Arab Times Blogs
د. زهير الخويلدي
zouhair_yasser@yahoo.fr
Blog Contributor since:
23 January 2011

كاتب فلسفي
من تونس

من أجل سياسة خالية من العنف والكذب

ان العنف هو شكل الفعل الانساني الوحيد الذي يظل صامتا من حيث التعريف، انه غير متوسط ولا يتم  الاعتناء به بواسطة الألفاظ [1]

اذا تكاثرت في الزمن الذي يحيا فيه الناس الحروب والانتفاضات والثورات فإن العامل المشترك بينها جميعا هو العنف على مستوى الفيزيائي المتمثل في القوة والقتل المؤسس وكذلك الكذب على المستوى النفسي والرمزي المتمثل في الحكم السياسي وما يترتب عنه من ترهيب وتخويف عن طريق الصور والبيانات والدعاية والبروباغاندا.

على هذا النحو" ان أدوات العنف قد بلغت من الآن فصاعدا نقطة من الاكتمال التقني بحيث أصبح من المستحيل تصور هدف سياسي يمكن أن يقبل التطابق مع قوته التحطيمية أو يمكن أن يبرر استعماله أثناء نزاع مسلح".[2] وان أشد الأنواع فتكا هو العنف السياسي لأنه يصيب بالعمي كل القرارات التي تعود بالمنفعة على الصالح العام ويؤدي تفشيه الى انغلاق العالم السياسي. لكن ماهو العنف السياسي؟ وما الفرق بين العنف والكذب؟ ولماذا تلجأ الأنظمة السياسية والحركات المعارضة اليهما؟ وكيف يمكن مقاومة العنف السياسي الذي تمارسه الأنظمة الشمولية العربية على شعوبها وتحولهم الى ضحايا وترديهم قتلى؟ وكيف السبيل الى ابداع سياسة خالية من العنف والكذب؟ ويمكن أن يكون الحكم الرشيد هذه السياسة المنشودة؟

ان ماهو موضع نظر هاهنا هو تفادي اللاانساني وغير الشرعي والبحث عن وسائل لتركيز الانساني والشرعي من اخلاص في القول وصدق في العمل ورجاحة في التفكير.

اللافت هو أن العنف يختلف عن السلطة والقوة والقدرة ويستوجب دائما الوسيلة ولهذا السبب لا تنفصل الحركة العنيفة عن تعقد العلاقة بين الوسائل والغايات مع اعطاء أهمية للصنف الأول على الثاني ويفسر ذلك بأن العنف تنامى في عصر العولمة بسبب الثورة التكنولوجية التي حملت معها ثورة في صناعة الوسائل التي تستخدم في المجال العسكري والتي لم يعد بالإمكان مراقبتها والحد من قدرتها التدميرية.

ان استعمال السلاح النووي وما خلفه من ضحايا بشرية وكوارث بيئية لم يؤثر فقط على الشعب المتضرر ولا على الاقليم المستهدف وانما غير العالم الذي يسكنه النوع البشري وفي نفس الوقت طريقته في سكنى العالم وذلك بأن نشر التخوف من الجحيم النووي والشروع في البحث عن طرق لتفادي تصحر الوجود.

ان تحطيم العالم وتجفيف منابع الحياة منه بواسطة الوسائل العنيفة ليست ممارسات جديدة بل هي قديمة ومرتبطة بظهور النار والصناعة والطاقة والتقنية وتضاعفت عندما توجهت ارادة البشر نحو غزو العالم والسيطرة على الطبيعة وحصول توازن بين القدرة على التحطيم والقدرة على البناء. ان أدوات العنف الضرورية للتحطيم تم ابتكارها على صورة أدوات الانتاج. غير" أن القوة التي تحطم والتي ترتكب العنف هي دائما نفس قوة أيادينا التي قامت بالعنف تجاه الطبيعة والتي حطمت شيئا طبيعيا."[3]

اذا أدى تدخل رجال السياسة المرتبك في الشأن العام الى انخرام التوازن بين وسائل التحطيم ووسائل البناء فإن العنف يظهر ويتحول الى عامل للتخريب ويهدد مستقبل الحياة البشرية على الأرض وتتفاقم المخاطر والكوارث عندما يتسلح بالأدوات التقنية والأسلحة العسكرية المتطورة وتتفجر النزاعات والحروب بين المجموعات ويترك النظام والسلم مكانهما للفوضى وتتصاعد موجات التصادم.

ان الحرب تظل المكون القديم للسياسة بواسطة وسائل عنيفة وتعيد ترتيب العلاقات الدولية بين المنتصرين الذين يمسكون بيدهم القوة والنفوذ على المعمورة والمنهزمين الذي خسروا السيادة وفقدوا السيطرة على أراضيهم وثرواتهم. ان الخطر المتأتي من العنف أنه يشل الحركة ويرفض التفكير ويرضى بالجنون ويخترق جميع المجالات ويتحرك بشكل مجهري وخفي ويمنع الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.

ان استعمال العنف من طرف دولة معينة أثناء عدوانها على  شعبها ومواطنيها أو على  دولة أخرى لا يعبر عن حجم قوتها الحقيقي وانما هو تأكيد لضعفها وبرهنة على عجزها عن حلحلة الخلافات بالطرق السلمية المناسبة وفشلها في الحوار مع الداخل والتواصل مع المجتمع المدني وعجزها عن الاحتكام الى الارادة الشعبية والعودة الى سلطة الاجماع والتشاور مع القوى المكونة للدولة والفاعلين الاجتماعيين.

يمكن التمييز بين العنف الثوري الذي يهدف الى التخلص من الشمولية والاستبداد ومحاربة الفساد والتخلف والعنف الاجرامي الذي تمارسه الأنظمة الشمولية تجاه شعوبها وتجبرهم على الخضوع بالقوة. غير أن اللاعنف يظل على المستوى المدني السياسي أكثر فاعلية وقدرة على التغيير من العنف المباشر.

"ان الانتفاضة الطلابية هي ظاهرة كونية لكن تمظهراتها تختلف طبيعيا وبالمعنى الواسع من بلد الى آخر وبالقياس من جامعة الى أخرى. والواقع يكون جليا بالخصوص في ما يتعلق بممارسة العنف."[4] هكذا كان العنف بالنسبة للطلبة يعكس الصراع بين الأجيال ونهوض الشبيبة من أجل اثبات الذات وافتكاك موقع في العالم ويعبر عن قوة ضغط من أجل اجبار الحكام والمسؤولين على سماع أصواتهم وتحقيق مطالبهم.

غير أن التعبير عن الحراك الاجتماعي والطفرة الوجودية يمكن القيام به عن طريق فعل مدني وتظاهرة فنية ابداعية تطلق الحلم وتجعل الخيال يكسر الحدود ويكشف للمعنيين النقائص ويبين للآخر المنشود. ان الربط بين اللجوء الى العنف وتحقيق التقدم هو تحالف مع اللامعقول وحرمان السياسي من معينه الأخلاقي، اضافة الى أن التقدم مسار معقد تساهم فيه العديد من العوامل ويكون تقدما حقيقيا اذا كان على صعيد المعرفة والحكمة والقيم ودون ذلك انحدر بالإنسانية الى هاوية الاستهلاك والرفاه المادي.

ان انزال النظريات المعدة سلفا على الواقع الميداني واسقاط التجارب الثورية على واقع اجتماعي مختلف يمتلك خصوصية ثقافية مغايرة يمكن أن يسمى عنفا ايديولوجيا ويسبب جراحات حضارية واهانات رمزية تفقد الشعب كبريائه واعتزازه بنفسه وتطمس هويته وتعود به الى الوراء وتشعره بالعجز والضياع في العالم بدل أن تساعده على اللحاق بركب الأمم المتقدمة علميا وتكنولوجيا وثقافيا.

 ان هيمنة الانسان على غيره لا يمكن أن تسمى بالعنف الشرعي بأي شكل بما أن كل عنف هو أمر غير مشروع بما في ذلك  العنف التكويني والمحرك للتاريخ. ربما يجب استعمال القوة التي تتطابق مع الحق حتى نعطي صورة جديدة للعلاقات بين البشر وتكف القوة نفسها أن تكون هيمنة وتصبح فضيلة وقدرة.

هكذا يمكن مقاومة عنف الدولة الشمولية بالعصيان المدني والتحلي باللاعنف ويمكن التصدي للحرب التوسعية الظالمة بماهي قتل مؤسس بالجنوح الى السلم والتسامح والايمان بالتعايش والحوار بين المجموعات والاحتكام الى قيم المدنية ومبادئ العقل.

 لكن عندما يختفي العنف من العلاقات بين الدول ومن ممارسات الأفراد ألا يشير ذلك الى توقف حركة التاريخ وتجمد الابداع والدخول في حالة عطالة؟ وهل من المشروع أن يلجأ الأفراد الى العنف المشروع من أجل محاربة الشمولية؟ ألا يكفي استخدام اللاعنف للتخلص من الكذب والتجاء الى التزييف والمراوغة والوعود الفارغة؟

في الواقع " تستعمل أسرار السلطة - الخداع والتضليل المختار والكذب المحض والمجرد- كأدوات مشروعة للوصول الى تحقيق أغراض سياسية وتشكل جزءا من التاريخ البعيد الذي يعود بنا الى عمق الماضي"[5]

تمارس السياسة الشمولية العربية، مملوكية كانت أو جمهورية، الكذب وذلك عندما تعمد الى التضليل والخداع حول التقارير والأخبار التي تسوق لها وتروجها عبر قنواتها الاعلامية، ولعل أكبر كذبة هي أنها تتدعى الديمقراطية والمحافظة على مصالح شعوبها ودفاعها عن الهوية واحترام حقوق الانسان. وهذا ما يولد أزمة ثقة بين الحكومة والشعب وبين الدول ويسمح بانتشار الكذب في كل الخدمات الرسمية للدولة وذلك قصد خلق حالة من عدم الوفاء وغياب الشفافية والصدق والبحث عن تحطيم العدو والتآمر عليه.

ان السر الذي يقف وراء استعمال الأنظمة الشمولية سياسة التعتيم والتحريف والتشويه هو توخي كل الطرق المتاحة بما في ذلك غير الأخلاقية من أجل المحافظة على أسرار الدولة والتكتم عليها والتغلب على الأعداء واعتبار الكذب والتضليل والتضخيم والتقزيم أدوات شرعية لتحقيق أغراض سياسية للدولة.

من هذا المنطلق "ان الصدق لم يشكل البتة واحدا من الفضائل السياسية والكذب وقع اعتباره دائما وسيلة مبررة بشكل مطلق في الشؤون السياسية."[6]  ومعنى ذلك أن الفكر الفلسفي المثالي كان يركز انتباهه على تمثيل الواقعة الحقيقية بوضوح وشفافية ويبتعد عن المبالغة والاختزال والانتقاء ولم ينتبه الى أهمية الخطأ والوهم في التلاعب بالمشاعر والتركيز على اللغة في التأثير واستمالة المستمعين والتأثير على أهوائهم.

ان هذه المقدرة العجيبة على التزييف والمغالطة تختلف كثيرا عن اختلالات الذاكرة وتقلبات الأهواء والميل الجارف نحو الخطأ وتنتج عن نقائص ميكانيزمات التفكير والاحساس وعن الجهل والاعتقاد الزائف. وتربط القدرة على الكذب بالقدرة على انتاج العدم والتخيل وكذلك باستعمال سيء للحرية والتوهم بالابداع والاتيان بالمبتكر.

ان الكذب عملة رائجة في المجال السياسي وان الحكام كثيرا ما يصرفون هذه العملة في أقوالهم من أجل الدعاية لأنفسهم وترويج بضاعتهم الكاسدة والسبب هو تميز فن السياسة بالمكر والخديعة وارتباطه بالظرفي والآني والطارئ والاستثنائي وخضوعه للصدفة والاتفاق والحدوث وغياب الضرورة والقواعد والقوانين الثابتة والسببية واستحالة النظر الى السياسة على أنها علم بالمعنى الوضعي للكلمة.

من هذا المنطلق ينبغي أن ننظر الى كل اعلان أو بيان أو قرار يصدر عن السياسي بعيون الترقب والحذر وألا نسارع الى التصديق والتسليم بصحته لأنه قد يتراجع عنه أو يغير مضمونه أو مقصده، وهذه الهشاشة التي تظهر على الخطاب السياسي مردها دخول عناصر جديدة خارجية أو داخلية في كل لحظة وتأثيرها في مجرى الأحداث ولذلك عرفت السياسة بأنها فن الممكن ومواصلة للنزاعات بين القوى بطرق سلمية.

اللافت للنظر أن التضليل والمراوغة واتقان فن الدسيسة والمؤامرة لا يعتبرها رجل السياسة ممارسات متناقضة مع العقل السياسي بل ينظر اليها على أنها تندرج في صميم الحكمة العملية ذاتها وضمن مهارة استعمال أنجع الوسائل الممكنة لتحقيق أفضل الأهداف في أسرع الأوقات وبأقل التكاليف والمجهودات.

ان الكذب السياسي عند الماكيافيليين من دعاة الواقعية السياسية مثل ليو سترواس يمتلك الأولوية على العقل الأخلاقي في معرفة أمنيات الناس وتطلعات الشعب ولكنه أيضا تصريف لهذه الأحلام وضحك على الذقون وهروب الى الأمام والقيام بترقيعات جزئية والتنصل من مسؤولية الاصلاح ومن الالتزام بفضائل العدل والمساواة بغية المحافظة على الحكم والاستمرار فيه.

هكذا تلجئ الأنظمة الشمولية الى اعادة كتابة تاريخ البلدان وتقوم بتحريفه وطمس العديد من الحقائق وتدخل فيه عناصر خرافية وتنتقي جملة من المسائل وتقلل من أحداث أخرى وذلك لخدمة مصالحها باظهار فضل النخب والريادة واستنقاص جهود الاخرين ومساهماتهم ومصادرة الذاكرة وتدجينها. كما أن العديد من الآراء والمعتقدات التي توجه الناس مبنية على الكذب وليس على الحقيقة ولا يقع التحري منها الا بعد أن يترتب عنها نتائج ضارة وتثبت التجربة التاريخية الأسس الباطلة التي كانت تستند اليها.

اذا كان الكذب ضروريا من أجل تحقيق النجاعة في العمل السياسي، فهل تحول القيم الأخلاقية دون دخول الأشخاص الطيبين الى هذا العالم المليء بالمكائد والخداع والأيادي غير البريئة والعقول الماكرة؟

ان فن الكذب هو آلية يقع استخدامها بكثرة من طرف مسؤولي العلاقات العامة في الادارة وقد تم تصديره الى المجال الاقتصادي عن طريق فنون الاشهار والدعاية قصد صناعة مجتمع الرفاه والاستهلاك وترويج المنتوج وتحقيق الربح السريع ومراكمة الثروة ولو كان ذلك على حساب الحاجات الحقيقية للناس.

"ان المختصين في حل المشاكل وقع تقديمهم على أنهم أناس واثقين جدا من أنفسهم والذين نادرا ما يبدون شكا في مقدرتهم على الفعل"[7] ، ولذلك فإنهم سرعان ما يعمدون الى المغالطة والكذب ونشر الوعود البعيدة من أجل التستر على عيوبهم وضعفهم وتقديم حلول وهمية مفبركة تعبر عن مجانبتهم للصواب وفقدانهم للجدارة وضرورة تقديمهم للمحاسبة والمساءلة النقدية والدعوة الى التحلي بالتواضع والنزاهة.

ان النظرية السياسية المعاصرة تعتمد على نظرية الألعاب وتحليل الأنساق وتعد بشكل مسبق كل السناريوهات الممكنة الحدوث في المستقبل وتحاول حذف العرضي والتعاطي مع المفاجئ وعقلنة المستقبل عن طريق التخمين والافتراض والتخيل والتوقع والتنبؤ وتتفادى الحلول القصوى وغير المرغوب فيها وتسلك المسار المنطقي وتتبع الطريق الوسط وتتماهى مع مقررات الرأي العام.

على هذا النحو" يمتلك أخصائيو حل المشاكل شيئا مشتركا مع الكاذبين بشكل محض وبسيط اذ هم يبذلون الجهد للتخلص من الوقائع ويصدقون أن الشيء ممكن طالما أن الأمر يتعلق بحقائق جائزة"[8].

كما يقوم  الساسة الشموليون باتباع نظرية التحطيم الكلي وارتكاب جرائم حرب في حق شعوبهم والدول المجاورة ولكنهم لكي يهربون من المحاسبة يخفون معالم مجازرهم وتعدياتهم ويمحون كل الشهادات التي تدون ضدهم ويرون أنه لكي تنتفي آثار الحقيقة يكفي أن يحصل اجماع بين الناس على عدم وجودها.

ان الجوهري في سياسة الكذب ليس استهداف العدو وارباكه واضعافه واحباطه نفسيا والانتصار عليه دون حرب ولا اتخاذ القرارات المناسبة بعد الاحاطة اللازمة بالمعلومات والوقائع وبلوغ الأغراض المشتركة بل يقصد الاستهلاك الداخلي والتأثير في الجموع وتحقيق غايات البروباغاندا وجني الغنائم.

ماهو مدهش أن ينخرط الكتاب والمثقفون في سياسة الكذب التي تتبعها الأنظمة الشمولية وذلك بأن بتجميلها وتقديم مساعدة حماسية لها رغم الدراية بأنها تصدرعن الواهمة والخيال ولا علاقة لها بالعقل.

ان الخطأ الأساسي الذي يرتكبه النظام الشمولي هو استعمال لغة حربية في الحياة اليومية وتحويل الكلمات الى أسلحة ترهب الناس واصدار قرارات عسكرية في المنظور السياسي وتمس العلاقات بين الأفراد. عندئذ يشجع النظام الشمولي البيروقراطية على ممارسة الكذب ويجبرها على التعاون معه بغية الهيمنة وتفكيك كل رابط قائم بين الوقائع والقرارات المتخذة وبين الخدمات الرسمية وخدمات التعليم والترفيه. زد على ذلك يجعل الحكم الشمولي من منظومة التعليم والتربية المناخ الملائم على مستوى البرامج والأهداف البيداغوجية لتفريخ ديماغوجيين كبار وحيوانات كاذبة ويتم تدريبهم على بث الاشاعة والترويج للتفاهات.

لقد جعلت السياسة لكي تقوم بخطوات الى الأمام ودون انقطاع من النقطة التي فشل عندها الحل الأمني واستحال مواصلة التدخل العسكري في تنظيم الشأن العام ، غير أن سياسة الكذب تفسد هذا الدور الهام والاستصلاحي وتجعل من مهمة السياسي شبيهة بمن يطفئ الحرائق ويعطي مسكنات بينما الأمراض تهدد الحياة البشرية والجسم الاجتماعي في تماسكه واستقراره وتمنعه من النهوض والنمو والارتقاء.

ان الدجل السياسي يسرق الثورات ويجعل المنتصرين في المعارك مهزومين ويحرمهم من تجسيم مبادئهم على أرض الواقع ويحول المهزومين الى نزهاء وكفاءات يعول على خدماتهم والاستفادة من خبراتهم. ان الكذب في السياسة الشمولية يرتكز على التفويض الذاتي وصناعة الصور واللعب بالايديولوجيات وحجب الحقائق وتضخيم الوقائع والنفخ في المعدلات والأرقام وتقليل الخسائر وتزوير الوثائق والتقارير وهدم الصحافة الحرة ومصادرة حرية التعبير والحيلولة دون قيام نظام ديمقراطي.

ان الخطر الأكبر الذي يهدد الثورة العربية هو اعادة انتاج الأنظمة التسلطية في الداخل والاستنجاد بالقوى الاستعمارية المتربصة بثروات الأمة في الخارج، وان الحل الشافي هو الاستقلالية الذاتية للأشخاص من الاستبداد والاستقلالية الموضوعية للأوطان من الاستعمار وتجسيد ذلك في مفهومي المواطنة والسيادة. ان الحكم الرشيد هو الذي ينهض من أجل مقاومة العنف وان السياسة الاستخلافية تتصدى الى الذب والدجل وتعتمد على الصدق والاخلاص وتجعل من الحكمة والفضيلة والاستقامة الوسائل الشرعية للفعل السياسي.

 لكن ألا يؤدي هذا الكذب السياسي الى شرعنة العنف؟ وألم تتشكل الديمقراطية من أجل احداث القطيعة مع هذا التراث الاستبدادي ثم أكدت ذاتها وأعادت تعريف نفسها من خلال تفكيكها للكذب السياسي والنزعة الشمولية؟

المرجع:

 

Hannah Arendt, la nature du totalitarisme, éditions Calmann-Lévy, 1972.

Hannah Arendt, Du mensonge à la violence, éditions Calmann-Lévy, 1972.

كاتب فلسفي


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز