Arab Times Blogs
د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

 More articles 


تجربة الدنان في ممارسة الفصحى مع الطفل قد تكون الحل

 صاحب هذه التجربة الرائدة في عدّة بلدان عربية كالسعودية والكويت وسوريا والبحرين والأردن ولبنان ودبي والإمارات العربية المتحدة هو الدكتور الفلسطيني، عبد الله مصطفى الدنان، (المولود في صفد عام 1931) المقيم في سوريا. الدنان مُجاز في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق وحاصل على الماجستير في التربية من جامعة لندن وحائز على شهادة الدكتوراة في اللغويات التطبيقية من جامعة لندن أيضا.

 مارس رسالة التربية والتعليم في مختلف المؤسسات التعليمية أكثر من نصف قرن من الزمان وله بحوث لغوية ونتاج روائي وشعري وقصصي وتحمل سلسلة قصص الأطفال الاسم “الحيوانات تفكر”. وهو القائل بأن الفشل في تعليم العربية لا ينبع من صعوبتها بل من مناهج تدريسها كما قال الكثيرون من قبله واسمه مقرون بالبرنامج التلفزيوني المعروف “افتح يا سمسم”. بدأ تطبيق نظريته هذه على ولديه في البيت وقد ملكا ناصية العربية الأدبية وهما يافعان. تستند رؤية الدنان في تعليم العربية الفصحى المبسطة للطفل إلى الحقيقة العلمية القائلة إن للأطفال قبل سن السادسة قدرة فطرية ضخمة لاكتساب المهارات اللغوية.

كشف علماء لغة معروفون منذ نصف قرن مثل تشومسكي وإرفن ولينبرغ عن تلك الطاقة الخلاقة لدى دماغ الطفل في تعلم اللغات وإماطة اللثام عن المنظومة القواعدية بشكل ذاتي داخلي ومعقد. وفي مقدور الطفل إجادة لغتين أو أكثر في آن واحد. وقد أشار لينبرغ إلى أن هذه القدرة اللغوية الفطرية تأخذ بالضمور والانحسار بعد السن السادسة حيث تأتي مرحلة منصبّة على اكتساب المعرفة. بعبارة أخرى، بعد عمر الست سنين يحتاج الطفل لبذل جهد ملحوظ في عملية تعلم اللغة وغالبا ما تكون عبر برامج دراسية منتظمة وطويلة. ويُطلق عادة على اللغة التي اكتسبها الطفل في السنوات الست الأولى بلغة الأم ويتمّ هذا التحصيل دون لأي أو تعب بعكس ما يحصل بعد هذه السن. وللغة الأولى تأثير سلبي في مرحلة تعلم اللغة الثانية نحوا وصرفا. واقع التلميذ العربي على ضوء هذا الأساس النظري لافت للانتباه.

 يلتحق هذا التلميذ بالصف الأول بعد إتقانه للهجته الخاصة بأهله وبمكان سكناه إلا أن هذه اللهجة ليست وسيلةً لاكتساب العلم والمعرفة وفق المناهج الرسمية في كل قطر عربي وعليه تعلم لغة تختلف كثيرا عن لهجته تلك. وضعُ هذا التلميد صعب، إنه معاكس لطبيعة الخلق، قدرته الدماغية لتعلم اللغات قد تناقصت، زد إلى ذلك الحاجةَ لاكتساب أصناف مختلفة من المعرفة في مواضيعَ كثيرة. بعبارة موجزة على ابن العرب أن يتعلم المعرفة ووسيلَتها، اللغة، في آن واحد في حين أن أطفال الشعوب الآخرى يكرّسون اهتمامهم الرئيس في تحصيل العلم والمعرفة.

 وقد قيل “إن التلميذ العربي يشبه الصياد الذي ذهب إلى البحر ونسي شبكة الصيد”. وهذا الازدواج اللغوي، اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة يرافق الانسانَ العربي وينغّص حياته التعليمية فترة طويلة من عمره. اللهجة تستخدم لغة تواصل وشرح للمادة التدريسية ويلجأ للفصحى عند القراءة والكتابة. يشرح المعلم المواد التدريسية بالعامية لأنه أولا وفي الغالب الأعمّ لا يتقن اللغة الفصيحة وثانيا بغية إيصال المعرفة للتلميذ الذي لا يعرف الفصحى أيضا ويتخبط التلميذ بين فهم المادة من جهة والقدرة على التعبير عن ذلك بالفصحى، كما يُطلب منه من جهة أخرى. وكثيرا ما ينتج عن مثل هذه الظروف غير المريحة حفظ المادة عن ظهر قلب (بصم) دون فهم قسم كبير منها.

 يعاني الطفل العربي من صعوبة في فهم المادة بسبب اللغة ومن صعوبة في التعبير عن هذا الفهم وغالبا ما يولي طريقة التعبير أهمية كبرى على حساب المضمون ومن الأقوال الشائعة أنه على العربي الفهم أولا ليقرأ بشكل سليم ثانيا بعكس معظم شعوب العالم التي تقرأ لتفهم. وهذه العلاقة غير الودية ما بين التلميذ منذ نعومة أظفاره والكتاب أي اللغة المكتوبة، تنمو وتتفاقم لتصل إلى ما نحن نلمسه بأم أعيننا في يومنا هذا، أمة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين. ومن البدهي أن حفظ المادة غير المقرون بالفهم والتفكيك والتحليل والاستقراء لا يتمخّض عنه نمو منطقي ومعرفي واسع وعميق.

وهناك بعض البحوث التي تربط ما بين الضعف العام في الرياضيات وضعف الطلبة في اللغة العربية الفصحى. وفي أيامنا هذه كثرت عمليات النسخ والإلصاق،أي التجميع من هنا ومن هنا دون أدنى ذوق أو تسلسل منطقي. غاية الكثيرين من المتطفلين على الكتابة يلهثون وراء نشر مقال واه هنا وآخر مقطّع الأوصال والشرايين هنا. على ضوء هذا يرى الدكتور الدنان ضرورة استغلال القدرة الفطرية الطفلية في اكتساب العربية الفصحى قبل سن السادسة. وكان الدنان قد قام بهذه التجربة الرائدة على ابنه البكر باسل عندما كان ابن أربعة أشهر في بدايات العام 1978، أي مخاطبته بالعربية الفصيحة المشكولة أواخرها أيضا في حين تحدثت الوالدة إليه بالعامية الدمشقية. ولوحظ أن الابن بدأ بالاستجابة للكلام الفصيح فهما عندما بلغ عمره عشرة أشهر. ولدى الوالد اثنا عشر شريطا مسجلا. في سن الثالثة كان باسل قادرا على التواصل بالفصحى دون أخطاء وهناك شريط فيديو يؤرخ لهذه الفئة العمرية.

 واستمر الدكتور الدنان بتجربته اللغوية الجريئة هذه مع ابنته لونه التي تصغر أخاها بأربعة أعوام وتكللت التجربة هذه أيضا بالنجاح. هؤلاء الثلاثة يديرون محادثاتهم مع بعضهم البعض بالفصحى ومع الآخرين يستعملون العامية. تجربة الدنان هذه تذكّرني بما قام به المحيي الرئيس للغة العبرية الحديثة إليعزر بن يهودا في أواخر القرن التاسع عشر في فلسطين مع ابنه إيتمار. أسس الدنان دار الحضانة العربية بالكويت في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين ثم روضة الأزهار العربية بدمشق عام 1992 ولغة التواصل ما بين المعلمات والأطفال هي الفصحى.

 وتشير التقارير التي أعدّها باحثون ومربون من أقطار عربية كمصر والمغرب والأردن وأخرى أجنبية كالولايات المتحدة وإنجلترا إلى نجاح هذه التجربة نجاحا باهرا وتشجيع تعميم الفكرة. ثمرة هذا الجهد الدؤوب تظهر في أشرطة فيديو وقد حصل الدنان على ثلاث جوائز ذهبية في أواخر التسعينيات من القرن الماضي من اللجنة العلمية السورية لتقويم المبدعين وقامت روضات أخرى في دمشق باتباع نفس النهج. لا ريب أن اتقان العربية الفصيحة في المرحلة الابتدائية يحمل في طياته جوانبَ إيجابية عديدة مثل تقليص عدد حصص العربية وتخصيص هذا الوقت واستغلاله لتعليم مواد أخرى كالرياضيات والحاسوب واللغة الأجنبية، خلق علاقة محبة وطيدة بين الجيل الناشىء ولغته، عنوان هويته وثقافته، تعلم ذاتي متقدم وحب المطالعة وتكوين الذوق الأدبي.

 ومن المعروف أن أنجع لغة في التدريس هي دون أي ريب اللغة التي يعرفها الطالب جيدا ويفكر فيها وهنا تكمن معضلة التدريس في المجتمع العربي. والتاريخ البشري يظهر المرةَ تلو الأخرى أنه لا مندوحة من العمل باللغة القومية بغية التطور والتقدم. ما خرجت أمة من عهد التأخر إذا ما استعملت لغات غيرها. للمرحلة الابتدائية أهميةٌ قُصوى في إكساب فلذات أكبادنا ناصية اللغة العربية التي تجمع كل العرب فهي موِّحدة واللهجات القطرية مفرِّقة. ومن المعروف أن الأسلوب التواصلي الوظيفي هو الأنسب والأحدث في تعلم اللغات ويُدعى هذا النمط من التعليم بما يمكن تعريبه بـ”الاستغراق” أو “التغطيس” اللغوي، استخدام لغة الهدف على الدوام ومع الجميع وفي كل الظروف والحيثيات داخل الصف وخارجه طيلة الدوام المدرسي الرسمي. بعبارة واحدة ربط اللغة بالواقع المعاش. “السماع أبو الملكات اللسانية” كما قال عالم الاجتماع الفذّ عبد الرحمن ابن خلدون قبل زهاء ستة قرون من الزمان. يولد الطفل ولديه القدرة العقلية لبرمجة داخلية لقواعد اللغة أو اللغات التي يسمعها مرارا وتكرارا وهذا يذكرنى كيف أن ابني البكر وهو في سنيه الأولى صاغ الفعل “أوكُل” كفعل أمر من الفعل “أكل” غير العادي في تصريفه ومن يبحث في “الكتاب” لسيبويه يجد ورود هذه الصيغة في ذلك الزمن الغابر، القرن الثامن للميلاد. عبر ما يمكن تسميته عملية التقليد والغربلة الداخلية لدى الطفل تكتسب اللغة دون التفكير بالفاعل والمفعول والجار والمجرور الخ.

هذا يشبه ما رواه الأصمعي عن جارية سمعها تقول وهي تحمل قربة ماء ثقيلة: “يا أبتِ أدرك فاها قد غلبني فوها لا طاقة لي بفيها”. إذا صدقت هذه الرواية فإنها تشير بجلاء إلى ما يعرف بالسليقة اللغوية وما أحوجنا إليها في هذا العصر المعلوماتي المعولم والكاسح. وهناك عامل ديني تشجيعي لتعلم العربية وتعليمها كما قال الخليفة عمر بن الخطاب “تعلموا العربية فإنها من الدين”. يبدو لنا أن تجربة الدنان تستحقُّ كل اهتمام ونقاش وتطوير مستمر لأن الفكرة صائبة وقد تساهم إذا ما توفّرت الإمكانيات وتظافرت الجهود لتوسيع هذه التجربة وتعميقها. واقع اللغة العربية اليوم لا يُحسد عليه، ضعف الأداء بها محادثة وقراءة وكتابة لا يحتاج لدليل وهذا يؤدي إلى العزوف عنها والتوجّه لتعلم لغات أجنبية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

 وحال اللغة العربية في الديار المقدسة، لدى عرب الداخل حاملي لفظة “عربي” الوحيدين في بطاقات هويتاهم الشخصية الإسرائيلية يُرثى لها في امتحانات البجروت، الثانوية العامة، نسبة فشل عالية مقارنة بمواضيعَ أخرى وعدد ضئيل من الوحدات الدراسية فيها. هناك موجة عارمة وخطيرة من العبرنة والتعبرن والتأسرل على حدّ سواء. اتقان العربية الفصحى استماعا وتحدثا وقراءة وكتابة واجب وحق على كل انسان عربي من أجل التعلم والتقدم الحضاري والإبداع الفكري الذاتي والتماسك الثقافي لدى كافة الشعوب العربية.

كُتب كم هائل من البحوث والدراسات والتقارير وعُقدت المؤتمرات والندوات حول موضوع مناهج تدريس اللغة العربية في العالم العربي وأسباب ضعف التحصيل العلمي فيها بالرغم من أن عدد الحصص المخصصة لتدريسها يفوق مرتين ما في بلاد أجنبية، مثلا بمصر في مرحلة معينة هناك 1290 حصة وفي بريطانيا 576 حصة. تمحورت البحوث وتوصيات المؤتمرات على مناهج التدريس وإعداد المدرسين وتأليف الكتب وزيادة الحصص أيضا! ويلاحظ أن الدكتور الدنان جاء بشيء جديد حقا وهو إعطاء العلاج الناجع في الوقت الأنسب، في المرحلة الأولى من عمر الطفل وجعل العربية الفصيحة لغة حية تنساب على الشفاه وليس فقط في بطون الكتب الصفراء أو السوداء أو الملونة اليوم. ليس من السهل تعلم لغة لا تتحدث بها، وتعلم أية لغة بشرية طبيعية معناه الوصول إلى حد معين من السيطرة عليها في المهارات اللغوية المعروفة: استماع، محادثة، قراءة، كتابة، تفكير. معرفة قواعد اللغة لا تقود بالضرورة إلى تحقيق المهارات المذكورة وهذا كما أشار إليه ابن خلدون عند ذكره أن معرفة أصول السباحة والخياطة نظريا لا تجعل بالضرورة من حاملها لا سبّاحا ماهرا ولا خيّاطا بارعا. وفي عصرنا الحاضر هناك مثل واضح لهذه الظاهرة وهو المستشرقون وأساتذة الجامعات للعربية والإسلاميات، إنهم في غالبيتهم الساحقة يعرفون كل شاردة وواردة تقريبا في قواعد العربية المكتوبة ولكنهم عاجزون عن التكلم والكتابة بها.

 د. عبد الله الدنان، التيسير في قواعد اللغة العربية. دار البشائر، دمشق، ط. ١، ٢٠٠٨، ٣٨٢ ص.

 http://www.almoultaqa.com/Lebanon99/dannan.htm luna–dannan@yahoo.com



(388721) 1

احمد الحمداني
لفت انتباهي ان اغلب الاطفال العرب المغتربين يتحدون الفصحى التي تعلموها من خلال برامج الاطفال التي تبثها الفضائيات ! واشكر كل هذه الفضائيات التي حرصت على اللغه الفصحى السليمه المبسطة في طروحاتها وبرامجها .. وهذا ما انتبهت له حتى مع طفلتي ذات الثلاثة سنوات فاصبحت تناديني (ابي) عوضا عن الكلمات العامية المرادفه لها ...
October 23, 2012 1:24 PM







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز
Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية