Arab Times Blogs
د. زهير الخويلدي
zouhair_yasser@yahoo.fr
Blog Contributor since:
23 January 2011

كاتب فلسفي
من تونس

 More articles 


في العقل والعقلانية

"كذب الظن لا إمام سوى العقل  مشيرا في صبحه والمساء"

 أبو العلاء المعري

ميزة الإنسان أنه كائن عاقل وهذه العقلانية تؤهله للسكن في العالم وتنظيم حياته وعلاقاته مع نفسه وغيره ودرء المفاسد وجلب المنافع ولذلك نراه يستعمل عقله في كل كبيرة وصغيرة ويبذل كل ما عنده من جهد من أجل عقلنة وجوده والظفر بفهم معقول للواقع الذي يحيا فيه.وقد يسيء الإنسان استخدام عقله فيوجهه ضد نفسه وضد مبادئه فينتج نوعا من المعقولية المضادة للعقلانية وتصبح عقلانيته من الأمور اللامعقولة ويعلن عجز العقل عن الدخول إلى دوائر عديدة مثل الغيبيات وعالم العاطفة والوجدان واللامنطوق واللامنقال مثل عالم الصمت والسكوت وينتصر إلى الدين والتصوف والحواس والتجربة والغرائز ويكشف عن محدودية العقل في إدراك الكل وفي الوعي بمصادراته وفي عقل نفسه ويضع شغل العقل جنبا إلى جنب مع وسوسة الشيطان وينفر من الحجج العقلية لكونها بالغة التعقيد ومرهقة للنفس ومذهبة للصحة والاعتدال ويصيح: كفانا اختناقا بالعقل فربما غيابه أفضل بكثير من حضوره والحياة ربما تكون سهلة عندما يزهد الناس في استعماله.

في المقابل هناك إشادة بدور العقل في حياة الإنسان نظرا لأنه أساس التكليف ومصدر القيم والمعاني والحقائق وهو قوة تجريد وجوهر بسيط وقدرة تمييز منزه عن المادة من جهة ولكنه مقارن للجسد في الفعل  يتضمن مجموعة من المبادئ والقوانين ويختص في إدراك المعاني  وتصور حقائق الأشياء.

ان المشكلة ليس في العقل في حد ذاته بل في طرق استعماله، إذ هناك الاستعمال اليومي للعقل من أجل مواجهة المشاكل والتغلب على الصعوبات التي يواججها الإنسان في الحياة اليومية وهنا ينحط العقل إلى مرتبة الوسيلة الذرائعية من أجل تحقيق الرغبات وإشباع الحاجات، وهناك استعمال عمومي للعقل ويتمثل في الدور السياسي والحقوقي الذي يلعبه العقل في تنوير الحشود وتثقيف الجمهور وهناك يعجز العقل عن الارتقاء إلى مرتبة الفكر ويظل مجرد ملكة تعنى بالتشريع للشأن العام. أما الاستعمال الثالث فهو الاستعمال النقدي له وهو النظر إليه بوصفه مملكة للغايات الجوهرية للإنسانية جمعاء وهنا يتحول إلى فعل تواصلي وحديقة لتحقيق نعمة الحرية.إن القوة العاقلة هي التي تجعل الإنسان إنسانا عن الحقيقة وتجعله يرتقي من الناحية الأخلاقية عن المرتبة البهائمية من جهة كونه يمنح الكائن البشري درجة الشخص ويؤمن له العديد من الوظائف الابستيمولوجية والأكسيولوجية والأنطولوجية.

يعني العقل ثلاثة أشياء: أولا النظام والرابطة والصلة والملجأ الذي نعتصم به.وثانيا الملكة التي يستخدمها الإنسان من أجل الإدراك والتشريع والتنفيذ على الصعيد العملي.وثالثا هو قانون العالم ومنطق التاريخ ومبدأ الوجود.تعني العقلانية الإقرار بأولوية العقل على التجربة والحواس من جهة وأهميته بالمقارنة مع الدين والأسطورة من جهة ثانية ولذلك يعمل على البحث المتجدد على الإبداع والنقد والتحرر من كل أشكال القصور والتبعية والوصاية والإقدام على التوجه نحو مناطق اللامفكر فيه من أجل سبر عالم المعنى والاغتراف من منابع الحقيقة التي لا تتحجب. "ألم يقل تولستوي:"إن الحقيقة هي أجمل شيء في العالم بأسره"؟إن العقلانية هي أحد سمات الحداثة  وذلك عندما تحول العلم من جهة الصياغة الرياضية والتثبت التجريبي إلى معيار صلوحية القول الفلسفي وعندما ارتبطت المعرفة الحقيقية بالنسق الشامل والنظرة الكلية الموسوعية .

 ربما يكون لايبنتز هو من أسس الحداثة الفلسفية على مبدأ العقلانية عندما أضاف إلى المبادئ المنطقية الثلاثة للعقل :الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع مبدأ رابعا هو العلة الكافية بقوله أن لكل شيء سبب معقول فجعل العقل لوحة تفسيرية للعالم والإنسان سيدا على الكون.يمكن أن نميز في هذا الصدد بين التصور والتفكير والتعقل، التصور هو التخيل وحصول صورة الشيء في العقل وهو إدراك الماهية دون الحكم عليها بالنفي أو بالإثبات، والتصورات هي المعاني العامة المجردة، أما التفكير فهو عمل عقلي عام يشمل التصور والتذكر والتخيل والحكم والتأمل يرتبط بالعودة إلى الذات وبالوجود في العالم وبإقامة علاقة مع الآخر ويقال:"فكر في الأمر تفكيرا أي أعمل العقل فيه ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى المجهول".

 ويقال أيضا:" فكر في المشكل أي أعمل الروية فيه ليصل إلى حل". بقي التعقل وهو وسط بين الإفراط والتفريط وقوة في التمييز وجودة الروية والتعقل في اللغة هو تكلف العقل وفي الاصطلاح هو فعل العقل ويذكر ابن سينا في النجاة ما يلي:" إن تعقل القوة العقلية ليس بالآلة الجسدية...فالواجب الوجود الذي في غاية الجمال والكمال والبهاء والذي يعقل ذاته بتلك الغاية في البهاء والجمال وبتمام التعقل وبتعقل العاقل والمعقول على أنهما واحد بالحقيقة يكون ذاته لذاته أعظم عاشق ومعشوق".كما يمكن أن نميز بين العقلانية والمعقولية والتعقلية، العقلانية Rationalisme مذهب عام واحد ونظرية فلسفية تجعل من العقل أساس كل معرفة ممكنة وتبعا لذلك تعتبره المبدأ الوحيد الذي يحمل في ذاته إمكانية التعرف على الأشياء قبل تدخل التجربة والإدراك الحسي والنصوص الدينية والتصورات المعرفية الشائعة لدى عامة الناس.أما المعقوليةRationalité فهي ما يجعل الشيء والعالم والعقل معقولا وترتبط بالعلوم ولذلك جاءت في صيغة الجمع والكثرة ولذلك نراها تعني جملة المقاييس المنطقية التي توجه في الفكر في حواره مع العالم وتكيفه مع الطبيعة وتجعل منه أمرا معقولا. هكذا يسمى معقولا كل نشاط علمي سواء كان ذهنيا أوى عمليا من حيث ارتباطه واتفاقه مع المبادئ المنطقية والتجريبية التي تتدخل في تكوينه.

 في حين أن التعقلية Raisonnabilité هو مفهوم جديد قديم يعبر عن توجه اتيقي للعقل قريب من مفهوم الفرونيسيس الأرسطي ومفهوم التعقل عند الفارابي وهو أداة تفكير عملي الغاية منه تدبير أمور المدينة وتنظيم شؤون الجمهور في الفضاء العمومي من أجل أن يحيوا في توافق مع الطبيعة.بيد أن المعضلة الكبرى بالنسبة إلى الإنسانية لحظة عصر العولمة وفي مجتمع الفرجة ليس اعتماد العقل وكثرة المعقوليات العلمية القطاعية وغياب نسق فلسفي توحيدي ومعقولية شاملة تضع حلولا نهائية لمعظم الإشكاليات العالقة والتحديات المطروحة وإنما تحول ملكة التعقل لدي الإنسان إلى عقل حسابي وعداد آلي للوسائل السهلة من أجل تحقيق أكبر المنافع وهيمن مبدأ المردود وكوجيتو البضاعة وتفضيل منطق النجاعة على نسق القيم والتشبث بالأوهام واليوطوبيا وإيثارها على اليقين والحقيقة، ومثل هذا الحال يدعونا إلى النقد وذلك بالعودة للتفكير في رسم حدود للعقل ووضع ضوابط إتيقية والتشريع لعقل تواصلي يعتمد آليات الحوار والتفاوض والنقاش العمومي من أجل الوصول إلى درجة مقبولة من الإقناع والتوافق، فبأي معنى تكون العقلانية النقدية التواصلية هي الأفق الإتيقي الذي سيتوجه نحوه الفكر البشري إذا ما حاول استئناف النظر في مسألة الوجود مستقبلا؟  وإذا كانت المعقولية قد عمقت أزمة العقلانية الأداتية وجلبت العدمية والنسبوية فهل تقدر التعقلية الاتيقية على انقاذهما معا من الفوضوية والانحسار والتراجع؟

كاتب فلسفي



(357095) 1
الله اعلم
سرور
اكتب بصوره معقوله يفهمها المثقف العادي وليس الفيلسوف
February 1, 2012 2:03 AM


(357124) 2
اقتراح
عصام
ان تضع امثلة تطبيقية على النظريات الفلسفية .. يعني اسقاطها على ادوات علم الاجتماع اللغة والتراث والسلوك حتى يستطيع القارئ الامساك بطرف الخيط معك.
February 1, 2012 11:48 AM







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز
Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية