Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

مذكرات مثقف عراقي في سنوات الحصار ج2

اتفقت مع مجموعة من الزملاء الذين تعاقدوا مع امانة التعليم الليبية (وزارة التعليم) على السفر سويةً الى عمّان وهم نخبة من الاساتذة والدكاترة الأخيار ممن تعرّفت عليهم اثناء المراجعة مع لجان التعاقد التي زارت بغداد وكان موعد السفر العاشر من شهر ايلول/1995 وقبل ان يحين هذا الموعد قمت بتدبير مصاريف السفر الى الاردن من خلال الاستدانة من الاقارب والمعارف ؛ لكن ضريبة السفر البالغة اربعمئة الف دينار اقضّت مضجعي وكان لزاما عليّ دفعها الى دائرة الجوازات عن كلّ سفرة خارج العراق وكان هذا المبلغ ثقيلا عليّ وعلى غيري فاضطررت الى بيع مكتبتي ، مؤنستي في الوحشة وكأنني اقتطع جزءا من جسدي وبكيت بكاء مُرّا وانا أساوم الرجل الشاري وأحسبه يسلب مني أعزّ ما املك من حطام الدنيا والتي جمعتها كتابا كتابا منذ ان كنت يافعا صغيرا وكانت ابرز مصادر غذائي المعرفي منذ ان شببت على حبّ القراءة وانا فتى غضّ في ربيع العمر وقد رافقتني حتى بعد ان علاني الشيب ولم تجزع من النزق الذي يعتورني بين حين وآخر

حان موعد السفر مع صحبي ، كان لقاؤنا في منطقة الصالحية واستقللنا مقاعدنا جنبا الى جنب في الحافلة ودارت بيننا احاديث شتى هي خليط من الحنين والشوق لبلادنا التي سنغادرها بعد ساعات والمقبل الذي ينتظرنا واللهفة لمعرفة ما سيؤول حالنا ونحن نترك اولادنا وزوجاتنا في جحيم حصار يحرق الاخضر واليانع

وما ان وطأت اقدامنا عمّان في اليوم التالي صباحا حتى يممنا وجهنا صوب مكتب الخطوط الجوية الليبية ؛ كان المكتب يعمل رغم الحصار الجوي المفروض على ليبيا وقتذاك ومنع الطائرات الليبية من الهبوط والاقلاع في مطارات العالم وحتى المطارات العربية وعرفنا ان المكتب قام بتأجير طائرة خاصة للمتعاقدين امثالنا من خطوط/عالية لنقلنا الى تونس حيث تم تحديد السفر في العشرين من ايلول /1995 وعلى إثر ذلك قمنا بإنشاء حساب جارٍ لكلّ واحد منّا في البنوك الاردنية لتسهيل تحويل رواتبنا حسبما أوصتنا لجنة العقود

حطّت بنا الطائرة في مطار مدينة (توزر) التونسية القريبة من نقطة الحدود في منطقة /رأس جدير واستقبلنا استقبالا طيّباً من قبل العاملين في المطار ، وبعد انتهاء الاجراءات الروتينية كانت هناك حافلات بانتظارنا تمهيدا لنقلنا الى طرابلس الغرب ؛ ورغم قصر المسافة بين تونس وليبيا بدأنا نعاني مشقة السفر والانهاك وادركنا فعلا كم كان يعاني الاشقاء الليبيون من وطأة حصار جوي جائر فرضه مجلس الامن وما يقاسيه المرضى وكبار السن خصوصا

وفور وصولنا الى طرابلس العاصمة توهّمنا بان سفرتنا قد انتهت وعلينا ان نحطّ رحالنا لكن دليلنا أكّد علينا ان نواصل رحلتنا صوب مدينة (سيرت) حيث مقر الوزارات وامانة التعليم وعلينا قطع مسافة تزيد على 500/كم للوصول الى هناك فعدنا الى حافلاتنا وأخذنا مقاعدنا بعد ان أنهكنا التعب والسفر الطويل، واخيرا وصلنا الى سيرت في ساعة متأخرة من الليل ونحن في غاية الضنك والارهاق وتم إيواؤنا في بيوت الشباب المطلّة على البحر المتوسط على أطراف المدينة

5)

بعد وصولنا الى مجمع الوزارات في مدينة (سيرت) حاملين عقودنا معنا ؛ قام أصحابي بتقديم اوراقهم الى الموظف المسؤول في مدخل الاستعلامات طالبا منهم الانتظار والجلوس ريثما يتمّ تحديد أماكن عملهم والمباشرة في وظائفهم ، قلت في نفسي دعني اتريث في تقديم الاوراق الخاصة بي وانتظر مصائر زملائي أولا وكم كان ظني مصيبا حين فوجئنا بتنسيب معظمهم في اماكن نائية جدا وواحات بعيدة وسط الصحراء المترامية ،قلقت كثيراً وفكّرت بالعودة من حيث أتيت ولكن من أين لي المال الكافي  كي يعيدني الى اسرتي البعيدة ؟؟ وبينا انا في هذا الحال باحثا عن حلول وأقلّب أمري ذات اليمين وذات الشمال وقد أوشك الدوام على الانتهاء؛ ناداني أحدهم عن سبب تواجدي دون ان أقدّم اوراقي فأجبته باني عازم على جلب عائلتي معي وأرغب في ان يواصل اولادي دراستهم في الجامعات الليبية وعملي في مناطق نائية يحرمني من لمّ شمل اسرتي هنا ورجوته بإمكان تنسيبي للعمل في إحدى المدن التي تتواجد فيها جامعات أملا في ادخال اولادي فيها لمواصلة دراستهم الجامعية

تفهّم الرجل الطيّب وضعي وسحب مني اوراقي مع العقد وبعد فترة قصيرة عاد لي ومعه كتاب لتنسيبي الى احد المعاهد الخاصة بتدريس البنات وسط مدينة بنغازي وكم كانت فرحتي عارمة حتى نسيت ان اشكر هذا الرجل الذي ساعدني دون ان اعرفه مسبقا واستلمت منه الكتاب وانا أهرول خارج المبنى جذلا

وصلت بنغازي واتجهت فورا الى المعهد الذي سأعمل فيه واستقبلتني السيدة المديرة والعاملون بحفاوة بالغة وترحاب عالٍ وبعد حديث طويل طلبت منها مساعدتي في تأمين سكن مناسب لي ولو مؤقتا فأجابت طلبي واتصلتْ بدورها بمدير احد المعاهد المجاورة لمكان عملي الجديد، ولمّا وصلت الى المكان الذي سأسكن فيه ؛ رأيت بعض الطلاب قد شمّروا عن سواعدهم وقاموا بتهيئة السكن المناسب لي حيث تم تشييد غرفة خشبية من المواد الاولية المتناثرة في المعهد اضافة الى سرير مريح وطاولة للقراءة ومناضد جميلة مع مطبخ صغير في ركن الغرفة ، وبهمة عالية رأيت المكان الذي سأقيم فيه أوشك على الانتهاء من خلال تظافر جهود الطلبة وسعيهم لتهيئة مكان إقامتي بأسرع وقت حتى ان البعض منهم جلب لى من بيته مفروشات واغطية للسرير إذ ان كلّ ذلك تم في غضون ساعات قلائل ووجدت نفسي طفلا مدللا كلٌ يسعى الى بذل المزيد من الجهود لأرضائي وتوفير مستلزمات الاقامة والسكن المريح .وكنتُ كلما احصل على مال  أقوم بشراء غرض جديد لغرفتي حتى أكملت تأثيثها على أحسن وجه

استمرّ عملي في المعهد قرابة عشرة شهور دون ان استلم رواتبي وكنت استلف من هذا وذاك وأعتاش ايضا على بعض الدروس الخصوصية التي اقوم بتدريسها مساء وايام العطل الرسمية والتي كانت –بالكاد-تكفيني  ولم استطع ارسال شيء من المال خلال تلك الفترة لأسرتي إلاّ بعد ان تم إطلاق رواتبي المتراكمة منذ بدء تعييني فكانت خير عونٍ لي حيث قمت بتحويل نصف مرتباتي الى البنوك الاردنية واستلمت النصف الثاني وتمكنت من مغادرة سكني المؤقت في المعهد واستأجرت شقة صغيرة في وسط المدينة كما اشتريت سيارة مناسبة مستعملة وقمت بتأثيث الشقة بما تبقّى لديّ من أموال تمهيدا لاستدعاء أسرتي كي يلتئم شملنا معا.

6)

خلال العطلة الصيفية /1996 سافرت الى طرابلس لمراجعة السفارة العراقية بغية تكملة الاوراق الخاصة لسحب عائلتي والعيش معي في مدينة بنغازي حيث اعمل وإنجاز معاملات نقل اولادي ومواصلة دراستهم في المدارس والجامعات الليبية ، وبعد ان اكملت الاوراق ؛ بعثتها الى بغداد لتقوم زوجتي بمراجعة دائرة السفر ووزارة التربية وترتيب وانجاز كافة المتعلقات لكنّ العقبة الكأداء التي أقضت مضجعنا هي ابنتي الكبرى والتي كانت في السنة الاخيرة من كلية العلوم ومن الصعب بل من المستحيل ان تترك دراستها في بغداد ولم تبق سوى شهور قليلة كي تتخرج فاضطرت زوجتي ان تستودعها في بيت شقيقتها لحين تخرّجها وهذا ما حصل فعلا. وانتظرت اياما قلائل انتظر قدوم أسرتي وفعلا استقبلت زوجتي وابني وطفلتي الصغيرة في شقتي التي استأجرتها وسط بنغازي ثم ألحقت ابني في الجامعة وابنتي في الثانوية لكنني رغم عيشي السعيد  مع أسرتي ومحبتي لعملي في المعهد وامكانياتي المادية شبه الرغيدة إلاّ ان سعادتي لم تكتمل طالما ابنتي الكبرى بعيدة عن أنظاري وكنت كلما أتذكرها أشعر بالغصة والحزن يلتفّ حولي ولم يهدأ بالي حتى أمرت زوجتي بالعودة الى بغداد والبقاء مع ابنتها ريثما تنتهي من دراستها

عادت زوجتي الى بغداد بعد ان بقيت معي قرابة ثلاثة شهور وكنت اسمع بين الحين والحين أخبارا سارة تنبيء عن قرب انفراج الازمة القائمة بين بلادي وبين الأمم المتحدة بشأن اطلاق بيع كميات محدودة من النفط والسماح بتصديره نتيجة المعاناة والكوارث الاقتصادية والنفسية التي أصابت شعبنا وحرمان الانسان من ابسط حقوقه في الحصول على الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة الضرورية والتمتع بثرواته مثل بقية الشعوب وكنا نترقب الاخبار لحظة بلحظة الى ان سمحت الامم المتحدة اخيرا بعد مخاض عسير واصدرت قرارا بالسماح ببيع كميات محدودة جدا من النفط مقابل شراء الغذاء والدواء والمواد الاساسية او ما سُميَ حينها (النفط مقابل الغذاء والدواء) لكن الحصار ظلّ ساريا وبقي يضيق الخناق برقاب شعبنا الموجوع الذي وقع بين مطرقة الحصار بكلّ جوره وسندان الدكتاتورية التي حكمت العراق بالحديد والنار وذاق مرارة البؤس والفقر

خلال تلك المدة كنت على اتصال دائم بزوجتي وابنتي رغم صعوبة الحصول على النداءات التلفونية مع العراق إلاّ في اوقات متأخرة من الليل وكم بقيت ساهرا في مكاتب الاتصالات ودوائر البريد اترقب صوتيهما عبر الاثير علّه يشفي بعض جراحي ويخفف من وطأة الالم الذي يسكنني وكثيرا ما خابت مساعييِّ واعود خالي الوفاض الى مسكني في منتصف الليل ومع كلّ هذه المحاولات الخائبة ظللت اقنع نفسي واطمئن سريرتي بان ابنتي بخير طالما زوجتي تعيش معها وتلبي احتياجاتها

وماهي الاّ شهور قليلة حتى اكملت ابنتي دراستها بتفوق ملحوظ ونالت البكالوريوس في علوم الكيمياء بجدارة واصطحبتْ شهادتها معها اعتزازا وفخرا واستقبلتهما أيما استقبال والفرحة تغمرني وتفيض بي بعد ان اكتمل شملنا والتأمت جراحنا وهمست في اذني وهي تعانقني معلنة انها تريد ان تعمل وتساهم في تحسين اوضاعنا المعيشية فقبّلتها وانا سعيد بهذه البذرة التي اينعت بعد عناء طويل

للموضوع صلة



(359181) 1
Thank you
lost
Appologies for not having an Arabic keyboard. I think this story is one of the "lucky" stories of Iraqis who managed to escape Iraq during Saddam's era. I am hoping that there will be a point to your story which I am very much enjoy reading. You may come to the conclusion that whether its Saddam's era or the present "Democratically" elected, non-iranian backed government that things are going back and not forward! It just surprises me that the Iraqi people can not take thier future into thier own hands leaving theie boarders opened to saudi, iranian, islaeli, syrian or whatever plaving harvic in Iraq. All the best dear writer
February 14, 2012 7:18 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز