Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

الحوار العربي الإسكندنافيّ

 صدرت تحت هذا العنوان في بيروت عام 2005 الترجمة العربية (317 ص.) للأصل الفرنسي: Dialogogue Arabo-Scandinave ed. Tuomo Melasuo,Tapri Research Reports No. 51. Tampere 1993, 328pp. قام بترجمة محاضرات الندوة التي عقدها المعهد الفنلندي في باريس في ربيع العام 1992 وعددها خمس عشرة مكتوبة كلها تقريبا بالفرنسية د. جمال الشلبي الأردني، محاضر في قسم العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية في عمان.

ويشار إلى أن مادة هذا الكتاب قد خُطّت قبل العام 2001. تلت هذه الندوة أخوات لها مثلا في الرباط حول “إدوارد ويسترمارك والمجتمع المغربي؛ ثم في كوبنهاجن حول “المجتمع الشمالي ودراسات الشرق الأوسط”؛ فمدينة الحمامات بتونس عن “صورة الآخر” وفي ربيع العام 2005 بدأت “الجمعية الأوروبية المتوسطية: أنّا ليند” (Fondation Euro-Mediterraéen Anna Lindh) نشاطها الحواري بين الثقافات في الإسكندرية. من المعروف أن مصطلح “الحوار” غدا منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي من أكثر المصطلحات شيوعا في عالمنا الراهن، تقام الندوات والمؤتمرات واللقاءات بين ممثلين وباحثين لأديان وثقافات متنوعة.

جاء هذا كله أي فكرة الحوار والتعارف والتعايش والتفاعل في أعقاب إطلاق بعض المفاهيم في الفترة المذكورة مثل: صراع الحضارات لصمويل هنتنجتون ونهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما والنظام العالمي الجديد. وفي أعقاب التفجيرات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول عام 2001 أضحت لفظة “الحوار” جدّ شائعة ومرغوب فيها في العالم برمته. وفي الكتاب قيد البحث، تقديم بقلم الأمير الحسن بن طلال، رئيس نادي روما؛ رئيس منتدى الفكر العربي وراعيه، وفيه يحث حول إجراء مثل هذه الأنشطة الحوارية بين الثقافات المختلفة، ويقول لا بد للإنسان أن يعرف نفسه جيدا قبل محاولة فهم الآخر. وفي كلمته الموجزة يجيب السيد تارْمو كونّاس، مدير المعهد المذكور على سؤاله: لماذا الحوار العربي-الإسكندنافي قائلا: مثل هذا الحوار قد يفيد الحوار العربي الأوروبي عامة وهناك حاجة له بسبب تزايد عدد المهاجرين العرب في إسكندنافيا التي لم تمارس أي احتلال أو استعمار في العالم العربي كفرنسا وإنجلترا وإبطاليا.

 تندرج هذه المساهمات تحت خمسة محاور: البلاد الإسكندنافية والعرب؛ البحوث والدراسات عن العالمين العربي والإسلامي؛ الإسلام والأديان، والبلاد الاسكندنافية؛ رؤية شاملة للعالم وتأثيرها في العلاقة العربية- الإسكندنافية وفي نهاية الكتاب فهرس الأعلام. شارك في الندوة ثلاثة من العرب المغتربين، اثنان يعيشان في فنلندا منذ أكثر من ثلاثة عقود وحاولا وصف تجاربهما في هذه البلاد الشمالية، الأول اعتمادا على ما عايشه شخصيا وعلى بعض النصوص الأدبية العربية والآخر يعتمد على بعض المصادر في علم الاجتماع، موضوع اختصاصه ويأتي بشذرات من تجاربه الشخصية.

جوهر ما يقوله الأول قد يكون ملائما أكثر للصحافة اليومية لما يتّسم به من روح دعابة ووجهات نظر وتجارب شخصية لا ترقى دائما للتمحيص العلمي، مثل هذه التعميمات: “..كلما تعرفت الشعوب على بعضها ابتعدت أكثر” (ص. 41)؛ “فالفنلندي يفضل العمل وحده بدلا من العمل مع المجموعة” (ص. 42)؛ “الأدب الفنلندي غالباً ما يكون كئيباً ومتشائماً” (ص. 43). يذكر مثلا أن عدد العرب في فنلندا لا يتجاوز بضع مئات (الصواب: بضعة آلاف في آنه) وأن بعض العرب لا يعرفون “السويد” ويخلطونها بالسودان وسويسرا وهي بلد الڤولڤو بالنسبة لهم، زد إلى ذلك أن هذا البعض يلفظ فنلندا “فيرلندا”! وفي المحاضرة الثانية يصرح الأستاذ محمد سابور المغربي الأصل أن صورة العربي في أوروبا ومن ضمنها فنلندا لا يُحسد عليها، هناك شكّ واتهام وصور نمطية وكليشهات شبه رسمية.

يرى سابور بأنه من الممكن إجراء حوار بين الفنلندي والعربي فلا وجود لرواسب تاريخية سلبية بينهما، التركيز في الجانب الفنلندي على “الصدق، الاستقامة” وفي الطرف العربي على “الطموح” في تقدير الكاتب. ويرى يان يارب، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة لوند السويدية، أن العلاقات بين العرب والسويد كانت قديمة وقليلة ومتقطعة إلا أنها بمثابة ركيزة كافية للبناء عليها ويشير إلى الكم الهائل من النقود العربية، قرابة 80 ألف قطعة محفوظة في متاحف إسكندنافيا منذ عصر الڤايكنز، أواخر القرن الثامن لغاية أوائل القرن الحادي عشر. ويسلّط السيد مهدي مظفري الإيراني، أستاذ العلوم السياسية في الدانمارك بعض الضوء على صورة العربي السلبية: عنف ونار وسيف وقساوة وفوضى، في مخيلة الأديب والشاعر الدانمركي هانس كريستيان أندرسن (1805-1875) المعروف عالميا بحكايات الجن التي استحوذت على قلوب الصغار وترجمت إلى أكثرَ من مائة وخمسين لغة.

 وفي مستهل المحور الثاني كتبت السيدة سيغرد كاليه المستشرقة السويدية ملخصا ضافيا لتاريخ الدراسات العربية في السويد (ص. 83-140). من المعروف أن بداية الاهتمام بالعربية في أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر كانت من أجل شرح مفردات غامضة في عبرية العهد القديم.

وقد اعتبر المستشرقون اللغة العربية لهجة منبثقة من العبرية وهذا الرأي عمّر طويلا ولا يختلف كثيرا عن رأي موسى بن ميمون (Maimonides d. 1204). ويُذْكر أن العربية أصبحت مادة إجبارية في جامعة أبسالا العريقة عام 1626. وترى الكاتبة أن تاريخ الدراسات العربية في السويد بمثابة تاريخ أساتذة جامعيين ودبلوماسيين ورحالة وهواة تعرفوا على أقطار عربية وأتقنوا العربية. وتعتقد الكاتبة أن المستشرقين اليوم ليسوا فقهاء لغة ولا لغويين. تلت ذلك الملخّص إطلالةٌ على الدراسات العربية في فنلندا بقلم باحث اللهجات العربية الحديثة الأستاذ هيكي پالڤا الذي كان قد كتب أطروحته عن لهجة قرية طرعان في الجليل. يذكر أن أول مساق موثّق لتدريس النحو العربي كان في العام الدراسي 1709/1710 في جامعة توركو في غرب فنلندا.

 وتتسم الدراسات العربية في فنلندا بالأبحاث الميدانية منذ المستشرق المشهورجيورج أوغست والين (1811-1852) وحتى پالڤا. والجدير بالذكر أن العربية تدرّس في جامعة هلسنكي فقط والتدريس فيها ما زال يعتبرها لغة ميتة، تحلل صرفيا ونحويا ومعجميا وتترجم إلى الفنلندية. لا غرابة إذن في تخريج طلبة حاملين لدرجة الماجستير وحتى الدكتوراة وهم عاجزون عن التحدث بأي نمط من أنماط العربية أو الكتابة بالعربية الأدبية الحديثة، وخير مثال على هذا الوضع المثير للدهشة والمنافي لروح العصر رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية الحالي بعكس ما كان عليه الوضع قبل انسلاخ القرن العشرين ولا سيما في عهد الأستاذ الفذّ يوسّي أرو (1928-1983).

 في محاضرته اللغوية القصيرة حاول الأستاذ إسا إتْكونن إثبات عالمية العلم عبر تحليله لقواعد لغات غير أوروبية معتمدا على التقاليد الصينية والهندية والعربية، وبهذا ينتقد الرأي القائل بمركزية اللسانيات الأوروبية وإهمال دور الثقافات الأخرى في هذا المجال ويخلص إلى القول إن العلم والأنسنة ليسا من اختراع أوروبا. وتعالج الكاتبة خوزيه بالانا كوستو موضوع اكتشاف ملكة السويد كريستين لطباعة الحروف العربية. “إدوارد ويسترمارك والمغرب” هو عنوان مساهمة الدكتور الفنلندي تومو ميلاسو. محرر هذا الكتاب ومدير قسم الدراسات في معهد Tampere Peace Research Institute. ويسترمارك (1862-1939) مؤسس علم الاجتماع الفنلندي الذي عاش قرابة عشر سنين في المغرب، وأبحاثه عن المجتمع المغربي كثيرة وهامة: حفلات الزواج؛ طقوس ومعتقدات؛ فطنة وحكمة. وقد أشار ويسترمارك إلى وجود تشابه بين طقوس الزراعة في المغرب وفي الدول الإسكندنافية.

ويُظهر المحاضر نيلس ج. هولم في بداية المحور الثالث أن صورة الإسلام في الكتب المدرسية الفنلندية مبسطة ونمطية وساذجة مثلها مثل الإعلام. بعد ذلك يثير أستاذ تفسير الكتاب المقدس الأستاذ هيكي رايْسنن، سؤالا ثقافيا وجيها: ماذا يستطيع كل من المسيحية والإسلام أن يتعلم من الآخر؟ أفي مقدور المسيحية الاستفادة مما قاله الإسلام عن الثالوث المقدس وألوهية يسوع المسيح؟ وبالمقابل أيستطيع الإسلام الانتفاع من التراث الهائل للبحوث التاريخية عن الكتاب المقدس؟ أما بصدد الديانة السماوية الثالثة، اليهودية، فهناك مقال قصير للأستاذ طابني هارڤيانن الفنلندي يعرض فيه حياة اليهود في الشتات على ضوء القول الآرامي المأثور المذكور في التلمود مرات أربع “دينا دملخوتا دينا” أي “قانون السلطة/النظام هو القانون”.

وفي المحور الرابع والأخير ثلاث محاضرات، في الأولى يتطرق السيد كاري نوركونما من الخارجية الفنلندية إلى دور العرب لا سيما دول اتحاد التعاون الخليجي في التجارة الخارجية لفنلندا، تكنولوجيا متطورة وقوارب خاصّة وشبكات مياه الشرب. وفي الثانية يناقش الأستاذ الفرنسي المتقاعد دومينيك شفالييه العلاقات الأوروبية العربية بعد الحرب الباردة ويؤكد على ضرورة الروابط الثقافية بغية القضاء على هيمنة تجارة الذهب الأسود. وكان من الواضح في فترة معينة أن الأوروبيين نظروا إلى التعاون الأوروبي العربي من منظور اقتصادي في حين أن الطرف الآخر ركّز على الجانب السياسي. وفي المحاضرة الأخيرة “من أجل حوار أوروبي-عربي جديد” ينوه أستاذ علم الاجتماع السياسي السوري الأصل، برهان غليون، بصورة أوروبا المقرونة بالاستعمار وصورة العالم العربي حيث العدوانية وكراهية الأجانب وعدم التجانس و”البدائية”.

 ويدعو غليون إلى متابعة المسيرة في الحوار لتفادي تكرار كارثة مماثلة لحرب الخليج والتركيز ينبغي أن ينصب على الناحية الثقافية النفسية. وعلى مثل هذا الحوار أن يرتكز إلى أربعة مبادىء: المعاملة بالمثل، رفض مبدأ الكيل بمكيالين؛ الاعتراف بالهوية/القومية العربية؛ الاعتراف المتبادل بالمصالح الحيوية لكل طرف ومصالح العرب: تنمية وأمن وسلام أي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وسيادة؛ حل الخلافات بالمفاوضات واعتماد المصالح المتبادلة وبالتعاون. زبدة القول، هناك ضرورة أخلاقية ملحة لحوار دولي إذ أن مستقبل الإنسانية منوط به.

وقعت في الكتاب بعض المآخذ والهنات الطباعية لا سيما في النقحرة من الفنلندية إلى العربية حيث الصوت j يلفظ ياء وليس جيما كما أثبته المترجم

(ينظر في ص. 15، 19، 22، 23، 27، 32، 35، 36، 38، 39، 45، 48، 72، 86، 88، 95، 121، 122، 128، 129، 132، 135، 142، 143، 144، 147، 157، 159، 172، 187، 191، 192، 194، 218، 226، 240، 282، 286، 294.



(389234) 1
أحسنت وبوركت
حيص بيص
أشكر الأستاذ حسيب شحادة على هذا الاستعراض القيم، الذي عكس صورة العربي في الدول "الإسكندنافية" ولعله يقصد دول الشمال ذلك لأن فنلندا لم تكن اسكندنافية بل هي مع اسكندنافيا تشكل دول الشمال، والسبب راجع الى الجانب الأثني فلها لغتها المميزة التي تقترب من المجرية وقد حير هذا الأمر دارسي اللغات وتصنيفها، بينما اللغات الاسكندنافية من المنحدر الانكلو سكسوني شأنهم شأن الألمان والأنكليز ...طبيعة المجتمع الفلندي مجتمع منعزل وهي يتكون ثلاث أثنيات: الفلندية، السويدية وسكان السامر مربو الرنة..والسبب البرد وتنائي القرى وقصر النهار الشتائي واعتمادهم على الغابات والصيد والزراعة الشحيحة، صورة العربي لفلندا جارتها من خلال الأدب الروسي يوم كانت فنلندا ضمن الروسيا القيصرية، الفلنديون لا يحبون الأجانب، وهم لا يختلطون مع بعضهم كثيرا، الأثنية السويدية في فنلند خرجت العباقرة مثل الموسيقار سيبيليوس، وفي معهد سيبيليوس تدرس الموسيقى العربية..أشكرك مجددا، مع الود
October 29, 2012 4:35 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز