Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


وقائع غير معلنة لموت كلمة

 يولد النص على هيئة حروف وكلمات تنتظم مترادفة وتصطف متوالية ثم تأخذ هيئتها النهائية على شكل جمل مفيدة ومضامين متسقة تمتد سطورا أنيقة وصفحات سوّية أمام عيني الكاتب المؤلف, الذي غالبا ما يمارس عملية الكتابة  بضميري "أنا". الأنا الأولى هي الأنا المقترحة والأنا الثانية هي الأنا المصححة.

  أمي العزيزة, اكتب اليك من باريس وأنا مضطرب الجوانح شوقا وألما لبعد المسافة وطول الغياب.

 ينظر المؤلف إلى جملته فيرى ما كتبته " أناه المقترحة" وقبل أن يتابع القراءة  تعترض في وجدانه " أناه المصححة”  محتجة على النص بصياغته القائمة ثم لا تلبث حتى تنقض مسرعة  لتصحيح بعض الجزئيات الصغيرة :

 أمي الحبيبة, من باريس,  اكتب اليك  بقلب يخفق شوقا لوجهك الطيب ويدك الدافئة الحانية.  

 لقد قامت " الأنا الثانية"  بتصحيح ما اقترحته "الأنا الأولى"  مما جعل النص أكثر دفئا وأقل بعدا بين الكاتب والمكتوب له على الرغم من وحدة المسافة وثبات الجغرافيا.

بعد هذه الحركة التصحيحية, يشعر الكاتب ببعض الرضا  لعمق العاطفة التي بلورتها " أناه المصححة" التي لا تلبث طويلا   حتى تثور  مجددا على ذاتها السابقة ,مقترحة إضفاء لمسة أدبية إضافية على الجملة:

 أمي الحبيبة, من باريس مدينة الجن والملائكة, اكتب إليك بقلب يخفق شوقا لوجهك الطيب ويدك الدافئة الحانية.

 لم أكن ادرك في أسوأ  توقعاتي  وأكثرها سوداوية  بأني سأحب امرأة تسكن "أناها الأولى"  كسلطانة على شفتيها. امرأة أعدمت "اناها الثانية" بدماء باردة ثم تخلصت من جثتها دون شفقة ولا رحمة .

لم تقل لي يوما: احبك. ولم تعترف لي وهي بأشد نزعات الشوق: اشتقت إليك.

كان فمها المراوغ يتمطى بكلمات معسولة مطاطة: أنت عزيز على قلوب الجميع. قال الرفاق: ان لغيابك وحشة. 

كانت مهجوسة ومسكونة بالرعب  والخوف. بذلك الخوف الكبير الذي يغمر قلب امرأة عاشقة حين تزف  ساعة الفراق الأكيد. وكانت تحدثني بتلك اللهجة الممجوجة التي تستعير لذاتها نوعا من الأهمية المصطنعة في فك الطلاسم والأحاجي عن غدر الحب وأوجاعه  وعن عبرات وعبر المحبين من صديقاتها ممن أسلمن قلوبهن لأسنّة الحب وأشفار الندامة والألم.

كنت أنظر اليها ب "عين أولى"  وعين "ثانية"  فأرها مرّة بملامح دقيقة. وجه طفولي. عينان صافيتان. شفتان دقيقتان انشقتا عن صدفة أرجوانية حمراء قانية  كزهرة رمان.

 في حين كانت عيني " الثانية المصححة" تباغتني فورا و تبادر إلى التدخل ضدا, فأرها إناء جليديا ووجها بلا ملامح, كتلة من الخداع والغرور. كان يضيق الفرق في ذاكرتي بين شكلها وثيابها. تصبح لناظري حفنة من هباء.

من تظن نفسها؟

قررت أن أسافر و عزمت على أن أهاجر.  جاء القضاء ودنت ساعة الفراق والرحيل.

حتى عندما حزمت حقائبي وهممت ظاعنا, لم تترك عاداتها المتحفظة ولغتها الخشبية البائدة بل تخندقت وراء كلماتها العائمة وعباراتها الغائمة: ابق هنا, بماذا سيفيدك الرحيل , ابق لو أردت, فبقائك أفضل لمستقبلك.

كانت "أناي الثانية" تتولى تلقائيا إعادة الصياغة بالنيابة عن "أناها الثانية" الذبيحة. وكنت أصحح  معانيها وأكمل كلماتها ولكن في قلبي:

ابق هنا أرجوك, بماذا سيفيدني رحيلك, سوى التلوي على جمرات غيابك. أرجوك أبقى حتى لو لم ترد ذلك. فبقاء حبنا ومستقبله رهن ببقائك.

 لم أبقى.  حزمت أمتعتي ورحلت الى مدينة بزانسون الفرنسية. هناك وعلى ضفة  "لو دو" كنت بعد شهر اقرأ كلماتها القليلة التي وصلتني بالبريد الى عنواني الجديد:  لم يعد للحياة في مدينة بون من طعم. اشعر اني اقترفت غلطة كبيرة. كان علي أن اعترف بكلمة مازالت حتى الساعة تحوم على شفتي.

كنت أسير على ضفة النهر بينما " أناي المصححة" تعيد صياغة نصها وكلماتها: لم يعد بعدك للحياة في مدينة بون من طعم. أشعر أني اقترفت بحقك غلطة كبيرة.  كان علي أن  أعترف لك بكلمة مازالت حتى الساعة تحوم على شفتي: إنها كلمة "احبك". 

عندما وصلت إلى التصحيح الأخير والى الكلمة الأخيرة, شعرت كما يشعر الطبيب حين يصل متأخرا ويرخي أصابعه بأسى وقنوط من حول معصم بارد يابس.

كانت كلمة " احبك" قد ماتت ودفنت في قلبي قبل أن تموت في " أناي الثانية". وكانت مشاعري قد سبقت تلك الكلمة إلى الهلاك والوفاة وغابت في ظلمات ثرى لا قرار له.  إلا أن ما وفّر على كلينا مؤنة العزاء وإجراءات الجنازة المكلفة هو أن ذلك الموت البطيء لتلك الكلمة,  والوفاة المفاجأة لتلك المشاعر,  بقيت ظروفهما سريّة وظلّت وقائعهما غير معلنة لا تستحق الطباعة ولا تصلح للنشر.



(285522) 1
الى الكاتب
طوق الياسمين
سيدي "موسى الرضا" عندما اقرا لك مقالا جميلا كهذا اتذكر المثل المصري القائل "اسمع كلامك اصدقك اشوف امورك استعجب"
سيدي الكاتب حقيقة احترنا معكم فإن كانت المرأة عفوية منطلقة في التعبير عن مشاعرها قلتم عنها "جريئة ..زينة المرأة حياءها و خجلها"و إن كان العكس قلتم انها " أعدمت اناها الثانية".
تقبل مروري و شكرا
January 3, 2011 4:53 AM


(285614) 2
احبك
mansour amar
لماذا لا يتعلم المرء من تحاربه فما بدا عما عدا
January 3, 2011 12:45 PM







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز
Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية