Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

مذكرات مثقف عراقي في سنوات الحصار ج5

في دائرة الامن الاقتصادي العامة رأيت نفسي امام ضابط يتقن التعامل مع المتهمين ويعرف كيف يرخي الحبل اذا استجاب المتهم لأسئلته وبدا يسترسل بالحديث بعدها ، ويشد الحبل اذا احسّ ان الطرف الاخر عنيدا ولايتجاوب مع مستجوبه . وحين اخذوني الى غرفته ؛ ترك مكانه وجلس بقربي ، قدّم لي لفافة تبغ واشعلها بنفسه واوصى لي بكوب من الشاي وضعوه امامي ليخلق لي اجواء من المودّة المصطنعة ويستدرجني لأقول ما عندي بكل رحابة صدر وهذا ما ظننته لاول وهلة ، بعد اقل من نصف دقيقة ربت على كتفي قائلا:

-مرحبا استاذ ، لعلك قضيت معنا وقتا لايسر، نحن نأسف لما بدر منا والمعلومات التي لدينا تؤكد انك مواطن صالح

كان وقعُ كلامه كالثلج البارد في يوم قائض أحسست من خلاله ان شيئا جميلا وفرجا قريبا سيأتي ، وبعد فترة سكوت سألته قائلا:

- إذاً لماذا هذا التصرف الغريب معي ؟، كل ما هنالك انني اجهد لاطعم اطفالي وارتزق بالمال الحلال

- انت تدري ان مهامنا شاقّة ، نحن نعمل بكل جهدنا لحماية اقتصادنا والحفاظ على امننا من الخرق وقد يشوب عملنا خطأ ما ويضيع الاخضر بسعر اليابس كما حدث لك فانت تعلم ان من يعمل يخطأ احيانا وها نحن نقدّم اليك اعتذارنا بالنيابة عن كل المنتسبين الذين بدر منهم سوء التصرّف تجاهك

-لاعليك يا حضرة الضابط ولكن قل لي متى اخرج ؟

- ستخرج بعد حين ريثما نغلق الموضوع فما هي الاّ إجراءات روتينية ادارية

هدأت سريرتي حتى اني نسيت ما فعلته العناصر الامنية ، تنفست الصعداء وفكّرت في أسرتي التي تنتظرني على احر من الجمر وتخيلت الحرية تفتح ابوابها على مصراعيها وتخرجني الى الهواء الطلق وتشرح صدري بالبهجة ، ارى احبتي ينتظرونني بلهفة وحنو ، واولادي يسرعون ليطوقوا جسدي، كل هذا تخيلته في اقل من لحظة ، غمرتني السعادة رغم اني لم ابقَ في دائرة الامن الاقتصادي سوى ايام معدودة لكني اعتبرها من احلك واقسى الاوقات التي مرّت بي

بعد اقل من ساعة نادى عليّ احدهم ، رأيته مفتول العضلات ، عارم الصدر ، سحبني من يدي بقوة شديدة وادخلني في ممر صغير لايكاد يكفينا ، اخرج من جيبه منديلا طويلا وعصّب عينيّ واخذ يقودني الى سيارة مركونة قرب المدخل الرئيسي للدائرة-هكذا خمّنت- بعدها لم الحظ شيئا سوى ظلام الغشاوة التي التصقت باهدابي ، سمعت فتْح الباب وامرني بالصعود ، كنت اتلمس السيارة بيدي للاستدلال على المقعد وبمساعدته اجلسني في الخلف ، تحسست المكان مرة ثانية بكفيّ فإذا رجلٌ آخر يجاورني

انطلقت بنا السيارة دون ان اعرف هدفها ، رغبت في ان اسأل الجالس الى جواري عن مقصدنا لكنني ارتأيت السكوت والانتظار خوفا من ان ألاقي ما لايحمد عقباه ، وما هي الاّ نصف ساعة مرّت بتوجّس وقلق شديدين ؛ امرني أحدهم بالنزول بعد ان حذرني جليسي الذي بقربي بعدم فكّ العصابة من عينيّ ، تلمست الباب وانا افتح قبضتها ونزلت كالاعمى، وما ان وطأت قدماي الارض حتى تحرّكت السيارة بسرعة البرق وهممت بنزع العصابة سريعا لأرى نفسي وحيدا في شارع هادئ جدا وخالٍ من السابلة.

14)

خلال سنوات الحصار على بلادي لمستُ تعاونا وتعاطفا من بعض الادباء والكتّاب الذين سنحت لهم فرصة الهروب من الوطن واختيار الرحيل وتفضيل الغربة أو مما يسمونهم " أدباء الخارج او الشتات" لمساعدة اصدقائهم ومعارفهم من الادباء الذين عركتهم سنوات الحصار في داخل وطنهم ، كنت أقرا الرسائل المتبادلة بينهم خلال زياراتي المتكررة لهم كلما سنحت لي الفرصة للقاء مع زملائي كل سنة الى العراق ولم يخلُ هذا التعاون من مساعدات مادية ومبالغ نقدية تصل إليهم بين حين وآخر حتى ان قسما من الادباء الموسّرين قليلا قام بطبع ونشر نتاجات زملائهم من حسابهم الخاص ، لكن ْ في المقابل رأينا بعضهم تنكّر لأصدقائه ونسي اوضاعه المزرية التي كان يعيشها في بلاده ولم يعد على صلة وثيقة برفاقه "ادباء الداخل "

لم تقتصر المساعدات النقدية التي كانت تأتي من الخارج على الادباء وحدهم فقد شملت الكثير من العوائل المعوزة فقد رأيت الكثير من التجّار واصحاب محلات الصرافة لديهم قوائم باسماء المحتاجين ، اضافة الى أن دور العبادة والكنائس كانت تقوم بين مدة واخرى بتوزيع المعونات التي تصل من الأسر الغنية نوعا ما التي ارتضت العيش في الخارج بل ان هناك عوائل كريمة غنية في الداخل تكفّلت بمعيشة اسر عراقية فقيرة متعففة ولم يتركوا هؤلاء يميلون لطرق الضلال او ترمى في حبال الجريمة او تقع في شباك السلطة ، ففي الوقت الذي كان فيه العراقيون في عوز وفاقة لاتطاق نرى بعضا من الاشقاء العرب من الادباء والفنانين ورجال السياسة وغيرهم ممن أظهروا تعاطفا مزيفا نحو العراق وقيادته تنهال عليهم الاموال الهائلة من دولتنا الكريمة لقاء تصريحات او بعض الكتابات التي تمتدح القائد الضرورة وفارس الامة العربية وتكيل اليه سيل الفخار والبطولة في الوقت الذي يعتصر الجوع بطون العراقيين الخاوية حيث كنا نسمع بين الفينة والفينة الاديب العربي الكبير والفنان اللامع الآتي من بلاده يستقبل استقبال الابطال ويحل ضيفا عزيزا ومكرّما وكأنه كسر سلاسل الحصار الصلدة التي حزّت رقابنا ويمطرنا بعنترياته وتصريحاته المدوية وكأنه البطل الصنديد الذي خرقَ لوائح الامم المتحدة ؛ وقبل ان يحزم حقائبه الملأى بالهدايا ويعبئ جيبه بالأوراق الخضر ، كان العراقيون يعتصرهم الألم ، واذا كان هذا الضيف من الشخصيات الكبيرة الهامة والمؤثرة في الوطن العربي فقد يحصل على كوبون نفطي فينتفخ رصيدهُ من هموم وشقاء أشقائه دون ادنى خجل او استحياء ، اما زملاؤه الادباء والفنانون العراقيون فهيهات ان ينالوا عشرمعشار ما ناله صديقهم العربي او الاجنبي حتى لو اختاروا ركب السلطة ومشوا في ضلالتها ، اما من كان ينأى عن هؤلاء فقد اعتكفوا بعيدا وانطووا على انفسهم في سبات ثقافي املا في فسحة من الحرية وانتظارا لحلمٍ لايأتي ، ومنهم من ضرب عرض الحائط الثقافة والمثقفين وكفر بالفكر والرأي وشتم الوعي والكلمة الحرّة وراح يمتهن حرفا اخرى يعتاش عليها ويقيم أوَدَ عياله ، لكنّ قليلا من هؤلاء لم يغادر الساحة الثقافية وظلّ يكتب ويصارع الجوع في آنٍ واحد مثل حال احد اصدقائي الشعراء الذين احترفوا صناعة الخبز إذ عمل في احد الافران البعيدة فتراه ينهض قبل الفجر الى عمله ويعود عصرا الى مكان إقامته متهالكا في فندق رخيص بائس وسط المدينة لكنه ظلّ يكتب قصائد غاية في الابداع والرقيّ لأنه عاش الفاقة والبؤس والتشرد والصعلكة طوال فترة الحصار المديدة واستمرّ في الكتابة في أحلك الظروف وأقساها رغم ابتعاده عن المؤسسات الاعلامية وفضّل الانزواء في غرفته مع قلمه ودواته مع انشغاله بعمله الشاقّ في المخبز الذي يعمل فيه ليطعم أهله ويغذي نفسه بأقراص الخبز ولم ينسَ ان يغذي روحه وعقله طهرا . أليس الشعرُ تطهيراً .

15)

الهجرة الى بلاد الثلج

حينما كنت أمرّ بعمّان وانا في طريقي لزيارة وطني العراق، تعرّفت بطريق الصدفة على احد المحامين الاردنيين ، كان رجلا وديعا طيّب المعشر وكنت ازوره بين حين واخر في مكتبه عندما تطأ قدماي ارض الاردن الشقيق بعد ان توطدت العلاقة بيني وبينه وخلال هذه الزيارات كنت ارى العديد من الاخوة العراقيين والاشقاء العرب الاردنيين والسوريين وغيرهم يراجعونه بشأن طلبات الهجرة الى عدة بلدان مثل استراليا ونيوزلندة وكندا وبعض دول اوربا، وكان هذا المحامي بارعا في مهمته ولديه قدرات هائلة في انجاز وتسوية امر السفر لطالبي الهجرة من خلال متابعته الدؤوبة مع السفارات والقنصليات الموجودة في عمّان ومكاتب الهجرة خارج عمّان وهذا الرجل النشط لديه إلمام واسع بتعليمات وشروط الدول الواجب توفرها في طالب الهجرة ومعرفة احتياجاتها من الكوادر العلمية والاختصاصات النادرة في كافة المجالات وحتى الحرَف المطلوبة في بلاد المهجر لكنه كان يطلب مبالغ كبيرة جراء أتعابه

في احدى الجلسات التي جمعتنا معا اقنعني بضرورة تقديم طلب للهجرة مع عائلتي الى كندا مبديا استعداده وانجاح مهمته في اسرع وقت (لاتتجاوز السنتين) والغريب انه لم يطلب مني سوى مبلغ معقول لم اكن اتوقعه جرّاء اتعابه  ولم يمانع ان يكون المبلغ على شكل دفعات وبعد ضغط مقنع وافقتُ على طلبه وقدمت له ما تيسر من الاوراق التي بحوزتي  مع مبلغ مالي كقسط اول ووعدته بتوفير كل مايطلبه من وثائق رسمية تخصّ اسرتي

بعد عودتي الى عملي في بنغازي شرحت الامر لعائلتي فأصابها الذعر من جراء تصرفي كأن صعقة من السماء أرعدتهم وبعد اخذ وردّ  رضخوا للامر الواقع  وظللت على اتصال دائم بصديقي المحامي وقمت بتزويده بكل ما يطلب من الاوراق والوثائق التي تخصني وتخص اسرتي سواء بواسطة /النت او بالبريد السريع ولكنني رغم تواصلي معه وتلبيتي لما يريد ، كنت في صراع داخلي مع نفسي ، كيف لي ان اغادر ارضي واقذف في مكان من الصعب ان يتآلف معي وهل سأقتطع جذوري النابتة في ارض الدفء وانسى علاقاتي الحميمة مع من يحيط بي وافارق امي العليلة واشقائي وشقيقاتي وجاري الصديق العزيز الذي يطرق الباب عليّ كلما طال فراقي له . كانت الافكار تعصف بي حالما اتخيل الطائرة وهي تقلني من المطار وترميني في بلاد الثلج التي لم اعتد العيش بها ، وكنت اتساءل دوما ، لماذا الهجرة اليست الارض التي سأقيم فيها هي تراب وهواء وماء ، وسماء تظللني مثل بقاعي؟؟ ، اليست هذه المعمورة هي نفسها سواء أشرقتُ ام غربتُ؟؟ ، لااظن ذلك فتراب بلادي قد عفّرني مذ كنت صغيرا وانا العب مع اصدقائي الصبية وهواء بلادي ممزوج بأنفاس اهلي وعطر حبيبتي وماء وطني برافديه العظيمين يسري في دمي ويروي اوصالي ويشفي غليلي ، تذكرت بيتا لجدّنا ابي العلاء المعرّي وهو يصف ماء المعرّة المتعكّر غير الصافي حينما كان يقيم في بغداد مفضلا اياه على ماء دجلة العذب الرقراق لالشيء إلا لانه من نبع وطنه ومن ملاعب صباه :

وماء بلادي كان أنجع مشرباً        ولو أن ماء الكرخ صهباء جربال

اما سمائي التي أمطرتني بالاذكار والادعية النجيبة وسرت في روحي وهدأت سريرتي واطمأنت نفسي اليها فمن الصعب بل من المستحيل ان اغادر ظلها الظليل وهي تشعرني بالراحة ودفء الايمان .وامام هذه النوازع التي تغلغلت في رأسي والافكار التي أرجحتني يمينا وشمالا هممتُ ان اتصل بصديقي المحامي طالبا منه وقف الاجراءات بشأن هجرتي المرتقبة لبلاد الثلج لكن هاجسا في داخلي منعني من ذلك حين تذكرت مخالب الفاقة والجوع والاضطهاد وكل انواع الذلّ والخوف التي ما زالت تنهش في جسد بلادي العزيزة



(369466) 1
شو القصة
ساري الورور
كويتب شو شبك ؟ يعني شو بدك تقول ؟؟
انتا عرفان شو بدك ؟
May 10, 2012 3:09 AM


(369523) 2
they do it
Mary
That is what the Arab government do best is to excile the intelects out of their countries or inprison them..
May 10, 2012 10:50 AM


(369524) 3
رد
مهاوش العراقي
تحيه طيبه لك ولكل الطيبين امثالك محبي عراقنا الكبير واسعدني عودتك لكتابه بقيه الاجزاء وانا متلهف لقراءه الاجزاء الباقيه ارجو ان لا تطول المده بين جزء واخر مع اطيب تحياتي لك ولكل مواطن عراقي طيب يحب وطنه
May 10, 2012 10:51 AM


(369545) 4
ذكرهم بالماض
ako aljaff
عزيزي الكثير من الناس اصبحوا يتناسون المكابدات والاهانات والذل الذي عاشه الشرفاء الذين لم يصبحوا بعثيين وتكارتة ومن الفلوجة والرمادي الذين كانت ترعاهم الدولة ويعملون ف المرافق الاستخبارة والامنية ولا وافدين اعراب قدموا من اليمن ومصر وعرب اسرائيل واصبحوا يسرقون لقمة العراقي وينغصون عليه معيشته ولا سلفيين تأتيهم المساعدات من المشيخات الخليج الفارسي ولهذا تجد اغلب التعلفات هي سباب وشتم تعبر عن مستوى تربيتهم واخلاقهم الاسلامية
May 10, 2012 1:46 PM


(369554) 5

احمد
الى ساري: شغل عقلك (اذا عندك عقل) من اجل ان تفهم المقال وتعرف شو بدو!
ال جواد غلوم: نحتاج مقالات المغتربين العراقيين في زمن الحصار. أخشى ان يتم نسيان هذا الزمن. من المقالة السابقة وصفت العرب بالاشقاء وانا اعترض بشدة على هذه الكلمة واطلب منك ان تسحبها لانها في غير موضعها على الاطلاق
May 10, 2012 3:25 PM


(369571) 6
enemies
Iraqi Sunni
the gulf arabs are the true enemies of Iraq and all arabs
May 10, 2012 7:51 PM


(369671) 7
الحمار الوحيد في الوسط
حجازي
الموضوع كله كان مصالح وفلوس ولاعلاقة له بأي مبادئ ، السعودية والكويت شجعوا صدام على حرب ايران حتى يبيعون النفط نيابة عن العراق ، وبنفس الوقت يخدمون أميركا واسرائيل بجعل دولتين مسلمة تقتل بعضها ، يعني هذوله جرذان الصحراء مايهمهم حلال وحرام المهم تحميهم أميركا وتجيبلهم جواري من لبنان وغلمان من تايلند ، الوحيد الغبي اللي كان يرقص ويتوهم نفسه بطل هوه صدام اللي حرق الأخضر واليابس والناس تصفق له مثل المخبل ، الله يلعنه ويلعن الأعراب اللي قشمروه وضيعوا أربعين سنه من عمر العراق ، عسى الله يسلط عليهم أظلم منهم .
May 11, 2012 2:59 PM


(370091) 8
القواد العظيم
حجازي
كان يعمل قوادآ لدى المقبور عدي صدام حسين ، وبدآ مسيرته في السبعينات كاتب مغمور ، ولبراعته في المدح وتصوير ه لصدام كأنه نبي ترفع بسرعة الى مدير تحرير جريدة رسمية ثم مدير عام الأذاعة والتلفزيزن وقواد عدي بنفس الوقت ، وعندما أحس بأن صدام سينتهي هرب ونشر كتابين ينتقد صدام أحدهما كتاب حرب تلد أخرى ، لكنه بقي قوادآ بعثي الهوى ، واليوم يملك قناة فضائية اسمها الشرقية يمولها آل سعود مليئة بالشراميط ومعظم برامجها غناءالكاوليه والأسفاف السخيف ، وبين السطور مازال يبث سمومه يحرض العراقيين ضد بعضهم البعض ، انه القواد سعد البزاز لمن لا يعرفه .
May 15, 2012 6:11 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز