Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

رسالة إلى عاشقة الخريف

مازال المطر يواصل انهماره خلف شباكي, إنها السادسة صباحا عشية الثلث الأخير من شهر ديسمبر. كيف مر كل ذاك الوقت؟؟  أشعر كأننا بالأمس التقينا واجتمعنا وأنجبنا أطفالنا كلهم دفعة واحدة. ثم فجأة راح ذلك الأمس يمتد على عتبات العمر مثل قصف البرق ودوي الرعد. كانت نظرات النسوة وقد تحلّقن حولك مسكونة بالخيبة حين خذلت التراث وأضعت جهودا بذلنها لترويض حبك لي.

قلت لرجل الدين الذي سألك سؤاله التقليدي بصوت هادئ حازم: نعم أريد, أريده ولا أريد سواه حبيبا وزوجا وأبا لأولاد أنجبهم منه لا من أحد آخر. تكسّرَتْ صفحاتُ الوجوه الحريصة. كان أحرى بك أن تصمتي حتى تتدخل خالتك فتقول: يا مولانا لقد ذهبت إلى العين لتملأ الجرار, أو أن تضيف أمك: إنها عند الخياطة تقيس ثوب العرس....

كان على رجل الدين أن يشقى مرة بعد مرة حتى يكمل دورة سؤاله الثالثة.. ولكنك فاجأت الجميع ولم تأبهي بالعقل الاجتماعي الذي سيدينك بأنك مستقتلة للزواج بي. ثم ماذا يعني أن تكوني مستقتلة ؟؟  لماذا لا يقال: أنه وضوح في الرؤية وقدرة هائلة على اتخاذ القرارات الشجاعة الحاسمة؟؟

لم يعتريك الشك في خيارك من قبل وأنت خالية الوفاض من البيانات الواضحة والوقائع الصلبة, فكيف يعتريك الآن وقد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاقتران بمن أحببته في الخريف وكتبت له رسائلك - التي لم يقرأها - في الخريف.. وجلست لأجله على أدراج بيروت العتيقة تناجين طيفه وتبتهلين إلى الله لكي يلهمه نعمة البصر فيراك ويتنبه إليك وقد مكثت بصبر وشوق على عتبات انتظاره  الطويل مثل زهرة غاردينيا فوق درج صخري بين أوراق سبتمبر الحزينة.

كان قلبك الرائع الحنون أكبر من جنوني. لم أعرف كيف أتعامل مع هذا الكم الكبير من عواطف القلب دون أن أدين له. لم أعرف كيف أستهلك هذا الكم من المشاعر دون أن أختنق به.كان إيمانك بي يدفعني إلى التوتر والعدوانية, خلت لوهلة أنك موقنة بأني قادر- تقريبا – على كل شيء, وأنك متأكدة رغم عتو الموج وزوابع الحياة بأن ذلك لن يمنعني من المسير على صفحات الماء. لا بل راح توتري وقلقي يتحول شيئا فشيئا الى نوع من الذعر حينما دفعك الشغف إلى حشري في إطار من المعصومية السامية.  فالمعصومون وحدهم – يا عزيزتي- يدخلون ملكوت السماء ولكن بعد أن تشوى  لحومهم وتقدم في موائد الأرض.

كنت للتو قد غادرت منفاي الاختياري في ألمانيا معتصما بالجداول والمكتبات بعيدا عن الحذاقة اللبنانية. أعترف الآن أنني – في معركة الباركنسون- خسرت حروبي كلها.  هزمتني فينيقيا  شر هزيمة وفرضت عليّ نواميسها المذلة وأحكامها القاسية فتركت خلفي في فرايبورغ هرمان هسه  وعدت الى بيت الطاعة في بيروت.  صار لحمي عصيا على النار. بدأت أتأنسن وأتقبل على مضض مساري الجديد كمن أصابته إعاقة دائمة وصار لا بد له ولا مناص من التعايش مع حالته الجديدة.  رحت أتغنّى  - بما يشبه الانتقام من الذات -  بأسطوانة مشروخة حول قواعد الإثبات واقتصاد السوق وصولا الى حتميات التاريخ  وقانون العرض والطلب. 

لكنك لم تشعرِ بهول الفجيعة وقد نكست راياتي وأصبحت فارسا بلا يدين. كان أولى بك أن تطلقي النار على قصائدي وأن تضعي – بقسوة كاملة- حدا سريعا لمأساتي, غير أنك تباطأت عن ذلك. رحت تواصلين تعذيبي وحبسي في زنزانة الإطار الجميل أيقونة ملائكية سماوية, لوحة لم ينقصها سوى إكليل من نور فوق الرأس لكي أبدو قديسا على جدار كنيسة. 

بدأ ذعري من مشهدي الآسر الأسير  يؤلمني وراحت مثاليتي في سجني الجديد تذبحني. وحين حل المساء ورفع المؤمنون صلواتهم  وآبوا الى بيوتهم ومنازلهم ترجّلتُ خلسة من اللوحة , أطفئت شموع القداسة, فتحت باب الكنيسة وخرجت إلى الحياة.كنت أفضّل أن لا تتوقعي مني شيئا. فالتوقعات الكبرى هي أقصر الدروب إلى خيبة الآمال.

لم ينصفني دهري مثلما لم ينصف غيري من أصحاب النوايا الطيبة الذين لم يفلحوا في تحقيق أحلام المريدين ولا في إبعاد كؤوس الغصص عن شفاه المحبين. لم أستطع أن أكون – أو أبقى- مخلصا للصورة التي رسمتها لي وللفكرة التي شكّلتها عني.كان عليّ أن أثور وأعلن رفضي لكل القوالب الجاهزة الصمّاء التي وضعتني فيها أقداري منذ خلق الله العالم. كان علي أن أتفلّت من نير الحبال التي راحت تكبّل حريتي وتخنق صوتي. كان علي ن أفعل شيئا يشعرني أني حر فيما أفعل وفيما أترك وفيما أحب وفيما أكره, فيما أشتهي وفيما أرغب بعيدا عن سيرتي وصورتي.

إلتئمت بعض جروحي أخيرا ولكن بعدما سببت لقلبك الحنون الجميل سيلا من جروح وآلام. صار العقد الفاصل بين عمرينا يشبه طعنة السيف في كبد الدهر.  صرنا مثل الخضر وموسى نعيش في زمنين متوازيين. الأول يعتصم بالصبر والثاني لا يستطيع صبرا. أنت امرأة عجولة سؤومة تتلظى فضولا وتضج إلحاحا, تقيم في الزمن المستأنف وترى الأشياء  بلهفة في طورها الأول وقبل مآلها الأخير, وأنا رجل في الزمن المفروغ  ساكن مثل جبل الثلج لا يفاجئني خطب ولا يدهشني أمر, أدرك الخواتيم قبل أن يرتد طرفي نحو البدايات وحيث أبتدي يكون الآخرون – منذ فترة طويلة -  قد أزالوا  مضاربهم وأطفئوا نارهم  واختفوا خلف كثبان الرحيل.

لم أعرف كيف كان علي أن أتصرف في زحمة الأسئلة الظلومة الجهولة. ربما كان أحرى بي أن أتخذ خطوة ما أو أن أقول جملة ما.  ولكنْ – كما قال الطيب صالح- لو عرف كل إنسان متى يتخذ الخطوة الأولى , إذا لتغيرت أشياء كثيرة. ربما كان عندك الحق في السخرية من (ذوقي الجديد) وولعي المستجد (بالتفاهات) البليدة ولكن من قال لك إن سُلّم قيم العالم  أكثر جدية, يكفي أن تنظري في أحوال الدنيا, لتدركي  بإننا نعيش في كوكبنا السعيد, عصر التفاهة الشاملة.  ربما كان هذا الولع المستجد من جانبي (بصغائر الشؤون) محاولة جديدة للتأقلم مع السواد الأعظم بعدما نأيت (بهمومي الكبرى) وحيدا وعشت بعيدا عن السرب مدة طويلة.  ربما هو أسلوب فريد لإعادة التموضع والإندماج  في سواد بهيم لا يعتق  الفرد ولا يقبل المتفردين.

وربما هو جرعة صغيرة لمخدر موضعي أغالب به تباريح المواجع وآثار الندوب.وربما هو قدري الذي ساقني كما تساق العنز في ساحة القصابة.

المفارقة المؤلمة والمحزنة –في ذلك كلّه- هي أنها وحدها بعض تلك التفاهات السخيفة تمكنت من أن تعيد لي شيئا من صوتي بعدما كنت شاعرا موغلا في الخرس. لكنني لن أندم ولا أريد لروحي الحيرى أن تشقى بالألم مرة وبالخطأ مرتين.  قدماي والدرب, كلٌ يسير بصاحبه بدعة وتسليم ودون تردد وندم.  فالندم - كما تعلمين - هو الغلطة الثانية التي نرتكبها.

أستميحك عذرا على كل ما أوقعته بك من جروح  هي بعض من حلاوة الروح وأنزلته بقلبك الكبير الجميل من آلام  هي رجع صدى لآلام قلبي الحزين.

لا أطلب لنفسي صفحا ولا غفرانا

ولكن أسألك الرفق بنفسك  وبالقوارير.

أما أنا  فظاعن طريد تقطعت به السبل وضل به الطريق وكلما أدرك محطة أضاع حافلة وفاته قطار:

أيها العمر المسافر هائما بين المسالك والدروب

قف وحدّق في المدى يطوي المدى

والروح تذوي والفؤاد يذوب

أشحْ بوجهك هل ترى فوق الرصيف

حقائبا وغريبْ؟؟

بعد قليل سيأتي القطار فأمضي وحيدا

نحو الغروب



(350572) 1
غريب.. هل مازال هناك الرومانسية على قيد الحياة عند العرب!!!!!!!!!!!
خبير في العلوم والدراسات المتخصصة في الجيونسائعربيات
يا أخي نحن في زمن و خاصة في عالمنا العربي المادي المالي لاحب و لا بطيخ و لا زواج خير لك أن تكمل حياتك وحيدا خير من شريكة مخادعة لا يتكن لك غرام واحد من المشاعر و كل تصرفاتها الظاهرية عكس ما تبطنه لك من شر و خداع و مكر و الله بخبرتي معهم شفت العجب العجاب منهم و لاحول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و أؤكد لك أنك لو بقيت قرونا على حزنك لن تحرك شعرة من مشاعرها لأنها بالتأكيد ستنساك في أقرب فرصة أو صفقة مالية مع خطيب آخر...يا أخي و الدنيا ليست نساء.. حافظ على دينك و على لياقة بدنك و صحتك واصرف مالك على والديك و أهلك و الفقراء و على نفسك و استمتع بوقتك وحيدا و عش سعيدا .
December 22, 2011 9:59 AM


(350671) 2
جمل شعرية جميلة جدا
صديق سيد موسى الرضا
"أما أنا فظاعن طريد
تقطعت به السبل وضل به الطريق
وكلما أدرك محطة أضاع حافلة
وفاته قطار"

منذ زمن لم نقرأ جمل بهذه المعاني. تحية للسيد موسى.
December 22, 2011 11:08 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز