Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

الفاقةُ والإبداع

كثيرا ما تختلج في رأسي فكرة ان المبدع –فنانا كان او اديبا- لايصل الى قمة الابداع الا اذا عاش الفقر وتذوّق مرارة الفاقة وقد يصل الى ذلك الفردوس الابداعي الذي يصبو اليه ؛لأن الفقر والعوز يعطي الاديب والفنان دفعا وزخما اعلى بكثير ممن لايعيشون معاناة الفاقة ، وامامنا العديد من البراهين التي تؤكد هذا القول ، فلننظر مثلا الى الحقبة التي حكم فيها القياصرة روسيا قبل اندلاع الثورة البلشفية عام/1917 وكيف كان الادب الروسي، بشعرائه وكتّابه اللامعين امثال تشيخوف  وغوغول  وديستويفسكي  وتولستوي وغيرهم وما كتبوه من روائع الادب الخالدة في العالم اجمع .

 لكن ما تبعه من الادب السوفياتي بعد الثورة لم يرقَ الى عشر مستوى الادب الروسي الساحر، وفي تقديري ان شيوع الفاقة قبل الثورة سببه تنامي الاقطاعيات الكبيرة واتساع التخلف لعدم وصول التأثيرات التي قامت بها الثورة الصناعية وقتذاك الى روسيا مما جعله بلدا عائما بالفقر واغلب مواطنيه من الفلاحين المعدمين وقد امتص جهدهم اقطاعيو القياصرة .

وفي تصوّرنا انه كان الدافع الرئيس لظهور ادب عظيم وابداع هائل.من جانب آخر تضاءل الفقر تدريجيا بعد انتصار الثورة وكادتالفوارق الطبقية ان تقلّ في العهد السوفياتي ومستوى الدخل اصبح شبه متساوٍ بين فئات المجتمع العامل لكنه بنفس الوقت ولّد ادبا لايلفت الانظار كثيرا سوى بعض الكتابات الراقية الضئيلة التي كتبها ماياكوفسكي وغوركي (( المخضرم في الحقبتين الروسية والسوفياتية )) وكذا النخبة المثقفة الطليعية" اوبيرو"  ثم بعدهم رسول حمزاتوف واشعاره الجميلة ، لكنها تصغر كثيرا امام ملحمة الحرب والسلام  وآنا كارنينا لتولستوي والجريمة والعقاب ،والاخوة كارامازوف  لديستويفسكي والمعطف لغوغول والام لمكسيم غوركي الذي كتبها ابان العهد القيصري والعم فانيا لتشيخوف وغيرها الكثير 

 وكذا الحال في الادب الفرنسي وما ابدعه الشاعران آرثر رامبو وشارل بودلير حيث عانيا العوز والفقر والتشرد لكنهما انتجا شعراما زال عالقا في الاذهان الى يومنا هذا ويحضرني في الذاكرة أيضاً القاص الأميركي المبدع أدغار ألن بو الذي ذاق مرارة العيش والفقر والتشرد ولكنه كتب اروع القصص ووصل الى درجات هائلة من الابداع ومات وهو جالس على مصطبة في احدى الحدائق العامة لأنه كان يفتقد المأوى والمسكن اضافة الى مرضه العضال

ومع اقتناعي بوجهة النظر هذه فانني لاأنكر ان البعض قد ابدعوا في كتاباتهم وهم ربيبو القصور واعتلوا مراتب ادبية سامية كأحمد شوقي الذي توّج اميرا للشعراء وغيره من الادباء الذين عاشوا الرخاء ورغد العيش وفي بحبوحة الخلفاء وندامى الامراء وهم كثر ، لكني مقتنعٌ تماما بان الفقر يوصل الفنان والاديب الى قمة الابداع ويزيده لمعانا وخصبا مع نني لاارفض الإبداع اصلا دون فقر. فالفاقة تدفع الإنسان الاديب الى اعلى مراتب اللوعة وتوصل الى فردوس الابداع

وهناك فرق شاسع بين فنان او اديب يكتوي بنار الفاقة ويحترق في لهيبها وبين آخر يقترب من هذه النار ويرى معاناة من بداخلها عن بعد لكنه ناءٍ عن جمرها وكيّها ولا تصل اليه لسعتها الحارقة سوى دفءٍ آتٍ من مكان بعيد لايخلو من الابهار لكنه في ساحل الابداع وليس غوره العميق


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز