Arab Times Blogs
عبد العزيز كحيل
azizelbeidi@hotmail.fr
Blog Contributor since:
23 November 2009

كاتب عربي من الجزائر

الإسلام ومسحة الجمال

هل للجمال مكان في عقول أصحاب المشروع الإسلامي وبرامجهم التربوية والاجتماعية؟ إنّه سؤل له ما يبرّر طرحه بسبب ضغط موروث مزدوج يكاد يسقط الجمال من النسق الإسلامي، ذلك أن العقلية الأعرابية امتدّت عبر تفكير نصوصي كثير الجنوح إلى التحريم والتبديع فلم يترك استواؤها على الذهنيان المشدودة إلى الماضي وحده  أيّ فسحة للحسّ الجمالي،كما أنّ فكر المحنة الذي يستصحبه الدعاة منذ أكثر من نصف قرن ألقى بظلاله على الموضوع وأحال العواطف إلى الطواف بالسجون والدماء والسياط والجلاّدين فلم يترك للذوق الجمالي سوى مساحة ضيّقة، فانتهت الأدبيّات الإسلامية إلى مقاسات تطبعها الصرامة المفرطة والبرودة تجاه الجمال المبثوث في النفس والكون، وهذا أمر غير طبيعي ، ولا مفرّ من إدراج عنصر الجمال في منظومة إصلاح القلوب والعقول والمجتمعات والسلوكيات باعتباره من مكوّنات النفس السوية ومن دلائل الإعجاز الإلهي، وكيف يتلذّذ بنعم الله من لا يفرّق بين الحلو والمرّ والجميل والقبيح؟

كتب عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- إلى قائد جيشه يقول :" إذا جاء الربيع فأخرج الأجناد إلى الوادي ليروا كيف يحي الله الأرض بعد موتها "...هذه مسحة جمالية رأى أمير المؤمنين أن يزوّد رها جيشه رغم ما يبدو من تباعد بين الخدمة العسكرية والجمال،لكنّه تفطّن إلى التكوين المتكامل الذي لا يمكن أن يهمل عنصرا فاعلاً كثيرا ما استعمله القرآن الكريم لينفذ معانيه إلى النفوس :

- "ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون" – سورة النحل 6

- "إنّا زينّا السماء الدنيا بزينة الكواكب"- سورة  الصافّات 6

-" يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" – سورة الأعراف 31

-"و زينّأ السماء بمصابيح وحفظا" – سورة فصّلت 12

-"ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين" – سورة الحجر 16

-"أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه" - سورة الأنعام 99

إنّ الله جميل يحبّ أن يكسو الجمال البواطن والظواهر فيشبع العين والأذن والفؤاد،لذلك خلع مسحة الجمال على كونه الفسيح ، فآتى نبيّه داود - عليه السلام- صوتا ندياً جذب إلى ترنيماته تجاوب الطيور:" ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير " – سورة سبأ 10،و من تمام التربية الإيمانية التفكّر في خلق الله والنظر فيه لإدراك الحسن والتأثّر ببدائع الصنع وإمتاع السمع والبصر به :"صنع الله الذي أتقن كل شيء" – سورة النمل 88

-"قل انظروا ماذا في السماوات والأرض" – سورة يونس 101

-"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت" – سورة الغاشية 17-20

فالقلب يتحرّك والعين تبتهج بمشاهدة ظواهر الطبيعة الخلاّبة، ومنها- كما يقول صاحب الظلال رحمه الله - :" هذا الليل الطامي السادل الشامل الساكن إلّا من دبيب الرؤى والأشباح، وهذا الفجر المتفتّح في سدف الليل كابتسامة الوليد الراضي، وهذه الحركة يبستم بها الصبح فيدبّ النشاط في الحياة والأحياء، وهذه الظلال السارية يحسبها الرائي ساكنةً وهي تدبّ كالطيف، وهذا الطير الغادي الرائح القافز الواثب السابح في الهواء،وهذا النبت المتطلّع أبداً إلى النماء والحياة "

أليست هذه المشاهد تدغدغ العواطف وتصقل النفوس وترفع الإيمان؟ إنّه سحر الجمال...كيف لا والمؤمن يرى يد الله وراء كلّ نجم يبزغ أو يأفل وكلّ برعم يترعرع أو يذبل وكلّ ورقة تنبت أو تسقط وكلّ نبع يرفرف أو يغيض وكلّ حيّ يولد أو يموت؟ إنّ الإحساس بجمال الكون وروعته عبادة فإذا سلك الفنّ هذا المسلك فهو من وسائل العبادة وذرائعها ، وللسمع حظّه من الاستمتاع بالجمال ، فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام يشنّف سمعه بقراءة أبي موسى وابن مسعود رضي الله عنهما ، ويطرب لشعر الخنساء ولبيد وكعب بن زهير، ويتنبّه إلى ما فجّره الحادي بترنيماته من أحاسيس غلبت نساء القافلة في الهوادج فيشفق عليهنّ ويقول بعبارة فيها تأثّر وإعجاب وتشجيع أيضا :' رفقا بالقوارير يا حادي ' ، ويأتيه رجل ثائر الشعر فينتهره ويأمره بتسريح شعره وإصلاح هيئته.

 أمّا الصحابة رضوان الله عليهم فقد فهموا عن الله ورسوله معنى التربية الجمالية فتفنّنوا فيها ،ويسجّل التاريخ أنّ ابن عباس رضي الله عنهما- وهو العالم المتبحّر في القرآن الكريم والسنة الشريفة والفتوى- كان-كما يقول هو- يتزيّن لزوجته كما تتزيّن له حتى اشتهر بنوع معيّن من العطر كأنّه خاصّ به ، فإذا مرّ بطرق المدينة وجدت النساء رائحته وهنّ في البيوت فقلن :' أمرّ المسك أم ابن عباس؟ '  ، وتوارث هذا الحسّ الجمالي الأجيال الفاضلة ، فكان مالك بن أنس رحمه الله – وهو عالم المدينة الفذّ وأحد أقطاب الفقه والحديث- لا يأتي حلقة درسه في المسجد النبوي إلاّ بعد أن يرتدي أحسن ثيابه ويتعطّر ، وقد كان من أرباب العبادة والزهد..

ومن روائع حضارتنا ما تفرّدت به من مسحة جمالية فريدة في العمران كالمساجد والقصور والحصون والخطّ العربي...أو ليس قصر الحمراء – مثلا -  آية في الجمال تضاهي عجائب العالم؟ وقل مثل ذلك عن المسجد الأزرق في اسطنبول وتاج محلّ في الهند.

إنّ الذوق الجمالي يهزّ المشاعر ويربط القلوب بالمعاني السامية ، ومن علامات الخسف بالقلب أنّه لا يزال جوّالا حول السفليات والرذائل ليس له تطلّع إلى المقامات الرفيعة والأدب العالي ، وهذا من أفدح ما يصيب الإنسان ، ولقد استشرى هذا الداء حتىّ كاد يطمس ملامح الجمال في المجتمع الإنساني ، فما أجدر المسلمين أن يؤسّسوا أقساما للتربية الجمالية في الجامعات الإسلامية لبعث وتأصيل الأداة المفترض فيها تنمية الجمال ألا وهي الفنّ الرفيع لتدارك ما أصاب الحسّ من تبلّد من جرّاء استفحال النزعة المادية من جهة والروح الأعرابية من جهة أخرى.

فلا عجب من إهمال الوظائف الجمالية في ظلّ ذهنية التخلّف الحضاري وسطوة المادة، وهذا ما يحمّل دعاة الإسلام واجب تطعيم أدبياتهم ومشروعاتهم بالفنّ الرفيع الذي تلين له القلوب القاسية وترتفع به همّتها ، لأنّه فنّ يمتع السمع والبصر باللحن العذب والكلمة الطيّبة المؤثّرة والمشهد الخلاّب والأداء الجيّد ،إنّه الفنّ الذي لا يتمرّد على القيم وإنمّا يخدمها بوسائله ، ولا يمجّد الرذيلة بل يفضح قبحها ويقود الناس إلى ضدّها ،فنّ يكون بديلا عن كتاب ألف ليلة وليلة وأغاني الأصفهاني وروايات نجيب محفوظ وأشعار أدونيس و موسيقى الراي وأصنام النحّاتين ،فنّ يتناول – بدل هذا الغثاء – آمال الإنسان وآلامه ، ويدفع المتذوّقين إلى الانسجام مع الكون ويرفعهم إلى الأعلى بعد أن كان الأدعياء يهوون بهم إلى الأسفل ، ويصنع البطولة من مواقف الأمانة والعفّة والوفاء والتضحية لا من مشاهد الخيانة والجنوح والانغماس في الشهوات البهيمية والعيش في مهبّ الريح ، ذلك أنّ الجمال يجلّيه الفنّ ، والفناّن المبدع  ينفعل أمام الطبيعة ويعيش بمنهجية السلام والانسجام  فيبدع وهو يتمثّل مبادئ الصياغة الجمالية ويستشفّها في مجال السمع أو النظر أو اللمس..إنّ له وظيفة حضارية لأنّه ينشىء الحسّ المرهف ويعلّم الذوق الرفيع وينقل الإنسان من ضيق اللحظة و الحيّز إلى سعة الوجود والكون  ، كلّ هذا بتعبيرات وإيحاءات ورموز و أسرار وألفاظ و أشكال وأنغام مناسبة ، بالريشة أو الكلمة أو الآلة ، يبدع فيطرب و يؤثّر.

إن التربية الجمالية تمتدّ إلى المبدع والمتلقّي حتىّ تتفتّح العقول المغلقة والقلوب القاسية وينزاح التشدّد والإفراط في الحسية وتنتشر المشاعر الرقيقة.



(284574) 1
شكر الله جهدك
متوكل على الله
شكر الله للأستاذ جهده. فالمقال مقال جيد جدا في موضوعه وأفكاره، وفي أسلوب عرضه، وفي فوائده .
من قصيدة للشاعر أنور العطار رحمه الله في الربيع:
يـا حـبيبي أفقْ فقد ضحك الرو
ضُ وأبـدى جـمـالـه المحجوبا
واسـتـعـاد الوادي الأنيس سناه
وبـنـى الـطـير عشه المخروبا
طـرب الـقـلـب فانتشى وتغنى
ومـن الـحـب أن أعيش طروبا
وأنـا الـشـاعر الذي يغمر الأر
واح ضـحـكـاً ومـا يريم كئيبا
فـي فؤادي اللهيف داءٌ قد استعـ
ـصـى وجـرح يـمضّني تعذيبا
يـا حـبـيبي دنياك تطفح بالحسـ
ـن فـخـذ لـلـفؤاد منها نصيبا
هـات ناي الهوى وقم نملأ الأكـ
وان مـن سـكـرة الغناء ضُروبا
لا تـُـرعْ فـالـحياة يوم ويمضي
لـيـس يُـرجى لطيفه أن يؤوبا

December 29, 2010 11:21 AM


(284584) 2
مشكلتنا اننا نتبع من لم يأمرنا الله باتباعهم بل منا من يعيش على سنة الاءمة والشيوخ
ابوسكندر
ان الله جميل يحب الجمال
مشكلتنانحن المسلمين ان معظم معتقداتناالدينياتوارثناهامن الاجدادحتى عندمانتعلم الدين لانركزبقوةعلى احاديث الرسول وانمانهتم كثيرا بتفسيرات المفسرين وكأنهم هم المبعوثون وليس محمدا
ولكن لونظرناالى حياةالرسول لعرفناان اهم مايميز شخصية الرسول هو حبه للجمال وكل ماهوجميل فالرحمة جميلةوالمحبةجميلةوكل ماامربه الرسول لهوجميل وليس قبيح حتى ان الرسول كان يصفوه بانه جميل الوجه وكان جميل الملبس وجميل الخلق
فلووضعناالرسول نصب اعيننالاحببنا كل ماهو جميل وقدسنا الجمال ولكن ايضا مشكلتنا اننا لانفرق بين الجمال والتسيب او اننا نعتقد خطأ بان الحديث عن الجمال لهو من التفاهة والرعونة والهيافة لاننا نعتقد بان الجمود من الرجولة والتدين وانما الحقيقة ان الجمود من الغباء والتخلف العقلى وانما كان محمدا يحب كل ماهو جميل ويستعزب الكلمات الرقيقة والتى لاتخدش الحياء فلو تعلمنا الاسلام من محمد فقط واقول فقط لكنا مسلمين نحب الجمال ونستعزبه ونظهره دون خجل لان المؤمن يجب كل ماهو جميل ورقيق
فمشكلتنا اننا تعلمنا الاسلام من الاءمة والشيوخ فقط وفيهم مرضى نفسيين كثيرين للاسف ومنهم من يكره الحياه من الاساس وليس حب الاخرة دافع لكره الدنيا فالرسول كان لايكره الدنيا والمفروض اننا نتبع الرسول وليس الاءمة ولا الشيوخ ولا حتى الصحابة وانما نتبع محمدا ونقتدى بالصحابة واقول نقتدى فقط ولانتبعهم وانما نتبع محمدا والرسل جميعا فالرسل والانبياء فقط هم من نتبعهم
December 29, 2010 1:08 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز