Arab Times Blogs
د. ابراهيم حمامي
drhamami@drhamami.net
Blog Contributor since:
18 May 2007

كاتب وطبيب عربي مقيم في بريطانيا

القتل المسكوت عنه

مقدمة

قبل عدة شهور اتصلت بزميل عزيز معزياً بوفاة والدته - رحمها الله - التي وافتها المنية في مدينتها بالضفة الغربية، وكان هذا أول اتصال بيننا رغم المراسلات البريدية السابقة، وفاجأني الزميل بأن الكثير من أبناء منطقتهم في الضفة الغربية سقطوا بذات المرض وفي فترة زمنية بسيطة، ومن خلال تلك المحادثة القصيرة نبهني إلى خطورة ما يجري وتأثيره، واعترف أنه حتى تلك المكالمة لم أكن على علم أو معرفة بتأثيرات هذا الملف الخطير رغم ما رشح من أخبار مختصرة حوله.

قبل أسابيع بدأ اضراب جبان فقد فيه المضربون منذ زمن كل أخلاقيات المهنة، بل فقدوا انسانيتهم وتحولوا لأدوات قتل ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة تلبية لأوامر صدرت إليهم، فطبقوها دون أن يرف لهم جفن، ليتحولوا لقتلة مع سبق الاصرار والترصد، وأعني هنا إضراب من يتسمون بالأطباء، والطب من أمثالهم براء، لتنعكس الآية: من يتقاعس عن أداء واجبهم الأخلاقي والانساني والمهني يصبح مناضلاً يتسلم راتبه، ومن يقوم بواجبه في خدمة المرضى من أبناء شعبه يصبح عميلاً يتوجب قطع رزقه، وهذه هي قاعدة عصابة المنطقة السوداء.

بالأمس قرأت مقالاً للأستاذ فهمي هويدي نشرته صحيفة الأهرام المصرية تحت عنوان " تطهير عرقي مسكوت عنه" تناول  ملف تدمير القرى الفلسطينية في فلسطين التاريخية واستمراريته منذ عام 1948 وحتى اللحظة، في ظل سكوت واهمال وربما تواطؤ من الجانب العربي والذي لا يأتي على ذكر تلك الممارسات، وكانت عبارة "مسكوت عنه" في العنوان خير توصيف للموقف العربي، ومنها أكمل هذا الموضوع حول المسكوت عنه!

بهذه المقدمة أردت أن أركز على حقيقة أن الشعب الفلسطيني منذ سنوات وشهور وأسابيع وأيام يتعرض لعملية قتل مبرمجة لا تقتصر على جزء معين من فلسطين بل تطال كل فلسطيني أينما وجد، وأن الخطر يتهدده في كل لحظة وفي كل مكان في ظل غياب الموقف الواضح في أحسن الأحوال، والتواطؤ والتآمر في أسوأها، وأن اضراب غزة المسيس الجبان ما هو إلا حلقة من حلقات هذا التآمر المفضوح، وموضوع اليوم هو حلقة أخرى تضاف إلى باقي الحلقات، لأتساءل: ترى هل تجرأ عبّاس ومن معه على فتح هذا الموضوع أو الجريمة في لقاءاته المتكررة مع حبيبه أولمرت الذي لا يقوى على فراقه أكثر من أسبوعين ليجتمع به ثانية؟ وهل فٌتح تحقيق بالأمر ينصف المئات ان لم تكن الالاف التي أضحت ضحايا لهذه الجريمة "المسكوت عنها" مع سبق الاصرار والترصد؟

الظاهرة

    * في الخامس من تموز/يوليو من العام 2004 دقت صحيفة أسبوعية فلسطينية، وهي أسبوعية "أخبار النقب" الصادرة في اراضي عام 1948، ناقوس الخطر ونشرت على صفحاتها تقريراً مفاده "أن القرى الواقعة في جنوب جبال الخليل، في الضفة الغربية، شهدت ارتفاعا حادا بالاصابة بحالات من السرطان والتشوهات لم يسبق لها مثيل، مؤكدة أن سببها لا يمكن الا أن يكون سبباً بيئياً"، و"أن الأمر لا يقتصر على جنوب الخليل، بل يتعداه إلى قرى النقب المتاخمة لتلك المناطق، التي تشهد حالات من السرطان والعقم والتشوهات، مما ينذر بخطر كبير"!
    * في ذات الشهر والسنة نشر د.محمود سعادة أول احصائية عن حالات كثيرة وملفتة للنظر في بلدة الظاهرية جنوب الخليل، ود. سعادة هو ممثل اللجنة الدولية لمناهضة الحرب النووية فرع فلسطين عن منطقة جنوب الخليل، وصاحب عيادة في الظاهرية وعلى احتكاك مباشر مع المرضى وطبيعة مرضهم، ويحاجج بالدليل والرقم، ولديه سجل دقيق بتفاصيل الحالات، وفي الاحصائية برزت حالات التشوه الخلقي والعقم والسرطان وأمراض أخرى بشكل ملفت للنظر.
    * في 26/04/2005 أوردت صحيفة القدس أن الطبيب الإسرائيلي ميخائيل شابيرا من مستشفى هداسا، أكد صحة المعلومات الواردة عن انتشار مرض سرطان الدم على نحو غير طبيعي في منطقة جبل الخليل، وبلدة يطا تحديداً ولم يستبعد الطبيب الإسرائيلي أن يكون لذلك علاقة بمخلفات نووية وكيماوية خطيرة يتم دفنها في مناطق تتاخم تلك البلدة دون رقابة، موضحاً أن انتشار سرطان الدم لدى عشرات المواطنين يعني وجود تلوث خطير في مصادر المياه.
    * في شهر آب/أغسطس من هذا العام (2007) عاد د. محمود سعادة ونشر تقريراً تفصيلياً حول الظاهرة وانتشارها وخطرها.
    * وفي شهر آب/أغسطس أيضاً ذكر تقرير رسمي صادر عن الهيئة العامة للاستعلامات في السلطة الوطنية الفلسطينية، أن إسرائيل تقوم بدفن آلاف الأطنان من نفايات المدن والمستوطنات بما فيها النفايات الصادرة عن المفاعلات النووية داخل أراضي الضفة الغربية منذ سنوات، وبين التقرير الذي قدم إلى مكتب الأمم المتحدة في عمان أخيرا أن الإجراء الإسرائيلي يتعارض مع القوانين والمواثيق الدولية، لاسيما أن مثل هذه النفايات تسبب الأمراض المميتة لسكان الأراضي الفلسطينية، وخاصة الأمراض السرطانية.

البدايات

يقول د.سعادة أن هذه الظاهرة بدأت بالظهور بعد عام 1986، ولم يكن انتشار الأمراض السرطانية موجودا عقب احتلال عام 1967 وحتى ذلك العام، حيث أن مواطن واحد فقط توفي بسبب سرطان الشفة في أعوام الستينيات، بينما توفي موطن آخر في أواخر السبعينات بسرطان الخصية في بلدة الظاهرية وحدها.

وبعد عام 1986 بدأ السكان يلاحظون انتشار أمراض غريبة عن المنطقة دون معرفة سببها، وعندما كشف "مردخاي فعنونو" الخبير النووي عام 1989 عن إشعاعات تتسرب من مفاعل ديمونا جنوب فلسطين المحتلة، "بدأنا بالربط بين هذه الإشعاعات وبين ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان والأمراض الأخرى في منطقة جنوب الخليل، لأن الظاهرية تبعد عن مدينة ديمونا 25 كيلو متر، وظهر عندنا بشكل كبير أورام الدماغ والرحم والمبايض والكلي والكبد والمخيخ ولكن سجلت حالات سرطان الدم " اللوكيميا" أعداد أكبر".

وقال الدكتور سعادة أيضاً أنه قام بأخذ عينة من منطقة جنوب الظاهرية بطول 15 كم وعرض 10 كم، على عينة بلغ مقدارها 35 ألف نسمة، وعند دراستها ظهر أكثر 200 حالة إصابة بالسرطان المتنوعة، عدا عن الأمراض الأخرى، إلى جانب عدد كبير من الحالات التي أصيبت بالعقم التام، حيث رصدت الدراسة في عائلة واحدة إصابة أربعة ذكور بالعقم التام حيث بلغ عدد الحيوانات المنوية عندهم صفر. وكذلك ظهرت مشكلة انتشار الإجهاض المتكرر، وكان أبرزها حالة إجهاض 8 نساء في حي واحد في يوم واحد، إلى جانب إجهاض امرأة واحدة تكرر ثماني مرات وأخرى خمس مرات. وذلك حسب تقرير صادر عن مستشفى سوروكا في بئر السبع.

وبرزت أيضا مئات الحالات التي عانت من التشوهات الخلقية منذ الولادة، وخاصة في تركيب الجسم والوجه والأطراف. وقد واجه الباحثون في هذه الظاهرة مشكلة عدم تجرؤ العائلات على الكشف عن حالات التشوه لأسباب العادات والتقاليد والخوف من نظرة المجتمع.

وسجل د.سعادة حالة لإحدى العائلات في قرية غرب الظاهرية رصت فيها ستة حالات تشوه بين أبنائها فوق الخمسة عشر عاما.

الأسباب

كما أوضح د. سعادة فإن الأسباب باتت واضحة وهي تسرب اشعاعي من مفاعل ديمونة في النقب، يضاف إليها النفايات والسموم التي تدفن سراً في مواقع مختلفة من الضفة الغربية وبقرب المدن والتجمعات الفلسطينية:

النفايات الخطرة:

يشرح د. يوسف كامل إبراهيم أستاذ الجغرافيا في جامعة الأقصى في مقال له حول الموضوع مكونات وخطورة النفايات الخطرة ويقول:

النفايات المهربة من حيث طبيعتها ومكوناتها عبارة عن مزيج متنوع من الخشب والحديد والدهانات والأقمشة وبطاريات السيارات والألمنيوم وغيرها. فهي تشتمل إذن على نفايات تصنف على أنها خطرة كبقايا الدهانات والبطاريات، هذا إلى جانب ما تخلِّفه المصانع الصهيونية المقامة في المستوطنات، أو على حدود الخط الأخضر، من نفايات صناعية تشتمل على نفايات خطرة، علماً بأن غالبية هذه الصناعات محظورة داخل الكيان الصهيوني نظراً لمخاطرها على البيئة والصحة العامة. ومن هذه الصناعات (الصناعات الكيميائية، والمبيدات الزراعية، والمنظفات الكيميائية، وصناعة الألمنيوم، والجلود، والبطاريات، والإسمنت، والبلاستيك، والصناعات الغذائية، والصوف الزجاجي، والكحول، والخزف، والرخام..، وغيرها). وتشتمل نفايات هذه المصانع على نفايات خطرة مثل: المعادن الثقيلة السامة؛ كالألمنيوم والكروم والرصاص والزنك والنيكل والأحماض والمعادن، والتي غالباً ما تلقى في المياه العادمة الناتجة عن المستوطنات التي تُصَرّف في الأراضي الفلسطينية المجاورة مسببةً تلوثها. كما تشتمل النفايات الخطرة على نفايات صناعية مثل: النفايات الكيميائية السامة؛ من رصاص، وزنك، ونيكل..، وغيرها، ونفايات طبية، ونفايات مشعة.

 وقد استُخدمت الأراضي الفلسطينية طوال سنوات الاحتلال مكاناً لدفن النفايات الخطرة من خلال عمليات تهريب منظمة؛ فقد تم رصد ما لا يقل عن 50 موقعاً في الأراضي الفلسطينية للتخلص من النفايات الصهيونية (بما فيها نفايات المستوطنات) ومن أمثلة ذلك:

   1. في عام 1987م قام الكيان الصهيوني بدفن نفايات صلبة في مكب قرية عزون قرب قلقيلية.
   2. اكتشاف كميات كبيرة من النفايات الخطرة السامة من بقايا المواد الكيميائية بالقرب من قرى عزون وجيوس وتل صوفين قرب قلقيلية.
   3. في مارس عام 1999م تم اكتشاف 250 برميلاً تحتوي على نفايات سامة مجهولة مهربة من الكيان الصهيوني إلى قرية أم التوت في جنين.
   4. إنشاء مكب للنفايات الصلبة بالقرب من مستوطنة يافيت في غور الأردن، بعد نقله من منطقة العفولة داخل إسرائيل.

ووصلت الأمور إلى حد الشروع في إقامة مكبات للنفـايات الصهيـونية فـي الأراضـي الفلسطينية؛ كما فـي محـاولة إقـامة مكـب النـفايات بمـوقع (كسّارات أبو شوشة) قُرْب دير شرف شمال غرب نابلس خلال العام قبل الماضي (نيسان 2005م.(

كما لوحظ أن العدو الصهيوني يقوم بكبِّ النفايات الخطرة بالقرب من الأراضي الزراعية وحقول الزيتون؛ كما حصل في أراضي قرية كفر جمال وأراضي قرية جيوس، وقُدِّرت مساحة الأراضي التي تدفن فيها النفايات بأربع دُونُمات، وقد لوحظ أن هذه المنطقة تتميز بأنها أراضٍ تحيط بها أراضٍ زراعية، خاصة حقول الزيتون. كما وُجدت نفايات خطرة عند تلة في قرية فلامية تطل على القرية من جهة وعلى مستوطنة (كوخاف يائير) من الجهة الثانية وبمساحة قُدِّرت بست دُونُمات. وقد لوحظ خطورة هذه المكبات من خلال ما يلي:

   1. أن هذه المكبات تقع على مقربة من أراضٍ زراعية تكثر بها البيوت البلاستيكية وأشجار الزيتون والحمضيات والجوافة.
   2. أن هذه المكبات تقع بالقرب من آبار المياه الأرتوازية.

إضافة لما ذكره د. يوسف فقد تم رصد العديد من الحالات الأخرى والمشابهة، حيث كشفت مصادر صحية وبيئية فلسطينية العام الماضي (19/07/2006)، أن المنطقة الصناعية الاسرائيلية، والمسماة مصانع "بركان"، في محافظة سلفيت، مستمرة في تلويث البيئة، وتزيد من عدد الإصابة بالأمراض الخطيرة بين المواطنين الفلسطينيين، حيث تطلق المصانع التابعة لها الغازات السامة في هواء وسماء المحافظة، مما تسبب في تلويث الهواء، وذلك في المنطقة الغربية من المحافظة، والتي تشمل بلدات بروقين وكفر الديك ومسحة ودير بلوط والزاوية وحارس وكفل حارس، مما تسبب في ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان خاصة بلدة دير بلوط والقرى المحيطة والمجاورة لتلك المصانع، وواصلت تلك المصانع سكب مجاريها ومخلفاتها السامة في وديان المحافظة خاصة في واد بلدة بروقين غرب سلفيت.

التسريبات والمخلفات النووية:

رغم النفي المتكرر لسلطات الاحتلال لوجود أي تسريبات اشعاعية من مفاعل ديمونة النووي، إلا أن الدلائل تؤكد وجود هذه التسريبات حتى من مصادر الاحتلال نفسه، ومن خلال رصد الحالات والنتائج وتصرفات الاحتلال ومنها:

    * التهديد الخطير الذي يشكله مفاعل ديمونا اضطر حكومة الاحتلال إلى اتخاذ قرار بتوزيع حبوب مضادة للمواد المشعة على سكان البلدات اليهودية المجاورة للمفاعل، كما أنّ الجهاز الأمني للإحتلال صَادَقَ على توزيع هذه الحبوب لسكان هذه البلدات، غير أن القرار الأخير بهذا الشأن تُرِكَ لإقراره من قبل الحكومة. وقد سبق لهذا الجهاز أن قرر توزيع حبوب (اليود) التي يفترض بها أن تمنع تسرب المواد المسببة للسرطان إلى الجسم، لكنه تقرر في النهاية الإبقاء على هذه الحبوب في المخازن. لكن المسؤولين في الجهاز الأمني عادوا وقرروا مؤخراً، وبعد سلسلة من المداولات التي امتدت لأكثر من عامين، تقديمَ حبوب اليود المسماة (لوجول)، لسكان يروحام وديمونة (المجاورتين للمفاعل النووي) وكذلك لسكان يفنة (المجاورة للمركز النووي في ناحل شوريك)، تحسباً لأي طاريء.
    * أحد مواطني بلدة يطا جنوب الخليل أكد في تقرير نشر في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2006 أنه: "في منطقة عرعرة ومنطقة الليقية ومنطقة السبع يأخذوا أقراص أسمها"اللوغول"مضاده للاشعاعات النووية,وأكد أن كافة المسؤولين يخافون التحدث وذلك خوفا من ملاحقة اسرائيل لهم حيث تسائل قائلا"من ماذا يخافوا لا أعرف؟حتى أن بلدية يطا تخاف!!"
    * الناطق الاعلامي بأسم مجلس محلي عرعرة في بير السبع سابقا صقر أبو صعلوك مدير عام وكالة نبأ للاعلام أكد ما ذكره المواطن وقال "تم توزيع اللوغول على سكان عرعره في النقب وضواحيها بعد ان تنكرت بداية اسرائيل للعرب ووزعتها فقط في ديمونا ويرحم حيث اخبر السكان انه في حالة تسرب اشعاعي واعلان ذلك في وسائل الاعلام على كل مواطن التهام حبة لمنع دخول الاشعاعات داخل الجسم.
    * المكتب الاقليمي لبرنامج الامم المتحدة للبيئة حذر عام 2004من خطورة الاشعاعات النووية الصادرة عن مفاعل ديمونا الاسرائيلي الموجود في صحراء النقب حيث جاء في المذكرة المعممة على الدول العربية ان الدراسات والابحاث التي اجرتها مراكز الرصد المتخصصة اكدت وجود تسرب اشعاعي نووي من مفاعل ديمونا النووي اثر تعرض المفاعل لمشكلات واعطال فنية مؤخرا بسبب انتهاء فترة العمر الافتراضي للمفاعل النووي الذي اقيم عام1964 بدعم وتمويل من فرنسا.
    * الدكتور سمير الكايد الخبير الأردني في شؤون أمراض السرطان، أكّد في تصريحات صحفية في شهر يونيو/حزيران من العام 2005 أنّ مفاعل ديمونا يهدّد المنطقة العربية بالدمار ويشكّل قنبلة موقوتة، محذّراً من احتمالات وقوع انفجار فيه في أيّ وقت، الأمر الذي يشكّل خطراً داهماً على المنطقة العربية بصورة كاملة.
    * يقوم مفاعل ناحال سوريك بدفن نفاياته النووية بالقرب من قرية صوريف غربي مدينة الخليل الأمر الذي أدى إلى تلويث المياه الجوفية في المنطقة. وبرغم النفي الرسمي المتكرر فإن التجمعات اليهودية رفضت دفن هذه النفايات بالقرب منها وقامت بمظاهرات واحتجاجات ورفع قضايا ضد الحكومة خشية على أرواحهم، ومن هذه التجمعات بلدة بيت شيمش القريبة من مفاعل (ناحال سوريك) وبلدة (عومر) و(عراد) القريبة من مفاعل ديمونا، وقد أصدرت المحكمة العليا "الإسرائيلية" قراراً بعدم دفن هذه النفايات بالقرب من التجمعات اليهودية.
    * الباحث "الاسرائيلي" افنر فينغوش من جامعة بن غوريون قد أكد من خلال بحث نشر في "اسرائيل" أن النشاط الاشعاعي ناجم عن وجود مواد مشعة مثل اليورانيوم و غاز الرادون واكد انها ظاهرة تشمل الاردن وشبه جزيرة سيناء وقال" وجدنا كثافة أكثر بعشر مرات من المعدلات الطبيعية في طبقات المياه الجوفية من الراديوم.
    * الخبير النووي موردخاي فعنونو كان قد دعا الاردن الى اجراء فحوص طبية لسكانه المقيمين في المناطق القريبة من الحدود مع اسرائيل لمعرفة مدى تأثرهم بالاشعاعات وتوزيع الادوية الضرورية لهم,كما فعلت اسرايل مع سكانها المقيمين قرب مفاعل ديمونة حيث وزعت اقراصا وقائية من الاشعاع النووي سميت ب"اللوغول".
    * الدكتور سفيان التل المستشار الدولي الاردني في شؤون البيئة الاردنية بدوره قال "ان مفاعل ديمونا انتج اربعة ملايين طن من النفايات دفن منها48% بصورة رسمية و52% بصورة غير رسمية.
    * تم رصد مدافن نووية في منطقة تسمى " اللويبدة"، وأكد السكان وجود نشاطات لسلطات الاحتلال حيث شكلت المنطقة لفترة معينة هبوط يومي لطائرات إسرائيلية ووصول شاحنات عسكرية، دون السماح لأي من السكان بالاقتراب من المنطقة. وتم رصد مدفن للمخلفات السامة أيضا قرب السموع وآخر في وادي الصرار ببلدة بني نعيم، وكل ذلك في جنوب الخليل، وكذلك في مناطق متفرقة بالضفة الغربية، ومنها منطقة واد دان غربي حوارة ( جنوب نابلس) وتعد هذه المخلفات ذات تأثيرات خطيرة حيث أنها وضعت في حوض مائي يحوي مياه جوفية، الأمر الذي يزيد من نسبة الأضرار حيث تنتشر المواد السامة في المياه المخصصة للشرب، إلى جانب الكشف عن مدافن في منطقة الحمرا بالأغوار ومناطق غرب مدينة نابلس في قرة دير شرف وقوصين، وفي شرق قلقيلية خاصة في بلدة عزون.
    * د. سعادة أكد إلى أن النشاطات النووية في منطقة جنوب فلسطين مستمرة، وكان آخرها في 14 آب/أغسطس 2007 حيث حصل انفجار في مستعمرة " كوحاف حورات" نتيجة مزج مواد غير قابلة للخلط، وتسببت في انتشار غيمة من الدخان على مساحة أكثر من كيلو متر بالقرب من قرية بدوية، وقامت السلطات الإسرائيلية بترحيل المستوطنين اليهود نتيجة تسرب إشعاعات خطيرة على الحياة، وهو ليس الانفجار الأول من نوعه.

حجم المأساة

أمثلة كثيرة لا حصر لها تبرز حجم المأساة وانتشارها وتأثيرها على المجتمع الفلسطيني، وكما أسلفنا الذكر فإن الوحيد الذي رصد وسجل هذه المأساة هو د. محمود سعادة حيث ذكر في تقريره هذا العام:

"لم نكن نشهد حتى الماضي القريب الحالات المتكررة من تساقط الشعر ومرار الفم وجفافه وكثرة حالات عدم الإنجاب (العقم) والتخلف العقلي والإعاقات الجسدية وعدم النمو الطبيعي إلى جانب آلام المعدة والصداع المستمر، وظاهرة الإرهاق والشعور بالتعب المزمن".

وفي الفترة ما بعد عام 1986 ظهرت حالات الإجهاض المتكررة وأنواع متعدد من السرطانات (الدم وهو أكثرها انتشارا، العظام، الدماغ، الكبد، البنكرياس، الثدي، الرحم، العيون وغيرها)، كما برز شلل الأعصاب والعضلات ونقص الحديد في الهيموجلوبين في الدم، عدا عن أمراض القلب والسكري التي ازدادت بشكل ملحوظ نتيجة الضغط النفسي.

وحسب د. سعادة، فقد ظهر من بين 1069 فحص مخبري لجرثومة "الهيليكوباكتر" التي تصيب المعدة، أن 929 شخصا في المنطقة يعانون من آلامها مقابل 140 منهم لم يصابوا بها.

وبحسب التقرير فإن لجنة طبية تم تشكيلها في أواسط الثمانينات، كشفت عن ازدياد حالات الإصابة بالسرطان في جنوب الخليل، حيث سجلت 18 حالة وفاة بالسرطان في مدينة يطا خلال شهر واحد عام 2005، في حين سجل 12 حالة إصابة بسرطان الدم وحده في مدينة الظاهرية في الفترة الواقعة بين الظاهرية(14/12/2004 إلى 01/6/2005).

وفي عام 2006 قال د.سعادة: "لا يوجد معدل طبيعي للسرطان مثل مقياس ريختر؟ وأكد ان هنالك حالات اصابات بالسرطان غير موثقة لدى وزارة الصحة من خلال سفر المصابين للأردن حتى أن بعض التقديرات والتي نسبت لمستشفى الحسين في الاردن قالت ان عددالمراجعين سنويا ما يقارب 500 مصاب بالسرطان من الضفة، وقال "لدي عائلات بكاملها لديها عقم واحيانا يصل عدد المصابون بالعقم 7اشخاص في العائلة الواحدة نتيجه هذا الاشعاع. واشار ان هناك أكثر من 6حالات اجهاض مرت عليه وذكر اكثر من امرأه أجهضت خلال فترة شهور من6-4 مرات واكد ان هناك اكثر من 100 حالة سرطان و40 حالة عقم و13 حالة اجهاض واكثر منح 115 حالة تشوه واضاف أمثلة لأنواع سرطانات غريبة الشكل والنادرة والواجبة البحث والتمحيص، وأضاف هناك طفل ولد نصف وجهه أحمر، وتم اكتشاف سرطان الثدي لدى عجوز، وهناك أطفال يولدون دون أيدي ومنهم من يولد بتشوه في وجهه أو جسمه، عدا أن الرجال في جنوب الخليل يعانون من تساقط الشعر بشكل كبير".

حجم المأساة يطال تقريباً كل الضفة الغربية خاصة محافظات الخليل وسلفيت ونابلس، وبلدات وقرى النقب العربية، وما ذكر من أمثلة هنا هو فقط للتعريق بالمأساة لا لحصرها.

موقف السلطة الرسمي

لم تكتف السلطة الفلسطينية وكعادتها بدفن رأسها في التراب كما تقعل مع كل ممارسات الاحتلال، بل وقفت مدافعاً عن الاحتلال، الشريك الجديد، رغم كل الأدلة والقرائن، ورفضت حتى اللحظة فتح تحقيق بالموضوع، وحاولت ايجاد مبررات واهية وانكار الماساة وكأنها غير موجودة، وهنا نرصد هذه المواقف المخزية و(التي أعلنت في حينها وتاريخها):

    * د. نبيل السيد مدير صحة محافظ الخليل قلل من أهمية حالات المرض هذه رافضا اعتبارها ظاهرة! حيث قال "بالنسبة لعدد حالات السرطان في محافظة الخليل فهي أقل من المعدل الطبيعي اذ أن معدل مرض السرطان في فلسطيني هو 68 مصاب لكل مئة الف, والخليل نستطيع ان نقول أنها أقل من غيرها وهي في المرتبة الرابعة بعد بيت لحم ونابلس ورام الله حيث تبلغ النسبة لكل مئة الف62 مصاب".ثم ما أشيع حول أن المصابون بالالاف هذا غير صحيح فالاحصائيات الدقيقة هي أنه في السموع 17 حالة اصابةوفي الظاهرية 42 حالة أما في يطا 76 اصابة وكل تلك الاصابات هي ضمن المعدل الطبيعي"، وأضاف قائلا "ثم أنه لا يمكن أن تكون هناك حالات اصابة غير مسجلة لدى وزارة الصحة اذ لا يمكن للمرضى الا ان يمروا على الصحة لحاجتهم الى التحويلات داخليا أو خارجيا".
    * رئيس بلدية يطا المهندس سامي شنيور نفى بدوره أحاديث أشارت إلى أن نسبة العقم بلغت نحو 60 %، واعتبرها عارية من الصحة وغير سليمة وليست مبنية على أسس علمية، مؤكداً في الوقت نفسه على تصريحات مدير صحة الخليل الدكتور نبيل السيد ودراسات الصحة التي تؤكد أن هناك تضخيماً في النسب والأعداد. وقال: هذا الأمر حسّاس للغاية، وقد أدى في بعض الأحيان إلى إثارة البلبلة والحرج والمشاكل بين العائلات!.
    * بدوره أكد مدير الطاقة النووية والوقاية الاشعاعية في سلطة الطاقة والموارد الطبيعية السيد أحمد أبو صبحة عدم وجود مستويات اشعاعية أعلى من المعايير الدولية حيث قال "تم الفحص من خلال مختبرات وزارة الطاقة وتمت بعض الفحوص للجرعات الهوائية في الهواء من خلال الاجهزة الخاصة المحمولة وتبين أنه لا يوجد لدينا مستويات اشعاعية أعلى من المعدلات الطبيعية وقد سمعنا عن مواقع دفن نفايات مشعة فتوجهنا لهذه المواقع ولم نستطع أن نكشف أي وجود للنفايات المشعة".
    * رداً على ما سبق قال د. محمود سعادة: " للأسف يوجد في اللجنة اناس لا يعرفون العمل على الاجهزة التي يحملونها!!"
    * وفي رد آخر قال الدكتور خليل ذباينة الحامل لشهادة الدكتوراه في الفيزياء النووية والتلوث الاشعاعي "الاجهزة المستخدمة من قبل سلطة الطاقة قديمة ولا يمكن التحسس بها حتى وان وضعناها في منطقة ملوثة اشعاعيا وقد قمنا بدراسات على الغطاء النباتي في جنوب الخليل وأخذنا عينات من التربة وارسلناها للفحص في مصر فتبين أن هنالك مناطق جنوب الظاهرية وجنوب يطا وجنوب السموع نسبة الاشعاع بها عالية نسبيا حتى ان بعض النسب فوق المعدل الطبيعي بعدة أضعاف"وقال أيضا" يوجد جهاز لدينا حصلنا عليه بدعم من البنك الدولي وهو من احدث الاجهزة التي تقاس بها الاشعاعات الطبيعية وما يؤخر عملنا به ان الجهاز بحاجة الى غاز النيتروجين للتبريد لان سعر العبوة يصل الى 300 شيقل في الاسبوع وحال حل هذه المشكلة سنكون مستعدين لأعطاء من يريد خريطة اشعاعية عن المنطقة بعدشهرين"وأكد أن اللجنة المشكلة لفحص الاسباب التي أدت لزيادة هذه الاعداد من المصابين بالسرطان انحصرت دراساتها في معرفة اعداد المصابين ولم يكن هنالك مسح شامل وبناءا عليه فقد خلى تقرير اللجنة من دراسات علمية".

    * وهنالك من كان قد علل أسباب هذه الزيادة بانتشار ابراج البث للشركة الفلسطينية جوال في محاولة مكشوفة لتبرئة الاحتلال، ونظرا لكثرة الحديث عن موضوع الاشعاع وتأثيره على الصحة العامة وازدياد القلق من انتشار الابراج على اختلاف أهدافها قال مدير دائرة الاشعاع البيئي في سلطة البيئة الدكتور عدنان جودة "موضوع الاشعاع وتأثيره الصحي على الانسان العلم حتى الان لم يتوصل لنتيجة نهائية بخصوصه بالتالي نضع شروط احترازية منها عدم وضع الابراج في مدارس ورياض أطفال قريبة من البرج. وأشار الى وجود اليه واضحة للتعامل مع شركة جوال واصدار شهادات بيئية وقال" نحن نتعامل حاليا مع الابراج قيد الانشاء اما القائمة سنتابعها هي ومحطات التلفزة والاذاعات.وقال" صراحة لا يوجد لدينا اجهزة قياس وحاليا نقوم بحسابات نظرية اتصلنا بالوكالة الدولية للطاقة الذرية واعطيناهم خيارين اما ان يزودونا باجهزة أو يرسلوا فريق للقياس وقد طالبنا شركة جوال احضار جهاز قياس لفحص الاشعاعات الناجمة عن الابراج!!؟؟
    * رئيس الادارة التقنية في شوكة جوال المهندس عوني الزبدة علّق على الاتهامات بأن لأبراج جوال علاقة بانتشار المرض قائلاً " على سلطة جودة البيئة أن تفحص بالاجهزة الموجودة هل القوة المتفق عليها والطريقة التي ركبت فيها شركة جوال ملتزمة فيها أم لا ؟ واضاف قائلا "حتى عند الاستيراد تقوم "اسرائيل" بفحص هذه الاجهزة وهل هي مناسبة ومطابقة للمواصفات العالمية والتي تؤكد بالضرورة انها لا تشكل أي ضرر لا للانسان ولا للبيئة مطلقا، ثم انه لا يوجد أي نص أقرته سلطة البيئة أو وزارة الاتصالات يمنعنا من البناء في رياض الاطفال أو فوق أسطح المستشفيات مستشهدا بأكثر من 10 موافقات تمت لانشاء أبراج فوق اسطح المستشفيات وقد تم الانشاء فعلا، وأضاف المهندس الزبدة " ثم انه لا يوجد نص واضح يلزم بان يكون هناك ابتعاد عن هذه الاماكن، وان سلطة جودة البيئة غلبتنا كثيرا بالشروط التي تضعها فهي أكثر من الشروط الموضوعة في بلد مثل السويد وأكد أن الضرر الناتج عن أبراج جوال أقل بعشرات المرات من تأثير أبراج الضغط العالي!.
    * يناقض موقف السلطة تقرير هيئتها العامة للاستعلامات الذي صدر في شهر آب/أغسطس 2007 وأكد أن "إسرائيل" تقوم بدفن آلاف الأطنان من نفايات المدن والمستوطنات بما فيها النفايات الصادرة عن المفاعلات النووية داخل أراضي الضفة الغربية منذ سنوات، وبين التقرير الذي قدم إلى مكتب الأمم المتحدة في عمان أخيرا أن الإجراء "الإسرائيلي" يتعارض مع القوانين والمواثيق الدولية، لاسيما أن مثل هذه النفايات تسبب الأمراض المميتة لسكان الأراضي الفلسطينية، وخاصة الأمراض السرطانية.
    * وناشد التقرير الأمم المتحدة ضرورة التدخل لوقف الإجراء الإسرائيلي نظرا لخطورته على الحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية والمياه في الأراضي الفلسطينية.
    * عدا عن محاولات اعفاء المحتل من جرائمه والتستر عليه فإن مستشفى بيت جالا الذي يستقبل معظم حالات السرطان يعاني من نقص 18 نوع علاج كيماوي وعدة أجهزة خاصة بمعالجة أمراض السرطان غير موجودة!

والمطلوب؟

إن عملية القتل البطيء والمبرمج لأبناء شعبنا في الضفة الغربية على يد الاحتلال وبتواطؤ أدواته، وكذلك القتل العمد لأبناء شعبنا في قطاع غزة عبر إضراب الأطباء بأوامر مباشرة من عصابة المنطقة السوداء في رام الله، يثبت حجم ما يحاك خلسة في الاجتماعات السرية والعلنية ضد هذا الشعب، ويؤكد ما تعلنه تقارير الاحتلال مرة بعد مرة أن الخطر الفلسطيني الحقيقي على الكيان هو الخطر السكاني (الديموغرافي)، مما يستوجب التهجير من جديد (ترانسفير)، وتبادل أراض في اتفاقات مع رموز السلطة الباصمة سلفاً تشمل تبادل المغتصبات مع منطقة المثلث، وكذلك قتل هذا الشعب بشكل مباشر كما في الضفة أو غير مباشر كما في القطاع، مع محاولات مستمرة لخفض نسبة التوالد من خلال العقم المقصود.

إن فضح وكشف هذه الممارسات والجرائم، وهذا التآمر والتواطؤ هو واجب جماعي وفردي، يبدأ من نشر التقارير، ودعم المجهودات الجبارة كالتي قام بها د. سعادة، ورصد وتوثيق الحالات.

كما أنه من المطلوب تحريك المؤسسات والجهات الدولية والرسمية، للقيام بواجبها القانوني والأخلاقي في وقف هذه الجريمة وحماية شعبنا من الموت والقتل البطيء والمبرمج، خاصة في ظل تغاضي وتبرير ودفاع حكام المنطقة السوداء عن المحتل وجرائمه، بل ومشاركته فيها.

إنها أمانة نحملها جميعاً دون استثناء، ورسالة علينا أن نؤديها، ووجه من أوجه المقاومة لا يقل أبداً عن المواجهة في الميدان، فهل نحن لها؟


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز