو ما‏ ‬يُكمّ‏ ‬به فم الحيوان كالكلب والثور والعجل والفرس لئلا‏ ‬يأكل أو‏ ‬يرضع أو‏ ‬يعضّ‏. ‬أما البعير الذي‏ ‬يحتلّ‏ ‬مكانة محترمةً‏ ‬في‏ ‬التراث العربي‏ ‬فله كلمة خاصة به لتدلَّ‏ ‬على اللجام والكْبح وهي‏ "‬الكِعام،‏ ‬الكِعامة‏" ‬وللجدي‏ "‬الشِبام‏". ‬ أما في‏ ‬العبرية الحديثة فكلمة‏ "‬مَحْسوم‏" ‬تعني‏ ‬بالإضافة إلى‏ "‬لجام،‏ ‬كِعام،‏ ‬شبام‏" ‬كلاً‏ ‬من‏ "‬الحاجز،‏ ‬العقبة،‏ ‬العائق،‏ ‬الكتلة الحجرية،‏ المتراس،‏ ‬السدّ‏" ‬إلا أن أشهر المعاني‏ ‬وأكثرَها تداولا في‏ ‬صفوف الفلسطينيين في‏ ‬الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع‏ ‬غزة هو‏ "‬الحاجز‏". ‬وما أدراك ما الحاجز؟ الحاجز المقصود هنا عبارة عن نقطة تفتيش‏ ‬يتواجد فيها بضعة جنود إسرائيليين مسلّحين وسيارة جيب عسكرية وأجهزة اتصال‏.

 ‬يُوقف هؤلاء الجنود،‏ ‬المطلوب منهم القيام بمهمة أمنية،‏ ‬سياراتِ الفلسطينيين والمارّة للتفتيش والتدقيق والتحقيق ولا‏ ‬يخلو الأمر من التحقير والإذلال كما سيتبيّن من العيّنة اللغوية التي‏ ‬التقطتها مسامع السيدة عميرة هس‏. من الألفاظ والعبارات التي‏ ‬يستخدمها مثل هؤلاء الجنود الشبان في‏ ‬الحواجز المنتشرة في‏ ‬الديار المقدسة كانتشار المستوطنات اليهودية ما‏ ‬يلي‏:‬ أُقعُد على قفاك؛ بعوضة؛ أنت صغير كهذا‏ (‬ربما مشيرا إلى الخنصر أو البنصر أو السبابة أو الإبهام)؛ إنصرِف‏ (‬طِرْ‏) ‬من هنا؛ لا تتدخّل؛ حشرات؛ قَذِر؛ إرفع‏ ‬يديك!؛ قف هناك؛ أطفىء المحرِّك!؛ إلى الوراء؛ إنصرِف!؛ كذّاب؛ لا أصدّقكم؛ قلِ‏ ‬الحقيقة!؛ أحمق؛ إني‏ ‬أكسر‏ (‬لك‏) ‬رِجليك؛ إني‏ ‬أمزّق‏ (‬لك‏) ‬إطارات العجلات؛ قرِّر ماذا تريد،‏ ‬طلقة تساوي‏ ‬ألفي دولار من العراق‏ (‬إشارة إلى الهبة المقدّمة إلى أُسرة الضحايا الفلسطينيين‏) ‬أم خبراً‏ ‬عاجلاً‏ (‬إشارة إلى ما‏ ‬يرد في‏ ‬التلفزيون الفلسطيني‏ ‬في‏ ‬كل مرّة‏ ‬يطلق فيها جيش الدفاع الإسرائيلي‏ ‬النار والناس‏ ‬يُصابون‏).

 ‬لا ريب أن عبرية الحواجز هذه وما شاكلها بشعة وعدائية ودونية إذ أنها حبلى بالشتائم والمسبّات‏. ‬ من المناسبات السارّة في‏ ‬الحياة الزوجية عملية البحث والتفتيش والتنقيب عن اسم ملائم وجميل للمولود الجديد أو المولودة الجديدة‏. ‬يتشاور الوالدان وبعض الأقارب بغية الاتفاق على اسم سيُقال عنه في‏ ‬المستقبل‏ "‬إنه اسم على مسمىً‏". ‬وفي‏ ‬بعض الحالات،‏ ‬كما لا‏ ‬يخفى على أحد،‏ ‬لا حاجةَ‏ ‬لمثل هذا البحث والمجهود فالابن البِكر‏ ‬يحمل اسم جدّه في‏ ‬جلّ‏ ‬الحالات والمولود ليلة عيد الميلاد المجيد لدى العرب المسيحيين‏ ‬يحمل اسم‏ "‬ميلاد‏" ‬وفي‏ ‬عيد الغِطاس أي‏ ‬عيد الظهور الإلهي،‏ ‬نجد الاسمين‏ "‬غطّاس،‏ ‬غطّاسة‏" ‬للذكر والأنثى‏. ‬ وقد حدث مؤخرا أن امرأة فلسطينية من مدينة خان‏ ‬يونس في‏ ‬قطاع‏ ‬غزة قد جاءت ساعتها لتلد فهُرع بها بالسيارة إلى مستشفى‏ "‬ناصر‏" ‬في‏ ‬المدينة لتضع مولودها هناك‏. ‬وفي‏ ‬الطريق كالمعتاد كان‏ "‬الحاجز‏" ‬لها بالمرصاد وأُوقِفت السيارة للتفتيش والتنقيب والتحقيق و‏... ‬و‏... ‬واشتد طلق الوالدة وتواتر فأنجبت هناك في‏ ‬السيارة على‏ "‬المحسوم‏" ‬على‏ "‬الحاجز‏".

‬ لم تتردد الأم في‏ ‬انتقاء اسم لمولودها الغضّ،‏ ‬إنها أطلقت عليه الاسم‏ "‬حاجزا‏" ‬كي‏ ‬يتذكّرَ‏ ‬عندما‏ ‬يكبُر ويشتدّ‏ ‬عودُه ما قاساه أهله وذووه من العذاب والتنكيل والإذلال على‏ "‬الحواجز‏". ‬وهذا الاسم مشتقٌّ‏ ‬من أصل عربي‏ ‬أصيل‏ ‬يدلّ‏ ‬على المنع والفصل وحدّ‏ ‬السيف والظلم أيضا‏. ‬ويقال إن بلاد الحِجاز قد سمّيت بهذا الاسم لأنها تفصل تهامة عن نَجد‏. ‬وربما‏ ‬يحقّ‏ ‬للمرء المتأمل الراصد ما‏ ‬يجري‏ ‬في‏ ‬عالمنا هذا أن الاسم‏ "‬حاجزا‏" ‬دُعي‏ ‬كذلك للفصل بين الخير والشر،‏ ‬بين السلام والحرب،‏ ‬بين هذا وذاك،‏ ‬بين نحن وأنتم،‏ ‬والله أعلمُ‏ ‬إذ لا‏ ‬يمكن مَحو ما في‏ ‬الذاكرة رغم أنف ما يسنّ من قوانين‏!‬


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز