Arab Times Blogs
د. زهير الخويلدي
zouhair_yasser@yahoo.fr
Blog Contributor since:
23 January 2011

معركة الإعلام بين المعارضة والسلطة

" الصحافة الحرة هي أن تقول للحاكم ما يريده الشعب قبل أن تقول للشعب ما يريده الحاكم"   (- مصطفى أمين-)

تجري الأمور لدينا على أساس بروز صراع قوي وحاد بين الاعلام والسلطة على الصحافة والكلمة المكتوبة والمسموعة والصورة المرئية ويبرز الى عيان معارضة شديدة بينهما وتناقض حاد، وما يعكر الأجواء هو مساندة البعض من الفريق الأول بعض من اعلاميي النظام القديم ونية السلطة بعد اطلاقها حملة إكبس محاسبة رموز الفساد وخاصة رجال السياسة والمال والاعلام الذين انضموا الى خصومها السياسيين في نداء تونس وقادوا حملة شعواء في فضائياتهم من أجل انتزاع الهيبة وخلع الشرعية.

المفارقة تطرح حينما يحاول الصحفيون أن يثبتوا استقلالهم المهني ونقل الخبر الصحيح والدفاع على مصداقية العمل الإعلامي وحرية الكلمة والطابع الرسالية للجريدة ووضع السلطة في موقف محرج بالكشف عن التجاوزات لمقتضيات العدالة الانتقالية والتأرجح الكاذب بين المحاسبة والمصالحة من جهة وفي المقابل تحاول السلطة على قدر الامكان تطويعهم وفرض سيطرتها على وسائل الاعلام واستقطاب العديد من الاعلاميين الى جانبها والتشكيك في الماضي النضالي للرافض منهم الدخول الى بيت الطاعة.

السلطة تريد من جميع الاعلاميين الامتثال لنظام الأشياء والامثتال الى الأموامر الصادر عن الهياكل الإدارية المعينة للمؤسسات الحكومية والخاصة بينما الصحفيون يصرون على احترام حقوق التعبير وابداء الرأي ويطالبون بالمزيد من التشجيع في اطار الحريات والاستقلالية في عالم القيم والأفكار.ربما شهد قطاع الاعلام في تونس عقب ثورة 14 جانفي وصعود الترويكا الى الحكم بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 للمجلس التأسيسي وقيادة حركة النهضة البلاد في فترة انتقالية العديد من التجاذبات والتقلبات وقد بلغ أوجها في الاعتصام الذي وقع تنظيمه أمام مؤسسة التلفزة الوطنية والمطالبة بتطهيرها من بقايا النظام السابق واستفحل الأمر مع ما عرف بأزمة جريدة الصباح وتعيين مدرين جدد موالين للترويكا ومعارضة أبناء الدار هذا الفعل.

 كما أن شبح القائمة السوداء الذي يخيم على الأجواء والجهة التي يجوز لها من حيث الشرعية الثورية أن تضبطها والجهات التي ستستهدفها والمتراوحة بين مطبلي وملمعي صورة النظام السابق وموالي ومقاولي النظام الحالي.ربما تجاوز الاعلام التونسي المحظور في العديد من المرات بخصوص المقدسات الدينية والمشترك الوطني وأهداف ثورة الشباب من أجل الحرية والكرامة وربما أخطأت النقابة في مساندتها لبعض الفلول والفاسدين من الذين يبحثون عن أشكال لرتق بكارتهم الاعلامية والعودة الى الساحة في ثوب ثوري جديد أو معارض للترويكا ولكن النظام الحاكم في صورته المؤقتة والانتقالية يصر على الخطا حينما يستعين بخبرات أمنية وحزبية قديمة اشتغلت مع النظام البائد من أجل السيطرة على الاعلام وتدجين المشهد.

من المفروض أن تترك الحكومة الى أصحاب الكلمة الحرة ادارة شؤون مهنتهم بأنفسهم دون وصاية مالية أو تدخل رقابي وأن تكشف عن ملفات الفساد المالي في جميع المجالات وان تحرص على محاربة هذه الآفة والا تعيد نفس اخطاء النظام السابق في تدجين حرية الصحافة وضرب منظومة الاتصالات، لكن في المقابل ينبغي على الصحفيين أن يخوضوا معركتهم من أجل حرية التعبير بأنفسهم وأن يرتقوا بالخطاب الإعلامي وألا يتركوا المجال المفتوح لكل من هب ودب وأن يطهروا الفضاء التواصلي من الدخلاء والسماسرة والمتاجرين بآلام المضطهدين وقضايا الأمة وأن يلتزموا بآداب المهنة وأخلاق الصحافة وأن يميزوا بين النقد الموضوعي والمحاسبة الفعلية والضغط الايجابي وتثوير الإعلام وبين الشتم والسب ولغة المجاري والمس من الخصوصيات وانتهاك الأعراض والتدخل التخريبي الفوضوي في الشأن العام.

علاوة على أن ضبط القائمة السوداء يجب أن يخضع لمستلزمات العدالة الانتقالية وأن يكون محل توافق وطني وأدلة دقيقة وقرائن موثقة ولا يمكن أن تنفرد بها جهة حزبية معينة أو مؤسسة نقابية لوحدها وذلك لتجنب تصفية الحسابات واستعمالها في معركة المواقع والمصالح التي تدور رحاها في تونس الثائرة.ان الصحافة الحقيقية ليست التي تقرب الى الشعب ما يريد أن يقوله الحكام ولا تنقل وجهة نظر السلطة الى الجماهير وانما هي التي تحمل الى المسؤولين مشاكل ومطالب الناس وتصنع رأيا عاما مضادا للدولة.

 لعل ما قاله الماهاتما غاندي عن الفجوة بين العلم والأخلاق وبين الرأي الحر والتطبيق الاجتماعي هو خير مثال على ذلك لأنه " توجد سبع مبادىء تدمر الانسان: السياسة بلا مبادىء والمتعة بلا ضمير والثروة بلا عمل والمعرفة بلا قيم والتجارة بلا أخلاق والعلم بلا انسانية والعبادة بلا تضحية" ويمكن أن نضيف اليها صحافة دون شرف ونقل المعلومة دون أمانة وتصوير الواقع والكلمة الحرة دون احترام كرامة الناس. كما يمكن العودة الى رأي مصطفى أمين الذي يدافع فيه على أخطر مهنة قائلا: " الصحافة الحرة أن يكون من حق كل مواطن أن يصدر صحيفة،حتى لو قرأها قارئ واحد..الصحافة الحرة أن الشعب لو أجمع على رأى واحد،وشذ مواطن واحد عن هذا الرأى،فمن حقه أن يقول رأيه ولو خالف رأى الملايين..الصحافة الحرة هى التى يختار الشعب رؤساء تحريرها..فإذا أقبل الشعب على كاتب يصبح رئيسا للتحرير،وحينما ينفر من جريدة فيجب إغلاقها.. الشعب..لا الحكومة...هذا ما ينبغى أن يكون".

لقد كانت آيته في ذلك أن من اعتدى على صحافي واحد فكأنما اعتدى على كل الصحفيين وأهان جميع الناس طالما ان حرية الصحافة ليست من الأولويات للصحفيين بل هي حق من حقوق المواطنة وينبغي أن يكفلها الدستور.  لعل الاستقلالية وحرية التعبير وحق ابداء الرأي في المنطق الأعوج هي الثمن الذي يدفعه الصحافي لكي يضمن وظيفة وينتمي الى مؤسسة اعلامية وتتركه السلطة بخير وربما الولاء للسلطة هو الوسيلة الوحيدة لضمان الرزق وليس الانتصار الى مبادىء المهنة ومستلزمات العمل الصحفي المحترف ولذلك لا ينبغي أن تتدخل السلطة في كل كبيرة وصغيرة في المؤسسات الاعلامية وتقوم بتعيين الرؤساء والمديرين بل يلزم أن تترك مسألة ادارة وتنظيم هذه المؤسسات الى أبناء القطاع يشرفون عليها في جو من الديمقراطية المباشرة والتسيير الذاتي والتشاور مع الهياكل النقابية.

ذلك ما أشار اليه نزار قباني حينما أنشد ساخرا:

" على الذي يريد أن يفوز في رئاسة التحرير..

عليه أن يبوس في الصباح والمساء ركبة الأمير..

عليه أن يمشي على أربعة كي يركب الأمير...

لا يبحث الحاكم في بلادنا عن مبدع..

وانما يبحث عن أجير...".

على هذا النحو المطلوب اليوم ثلاثة أشياء:

-         ارساء تقاليد اعلامية ديمقراطية وذلك باعتبار الاعلام سلطة رابعة تنتمي عضويا الى المجتمع المدني ويكون للحكومة وسائلها الاعلامية الخاصة تتنافس مع بقية المنابر والمؤسسات الحرة.

-         ترشيد الخطاب الاعلامي بالتقيد بآداب المهنة ومحاربة الفساد والمفسدين ومحاسبة المعتدين على ميثاق شرف المهنة والتصدي لكل أشكال التضييق والمحاصرة وتنقية الأجواء داخل المشهد الصحفي وتمتين العلاقات المهنية بين الفاعلين.

-         الارتقاء بآلية التكوين والتعليم في المجال الصحفي في الجامعة واعداد فئة مختلفة من الاعلامية قادرة على مواكبة التحولات وووفية لمبادىء الثورة واتاحة الفرصة لهذا الجيل الجديد من المتخرجين والتركيز على أخلاقيات المهنة والجانب الرسالي للمهمة النبيلة التي يناضل من أجلها ملائكة الكلمة والصورة والخبر.غير أن الصراع بين السلطة والمعارضة يتموضع على الأرضية الاعلامية وسيبقى كذلك طالما أن نقابة الصحفيين يملي عليها الواجب المهني الدفاع عن الحريات وسلامة الصحفيين المعارضين للدولة وطالما أن السلطة ستسعى بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية وضع حد للشغب الاعلامي وتركيز هيئة رقابة تنهي الانفلات وتضع معايير مهنية تنظم العمل الصحفي بما يخدم مصالحها ويرتقي بالمادة الاعلامية. لكن كيف لا تثير هذه الصراعات الدامية التي تؤدي الى تدني للمستوى الاعلامي والدخول في تفاهات الى نقمة الشارع وامتعاض الشعب قد يسهل استغلالها من قبل بعض قوى الردة قصد الالتفاف على الثورة؟ وأليست الصحافة دون آداب والحرية دون مسؤولية والكتابة دون رسالة هي مجرد مهن دون شرف؟ وألا تحتاج تونس الى النقلة النوعية من حكم شمولي الى حكم ديمقراطي والى قطيعة مع ممارسات التضيق والمصادرة وتأسيس تقاليد صحفية جديدة ترسخ المصداقية والشفافية والموضوعية والولاء للوطن؟

    كاتب فلسفي



(382730) 1
Just Money
Masriya
The oil money is buying people and leaders left and right. Oh well It's easy come easy go
August 31, 2012 3:32 PM


(382802) 2
تعليق
أحمد علي
شكرا لكاتب المقال لقد كتبت ووفيت وياريت أكثر هؤلاء الذين يدعون بالإعلام والإعلاميين في تونس اليوم يقراءون هذا المقال لعلهم يتعلمون ويفهمون ما هو دور الإعلام الحقيقي الذي يحتاجه الشعب التونسي اليوم . بكل صراحة إنه اعلام المهازل بكل ما في هذه الكلمة من معنى . مرة ثانية شكرا على ما كتبت
September 1, 2012 5:57 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز