Arab Times Blogs
د. زهير الخويلدي
zouhair_yasser@yahoo.fr
Blog Contributor since:
23 January 2011

تحولات الخطاب الاسلامي

" الايمان والمعرفة: الفرق جوهري بين أن تعتقد أنك تعرف وأن تعرف كيف تعتقد."[1]
توطئة:
ثمة صعوبة في تتبع ظاهرة عودة الأديان ودراسة تجليها المفاجئ على السطح خاصة في ظل الاقرار بالتعارض من قبل البعض بين الدين والاعتقاد من ناحية والعلوم والعقلانية النقدية من ناحية أخرى.
ما نلاحظه أن الاهتمام بالدين على مستوى الخطاب لم يكن وليد اللحظة الثورية التي يعيشها الناس اليوم في حضارة اقرأ بعد عقود من السبات الأنثربولوجي والخروج من التاريخ وفقدان البوصلة الحضاري وانما ظل ملتصقا بالحياة اليومية والخطاب السياسي ووسائط الاتصال والاعلام وقريب من دوائر انتاج الخطاب الثقافي ولكن شكل حضوره هو الفارق وآليات انتاجه هي ما يجدر التحري عنه وخاصة تعرضه الى التوظيف والاجتزاء والادغام والزج به في الصراعات الدنيوية وما ترتب عن ذلك من اختزالية وضبابية وتعويم للمسائل الجوهرية وتركيز على الشكليات والعنصر الخارجي والقوالب الفارغة.
ان النظام الشمولي أنتج خطابا دينيا تابعا يستمد منه مشروعيته ويبرر به سياسته غير العادلة ويتميز هذا المنتوج بالضبابية والالتباس والنفاق والارجاء، وفي مقابل ذلك انتج المجتمع الأهلي خطابا دينيا احتجاجيا رافضا ومقاوما لكل التوجهات الرسمية وقد احتوى على انتقادات جذرية للأسس الهشة للثقافة الرائجة ودعا الى الزهد في الدنيا والاعراض عن الملذات.
عندما انبثقت البطشة الكبرى تحرر الخطاب الديني جملة وتفصيلا وتم اسقاط النظرة الرسمية للسياسة الدينية للدولة وبان بالكاشف تأزم المؤسسة الدينية والنتائج الكارثية التي ترتبت عن تقزيم الدور الذي كانت تلعبه مؤسسة الزيتونة وبعد تعمد اقصاء رجال الدين والمرجعية الدينية من الشأن العام والالقاء بها في زاوية الخصوصية والغيبيات والطابع الطقوسي الفلكلوري.
زد على ذلك أن التقول على الدين والتعرض الى المقدسات والرموز أصبح الشغل الشاغل للعديد من الأحزاب سواء بالنفي والانكار أو بالإثبات والتصديق وذلك من جهة اتخاذه كمرجعية ورؤية للعالم من طرف البعض أو من جهة المطالبة بتحييده عن الحياة وفصله عن الصراع السياسي.
من هذا المنطلق تبرز أمام الفكر عدة تحديات أمام الفهم المتماسك لمشكل البحث وهي:
-         المجال الديني هو حقل من الألغام تتجاذبه مجموعة القوى وتتصارع حوله عدة فئات.
-         الدين نفسه هو حمال أوجه ويخضع الى تأويلات لامتناهية ويتضمن عدة قضايا خلافية.
-         الخطاب الديني هو ملاذ الأفراد وقبلة الجماعات بحثا عن التوازن والرضا والأمان.
-         استفادة الخطاب الديني من الثورة الرقمية وهيمنة الدعاة الجدد تحت تأثير الفضائيات وانفلات على مستوى الافتاء وتناقض أحيانا مع خطاب المؤسسات الدينية الرسمية.
-         المجال الديني هو موضوع اعتقاد وتقديس وورع وخشوع وطهرية وفي علاقة بالغيبيات والروحانيات ويصعب أن يتحول الى موضوع للتفكير الموضوعي والمساءلة النقدية.
من هذا المنطلق تنبجس عدة اشكاليات أهمها:
" كيف نتحدث في الدين عن الدين؟ وبالأخص عن الدين اليوم؟ وكيف يستقيم لنا...أن نتجرأ علي الخوض فيه بالمفرد دون أن يتملكنا خوف أو تهز كياننا رعشة؟ من ذا الذي قد تحمله وقاحته على الزعم بأن هذا الموضوع جديد وقابل للتعيين في نفس الآن؟ من الذي يدعي أنه قادر على تدبيج شذرات حكمية تحيط به احاطة تامة؟".[2] من جهة أخرى  ماذا نقصد بالخطاب الاسلامي؟ وماهو حال هذا الخطاب زمن الثورة العربية؟ وماهي الأسباب التي جعلته يسقط في المستنقع الشمولي؟  وكيف يمكن النهوض به ؟ وماهي وجهته في زمن القيام؟ وما الفرق بين الخطاب حول الدين الذي يشتغل عليه بعض العلمويين والخطاب الاسلامي الذي يبشر به بعض الفقهاء من الفضائيات وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة؟ وماذا يحدث لو أخضعنا مثل هذا الخطاب الى المقاربة التفهمية؟ وهل يقدر على المساهمة الفعالة في الغد الديمقراطي وبناء الدولة المدنية العصرية؟ ولماذا الحديث عن الشرط الحواري والحوارية كشرط لفعالية الخطاب؟
غير أن المطلوب هاهنا هو تحديد شروط تشكل الخطاب الاسلامي ومتلقيه ومعرفة مضمونه وبنيته وآليات انتاجه وبعد ذلك استشراف مقاصده ووظائفه ورهاناته. ان رأس الأمر هاهنا هو تفادي اقتصار الخطاب الديني على المباحث الفقهية وأركان العبادات والتأكيد على أهمية التطرق في المواضيع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وربط المقدس بالدنيوي والعقيدة بالثورة والدين بالحياة.
1-    تحليل الخطاب الاسلامي:
" الخطاب هو الوحدة الجدلية بين الواقعة والمعنى في الجملة"[3]
كان الفكر يود ألا يقحم نفسه في هذا النظام الشائك للخطاب الديني وتأليفه الفردي وتملكه الاجتماعي وكان يرغب في النفاذ خلسة الى الجانب الآخر من القدسي والمحصن والسليم والناجي حتى يستطيع أن يفكر فيه وأن يقوم بتحليل مضمونه ويتبين ما يحق له قوله وما يجب أن يصمت عنه ويحترم الزامات المؤسسة فيه.
يجب التذكير بأن غرض البحث ليس تقديم خطابا دينيا وتنزيله على اليمين أو على الشمال وتبويبه ضمن مذهب معين وتأطيره ضمن أحد الفرق وانما الشروع في تحليل هذا الخطاب وتفكيك بنيته قصد الوعي به وتخليصه من بعض الشوائب والارتقاء به الى مستوى التحديات المجتمعية والانتظارات المرجوة منه.
لقد انتقل التطرق الى الدين الاسلامي من لحظة النبوة والدعوة الى لحظة الرسالة والدولة ومن القرآن والحديث الى السيرة والسنة ويمكن التمييز بين الخطبة والخطاب وتفريع التجربة الروحانية التي تسمى تدينا الى أربع عناصر: النص المقدس المنزل بماهو محور العملية التدينية ، ثم الاستعمال الفردي الحر لهذا النص في اطار ترتيب علاقة مباشرة دون وسائط بين المخلوق والخالق، بعد ذلك نجد تجربة الجماعة التي تحمل هذه الرسالة الدينية عبر الشهادة والوعد والوفاء، وأخيرا تصوب الأنظار نحو الفكر الديني التي أنتج عبر التاريخ حول هذه العناصر الثلاثة وذلك في اطار علاقة جدلية بين النص والواقع والعقل واللغة.
غني عن البيان أن الخطاب الديني يكشف عن أوضاع للذات العارفة وتاريخ تشابك المعرفة والسلطة وعن تقاطع ارادة القوة وارادة الحقيقة وعن تفاوت في الخطابات: "فهناك الخطابات التي تقال يوميا وتتداول وتنتهي أمرها بانتهاء الفعل ذاته الذي نطق بها، وهناك الخطابات التي هي اصل لعدد من ضروب الفعل الجديدة للكلام حيث يعيد تناولها وتحويلها او الحديث عنها... منها النصوص الدينية أو القانونية."[4]
اللافت للنظر أن الخطاب الاسلامي لا ينحصر في القرآن وانما يشمل السنة و الحديث والسيرة والمأثور من أقوال الصحابة والتابعين وكل ما يقدم في المساجد والجوامع من شعائر وصلوات ودروس ومواعظ ومسامرات وما يشمل ذلك من تأكيد على الأركان الخمس للإسلام والطهارة الصغرى والكبرى والترغيب في العمل الصالح الذي يجني منه المؤمن الحسنات وتنفير من العمل الفاسد الذي يثقل به المخطئ كاهله بالسيئات.
علاوة على ذلك يشمل الخطاب الاسلامي الثقافة العلمية التي يتم ابداعها وتداولها وتعليمها في الجامعات والمعاهد والتي تدور حول الدين أصولا وفروعا وتشمل العبادات والمعاملات من جهة الأحكام التشريعية والتكاليف والحدود والمنظومة المعيارية والقيمية.
هكذا يحتاج الخطاب الديني الى الحوار بين الأنا والغير والتفاعل الجدلي بين النحن والهم عن طريق الكتابة والقراءة والى تدخل العقل قصد النقد والتقويم ويتطلب كذلك تدخل العلم قصد الوعي به وترشيده وايقاف الانفلات الفقهي والوصاية على الواقع اليومي والاتصاف بالمواكبة والانفتاح والتجديد.
 ننتهي الى ما قاله ريكور أنه " اذا تحقق الخطاب كله بوصفه واقعة، فهم الخطاب كله بوصفه معنى".[5] والمقصود ان بنية اللغة هو اللسان زائد كلام وأن بروز مصطلح الخطاب يدل على تدخل الذات المتكلمة وفاعليتها في النص وقدرتها على سبر الأحداث وتأمل الوقائع وفهم دلالاتها وانتاج المعنى.
هكذا يراوح الخطاب شغله بين وصف الواقعة واسناد الخبر الى قضيته ولا يكون له ذلك الا بالتواشج والتفاعل بين التحديد الجزئي والاسناد الكلي وبين الحدث والأثر وبين انجاز الكلام كخطاب وأثر الخطاب كوسيط لفهم الذات. " لا وجود لخطاب خيالي أكثر من اتصاله بالواقع بل يوجد على مستوى آخر أكثر حيوية مما يبلغه الخطاب الوصفي، التقريري والتربوي الذي نسميه كلاما عاديا."[6]
لكن متى صار ينظر الى التجربة الدينية على أنها خطاب؟ وماهو المغزى من ذلك؟ وماذا يحصل في التجربة الدينية عندما يحصل التحرك من اللغة الى الخطاب؟
2-    مقاصد الخطاب الاسلامي:
" رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي"[7]
صحيح أن دور الرسول أو النبي هو التوسط بين الله والخلق ولكن أداء الأمانة على أحسن وجه يقتضي التسيير والتسهيل وتوفير الأسباب والمناسبات قصد الوصول بالفعال الى خواتيمها، ومن بين هذه المناسبات هو فصل الخطاب والبيان والذكر والتنزيل والفرقان والقرآن تلاوة وترتيلا وقراءة وتبليغا.
اللافت للنظر أن الغاية من الدين هو تغذية الروح مثلما الغاية من الطعام تغذية البدن، والهدف الأسمى من التدين هو تذكير المخلوق بضرورة تجديد الصلة الروحانية بالخالق والاقبال على التأمل والتعرف. ولكن أهم من ذلك هو أن مهمة الخطاب الديني تتمثل في تأهيل الانسان لكي يكون أهلا لتحمل الأمانة وهي الاستخلاف والتعمير وذلك بالتحرير والتنوير والخروج من الجحود المادي والدخول الى الشهود الرباني بالشبه بالإله على قدر الطاقة الانسانية والتخلق بخصال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
من مقاصد الخطاب الاسلامي حسب الامام الغزالي هو انتقاء اللغة من الشوائب وتطهير الكلام من المزالق  ومقاومة آفات الكذب والغيبة والممارات والمدح والمزاح والرعونة والفتنة. وقد قال في ذلك:" اعلم أن الكذب حرام في كل شيء الا عند الضرورة"[8]. والمقصود هو أن الأصل في الأفعال تنجب الكذب حتى في التخيل وحديث النفس ولا يرخص للمرء فيه الا اذا كان الصدق يفضي الى مضرة وتهلكة.
مقاومة الاغتياب وعلاج النفس منه تستمد معقوليته من كونه حرام سواء كانت بالقلب أو باللسان، وحدّه " أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، وان كنت صادقا، سواء ذكرت نقصانا في نفسه، أو عقله، أو ثوبهن او فعلهن أو قولهن او داره، او نسبه، او دابته، او شيئا مما يتعلق به، حتى قولك انه واسع الكم أو طويل الذيل."[9]  في هذا السياق قال الباري عز وجل:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ"[10]
أما الآفة الرابعة التي ينبغي أن ينهى عنها الخطاب الاسلامي فهي المراء والمجادلة ، و"حد المراء هو الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، اما في اللفظ، واما في المعنى. والباعث عليه تارة الترفع بإظهار الفضل، وسببه خبث الرعونة وإما "السبعية" التي في الطبع المتشوفة الى تنقيص الغير وقهره."[11]
في حين أن الآفة الرابعة التي يجب أن يتفاداها الخطاب الاسلامي ويحذر الناس من الوقوع فيها فهي المزاح وما يرافقه من سخرية وتهكم على الغير، "والافراط فيه يكثر الضحك ويميت القلب ويورث الضغينة ويسقط المهابة والوقار."[12]
أما الآفة الخامسة فهي المدح والثناء والشخصنة والتعظيم والكبر والاعجاب وحب الدنيا وعبادة الذات ويذكر المادح الممدوح بما ليس فيه وما يتحققه فيكون كذابا ومرائيا ومجازفا. ويرخص فيه اذا كان صادقا، "اذا سلم المدح من هذه الآفات في المادح والممدوح فلا بأس به وربما يندب اليه."[13]
ثم ينبغي ألا ننسى الآفة السادسة وهي الأخطر على الأمة وتتمثل في الفتنة والتشذرم والتباغض والعداوة والكراهية الناتجة عن الغضب والحسد وحب الذات ولا مخرج منها سوى بالاعتصام بحبل الله وتفضيل مصلحة الملة. وقد قال عز وجل: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين"[14].
زد الى ذلك تفكيك آفة الرعونة وحب الجاه والانفراد بالوجود وطلب الرفعة والكمال الوهمي والاستيلاء والاستعلاء والتصرف في العباد حسب الأهواء والشغف بالغلبة والاستبداد. "ان الجاه معناه العلو والكبرياء والعز، وهي من الصفات الالهية، والالهية محبوبة للإنسان بالطبع، بل هو ألذ الأشياء عنده."[15]
" ان كنا نشهد في يومنا هذا طرحا معاصرا وجديدا لسؤال الدين وانبعاثا غير مسبوق لهذا الشيء العالمي أو الكوني الضارب بجذوره في القدم، فإنه من الخطأ التفكير فيه خارج اللسان وحرفية النص والكتابة وهي العناصر التي تشكل لحمة كل وحي واعتقاد."[16]
على هذا النحو يمكن أن نتناول الخطاب الديني وفق خمسة استراتيجيات لغوية هي:
- الاخبار والقصص عن تجارب الأمم الغابرة من أجل الاعتبار
- التوجيه والنصح والارشاد وذلك قصد النهي عن المنكر والأمر بالمعروف.
- الوعد بالنسبة للمحسنين عبر خطاب الترغيب والوعيد بالنسبة للضالين عبر خطاب الترهيب.
-  الافصاح والتبيان بالنسبة الى الكليات والمبادئ والتمييز بين الفرض والمباح والمكروه والمندوب والحرام.
- الايقاع والانجاز وتحويل الأقوال الى أفعال والمعارف الى ممارسات وجعل المناسك والطقوس مسالك ومعارج نحو السكينة الروحية في الدنيا والخلاص في الآخرة.
ان مدار النظر في هذا النقد الفلسفي للخطاب الديني ليس شرح الرسالة واصدار الفتوى واستكمال الدعوة فتلك مهمة نبيلة يختص بها الدعاة والعلماء والفقهاء بل غرضنا هو انشاء مقاربة تأويلية نقدية تهدف الى الفهم والافهام وتسعى الى ايجاد فضاء للحوار وأرضية للتفاهم وديدنها أنه لا نهضة دون استئناف الاجتهاد ولا وحدة دون توحيد ومصالحة بين مكونات وروافد الأمة.
هكذا يتضمن الخطاب الديني نظرية في المعرفة حول علاقة الانسان بذاته وبأخيه الانسان وبالكون، كما يتوفر على تصور أخروي للوجود وعلاقة الله بالعالم ترتكز على الاحداث والافناء وتنهل من مرجعية معيارية ذوقية وجمالية وينحت صلة بين الذات الالهية وصفاته تقوم على التوحيد والتصميم والتنزيه.
ألم يكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اعظم خطيبا عرفته البشرية حينما قال في خطبة الوداع: "أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى".
 لكن هل يخلو الخطاب الديني من الرعاية لحقوق الناس وتدبير معاشهم؟
3-    سياسة الخطاب الاسلامي:
"انما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"[17]
لا يخلو الخطاب الاسلامي مهما كانت حياديته وموضوعيته ومهما كان تركيزه على الجوانب الروحانية من جانب سياسي وتدخل في الشأن العام واهتمام بمقدرات الحياة ومستلزمات التواجد على الأرض.
غني عن البيان أن القول بالفصل بين السياسة والدين هو مطلب قانوني اجرائي وغاية حداثية يصعب بلوغها وذلك لأن الشعب في معظمهم متدين والدولة نفسها التي تحكمه تعتمد على الدين في بسط نفوذها وتمتلك مؤسسات رسمية في هذا الشأن.
من المعلوم أن الخطاب الديني في الأمس الشمولي قد كان شكلا دون مضمون وسكت عن الحق والظلم والفساد وانساق مع السائد واكتفى بملأ الفراغ وتزيين المشهد والنتيجة هي المماثلة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي. أما في اليوم الثوري الذي نعيشه فقد تحول الى سلاح الشعب الفتاك ضد التعسف والاستغلال ومثل أحد الميكانزمات المغذية للفعل الثوري وخاصة الدور الذي لعبته المساجد في تونس الأعماق ورمزية يوم الجمعة التي تحولت الى مناسبة ثورية قادرة على التعبئة وحشد الجماهير. لكن هل يجوز لنا الحديث عن خطاب ديني ثوري أم عن تثوير الخطاب الديني؟
بقي ماهو منتظر في المستقبل أن يؤديه الخطاب الاسلامي في فترة الانتقال من الثورة الى الدولة وخاصة التشجيع على التضحية في سبيل الوطن ووحدة الأمة وتقدم البشرية تصديقا لقول رسول العالمين: " حب الأوطان من الايمان"[18]. ولن يتحقق هذا الوعد الا بإزالة التناقض بين الخطاب الديني والخطاب السياسي ورفع اللبس القائم بين الاسلام والديمقراطية والعمل على تفجير مكامن الحياة في الشريعة وتدبير الحقوق العامة للناس وهي العرض والمال والدين والعقل والوجود وتشجيع الاستنارة واليقظة وترشيد ثقافة الافتاء والتركيز على الأبعاد الحضارية للرسالة المحمدية.
 ان هذا المقتضى لن يتم تحصيله الا بتحويل الاسلام الى دين مدني وبتسليط الضوء على الطابع المدني للدولة في الاسلام والاعتبار من اطلاق النبي اسم المدينة على يثرب وكتابة الصحيفة كأول دستور ينظم الحياة السياسية في حضارة اقرأ.
علاوة على ذلك يلعب الخطاب الديني دورا اجتماعيا بارزا وذلك بأن يحرص على التماسك الأسري وصيانة العائلة من التشتت ويقوي الروابط بين الأفراد والتلاحم الاجتماعي بتشجيعه على قيم التكافل.
ألم يدعو الدين صراحة الى العودة الى رأي الأغلبية عندما قال الرسول:" لا تجتمع أمتي على ضلالة"[19].
كما يوجه الخطاب الاسلامي رسالة تربوية أخلاقية حاسمة بالنسبة الى الأفراد والمجموعات تخرجهم من حالة البداوة والخشونة الى حالة من التمدن والتحضر وفي هذا السياق يأمر بحب الحكمة والاعتبار وطلب العلم وترك المعاصي  والتطهر من الرجس والتحلي بروح التفاؤل وحسن الظن بالناس والاقبال على ما ينفع الخلق ويستصلح المعمورة.
ان الاسلام يمثل ذخيرة في المعنى ومستودع للحقيقة ويحتوى على ثروة تشريعية كبرى ومنجم عقائدي ونواميسي وعوض تركه مهملا والاقتصار على أداء بعض الشعائر والطقوس بطريقة رتيبة ومتكررة ينبغي بعثه الى الحياة وتوظيفه في المجتمع والتعويل عليه لحللة الأزمات التي تعرض بالناس والاستفادة منه وحسن استثماره في ارساء حوار راق بين الفرقاء قصد الخروج من حالة الفرقة والخلاف الى التكامل والتعاون على البر والتقوى والاعتصام الى الشريعة السمحاء والاهتداء بالقرآن كعروة وثقى.
على هذا النحو يلزم أن يساهم الخطاب الاسلامي في تحقيق اهداف الثورة وفي انصاف المظلومين وخاصة سكان الأعماق والمناطق الداخلية وأن يدعم قيم الكرامة والعدالة والمساواة وأن يحمل على التفاوت والظلم والاستبداد ويتبنى سياسة الشورى والاجماع والبيعة العامة وتشريك عموم المسلمين في أمور الحكم. في هذا الموضوع يقول الإمام الغزالي رحمه الله : "والذي يزعم أن رأيه هو الدين، وأن رأى غيره خارج على الإسلام، رجل أحمق لا ينبغي أن يشتغل بالدعوة إلى الإسلام".
 لننظر ما عساه أن يقدم الخطاب الاسلامي عن الحقيقة التي كشفت عنها الثورة في البلاد وعبرت عنها هذه الآية الكريمة: " ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"[20]؟ فما السبيل الى بناء سياسة استخلافية تحرص على التدبير والتعمير في الكون؟
خاتمة:
" انما الأعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى، "[21]
تعود المسلمون أن يردوا كل شيء في حياتهم الى الاسلام ودأبوا على العودة الى الدين عند كل أزمة وعن البحث عن حلول وتوضيحات عن المشاكل التي تعترضهم والأسئلة الكبرى التي تطرحها لهم الأيام. وكان الخطاب هو الأداة التي تستخدم في المجال الديني من أجل الاجابة على هذه التحديات وتقديم توضيحات.
الخطاب الاسلامي هاهنا مطالب بأن يتصالح مع السياق الاجتماعي وأن ينهى الجموع عن الافساد في الأرض ويحذرهم من ارتكاب المعاصي مثل السرقة والكذب والعنف والعقوق وإذاية الناس والتعدي على الآخرين والاضرار بممتلكاتهم وأن يدعوهم الى الوعي واليقظة وطلب العلم وتقديس المعرفة.
 كما يجب أن ينقد كل مظاهر الاحتيال واشكال الغش في المعاملات ويحارب مظاهر استغلال سلطة المال والربى المقنع والاحتكار التي يعمد اليه أصحاب رؤوس الأموال ويذكرهم بواجب الزكاة والصدقة ويدفعهم الى ضرورة المساهمة في القضاء على بعض الآفات التي تنخر جسد المجتمع مثل الفقر والمرض والبطالة والأمية والتفكك الأسري والنزوح الى المدن الكبرى والهجرة الى دول المركز.
يمكن التمييز بين الاسلام والايمان والاحسان، دائرة الاسلام اوسع من دائرة الايمان ويشمل الانسانية لأنه لغة يعني الانقياد والاستسلام واصطلاحا يفيد انقياد مخصوص اقله النطق بالشهادتين ، أما الايمان فهو اقرار باللسان عبر التشهد وتصديق بالقلب عبر النية السليمة وعمل بالجوارح عبر الاخلاص.
بين اذن انه ما من ايمان الا بالإسلام ولكن يمكن أن يكون هناك اسلام دون ايمان خاصة في حالة الشكل دون المضمون والظهر دون القلب. قال الله عز وجل:" قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ".[22]
 أما الاحسان فهو الجمع بين القول والفكر والفعل وذلك ترجمة للحديث الشريف: " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"[23]، كما يمكن التمييز بين دين التجار وهو عبادة الله من أجل الدخول الى الجنة والنجاة من النار ودين العبيد هو عبادة الله خوفا من عقابه ودين الأحرار هو عبادة الله محبة له واجلالا.
" ان النية معيار لتصحيح الأعمال فحيث صلحت النية صلح العمل، وحيث فسدت فسد العمل، واذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال: الأول: أن يفعل ذلك خوفا من الله تعالى وهذه عبادة العبيد. والثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب وهذه عبادة التجار. الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر ويرى نفسه – مع ذلك- مقصرا، ويكون مع ذلك قلبه خائفا، لأنه لا يدري هل قبل عمله مع ذلك أم لا؟ وهذه عبادة الأحرار."[24]
في الواقع يتخذ الخطاب الديني عدة أشكال تبعا لطرق المجاهرة بالإيمان عند الناس وملكاتهم الادراكية، وبالتالي:" لا يقتضي كل شكل من أشكال الخطاب أسلوب مجاهرة بالإيمان بل ان مقابلة أشكال الخطاب هذه تتطلب في المجاهرة بالايمان نفسها توترات ما وتباينات دالة لاهوتيا."[25]
 ان الانتظارات من الخطاب الاسلامي كبيرة والمسؤولية التي يجب أن ينهض من أجلها الفاعلون في هذا الشأن جسيمة. اذ هناك خطاب احيائي يهدف الى اعادة تشكيل الانسان المعاصر على ضوء التراث، كما يوجد خطاب دعوي يبثه بعض دعاة الفضائيات ويجد جمهورا عريضا من المشاهدين ويشهد انفلات في الافتاء واصدار الأحكام والتشريعات في المسائل الحياتية. وثمة خطاب ديني تسديدي وارشادي  يبذل الجهد في تقديم النصح والمشورة من أجل دفع الناس عن ارتكاب المعاصي ويرغبهم في فعل الخير، وهناك خطاب تجديدي اجتهادي يسعى الى مواءمة النصوص مع الواقع الاجتماعي وانتاج فقه الحياة، وهناك خطاب ديني ثوري يضع نصب عينيه تغيير الأوضاع واحداث انقلاب في سلم القيم واحداثية الوجود وخلق رؤية جديدة للكون ومفهوم مختلف للكائن.
في الختام كل خطاب ديني ينبغي أن يكون أحسن الأحاديث و يتبع أفضل الأقوال ويهدي الى سبيل الرشاد وأن يتمحور حول دائرتين متقاطعتين هما احترام الحياة والتحصين الذاتي ضد الفساد والتضحية بالنفس من أجل الغير وكل واحد تؤدي الى الأخرى. ولابد أن ينهل الخطاب عن المقدس وعن الوحي من منهجية الخطاب العلمي وحجاجية الخطاب الفلسفية وشاعرية الخطاب الأدبي وصرامة الخطاب القانوني.
ان الحوارية ضرورية بالنسبة لوجهة الخطاب الاسلامي وذلك عن طريق بناء حوارات بين الذات والنص والعالم والنظر الى العالم باعتباره مخلوق من الله والى الله عز وجل بوصفه منزل القرآن الكريم الى الخلق. لكن كيف يمكن أن نتلقى الخطاب الاسلامي دون الالتفات عن أهداف الثورة والمشاركة في البدء الديمقراطي الجديد؟ وألا يحتاج الخطاب حول الدين في الربيع الثوري العربي الى تطوير وترشيد؟ ومتى يشمل التثوير الابداعي الغايات والأهداف بعدما امتد الى الوسائل والأدوات؟
المراجع:
الامام الغزالي، كتاب الأربعين في أصول الدين، دار الجيل، بيروت، طبعة ،1988.
الامام يحي بن شرف النووي، شرح الأربعين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2001.
بول ريكور، نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى ، 2003.
بول ريكور، من النص الى الفعل، أبحاث التأويل، ترجمة محمد برادة- حسان بورقية، دار الأمان- الرباط، الطبعة الأولى، 2004.
ميشيل فوكو، جنيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي- عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1988.
 مجلة الأزمنة الحديثة المغربية، العدد2، مارس 2010.
كاتب فلسفي
 


------------------------------------

[1]  جاك دريدا، ايمان وعرفة، منبعا الدين في حدود العقل وحده، ترجمة حسن العمراني، مجلة الأزمنة الحديثة، العدد2، مارس 2010. ص.23.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز