Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

ألمحطة

تحت جسر الحديد انبسطت محطة القطار ككف بيضاء مغمورة بالثلج  مثلومة بخطوط سكك الحديد.  الضباب يملأ المكان فيما عصفور وحيد يطرّز الفضاء بجناحين أسودين.  على حافة المحطة وقفت وبعض المسافرين أنتظر القطار الآتي. كنّا كالبيادق الجامدة على بساط  الجليد, نفرك الأيدي وننفخ البخار الأبيض في الهواء.  حقائب الآخرين جثمت كئيبة  بجانب أصحابها وبين أرجلهم.  وحدها حقيبتي, تدلّت على كتفي ترقب بزهو مثيلاتها وقد جثمن على صقيع الأرض. معاطف الجلد والصوف والشالات الملونة كسرت رتابة البياض المهيمن على كل شيء. اشتد البرد فزاد في احمرار الوجوه المنتظرة. بدت الخدود  لوهلة وكأنها تكاد تنفجر بالصحة والعافية.

تنحنح مذيع المحطة فسقط قليل من الثلج عن مكبر الصوت:

سيداتي سادتي بعد دقائق قليلة يصل القطار المسافر إلى بازل.

رجل وامرأة كانا ينتظران على الرصيف المقابل. المرأة آريّة أصلية, هذا واضح جدا, حذاءها الغليظ  ذو المطاط البليد  يؤكد ذلك. أمّا الرجل فهو لا ريب مزيّف. انفه الحاسر فضح جذوره السلافية.

تقدما معا إلى أن صارا أمامي تماما, ألقيا التحية. رديت بمثلها ولكنها لم تكن لي بل للموظف الواقف خلفي. أخرجت المرأة لسانها من فمها وسألته: هل هذا القطار مسافر إلى.............ه...ا....م.....ب....و............. طارت كلماتها وضاعت في زوبعة قطار اكسبريس  مر  بالمحطة مسرعا  دون توقف حيث استمرت عجلاته المعدنية الهائلة المخيفة ترفس السكة الحديدية مصحوبة بإيقاع عنيف إلى أن  تلاشى نقطة ضئيلة في ذاكرة الآفاق.

تنفّس الموظّف عميقا فانتفخت بذلته الكحلية, سوّى قبعته جيدا فوق رأسه, قلّب حقيبته الصغيرة بين يديه ثم تنحى مفسحا لبضعة مسافرين  ظهروا فجأة وهم  يدفعون أمامهم عربات ملأى بالطرود والحقائب.

بدأ الإعياء يرتسم على ملامح السيدة الآرية  وهي بانتظار الإجابة. نطق عامل المحطة أخيرا بعدما استنفد وقته في التهندم والتأمل:  لا يا سيدتي.. هذا القطار مسافر إلى بازل ومن ثم إلى باريس.

لم يرضى الرجل السلافي بما سمع, فانبرى  بأنفه العجيب وبلهجة مستنكرة مرددا كالببغاء: ولكننا نريد السفر الى هامبو......................واختفت بقية الحروف بضجيج قطار محلّي كان للتو قد انطلق صوب تيتيزيه -  نويشتات  وهو ينؤ بطابقيه المزدوجين بحمولته  من العجائز والتلامذة الصغار. أكمل الثعبان البرتقالي انطلاقته بخفّة ورشاقة نحو القرى الغافية في أحضان الغابة السوداء حتى ابتعد تماما وخفتت جلبته,  فبدا صوت الموّظف المؤدب وهو يتكلم أشبه بالصياح:

قطار هذه الجهة على الرصيف رقم واحد لا يمكنه أن يذهب إلا إلى بازل أو باريس, اذهبا إلى الحافة المقابلة واستقلا قطار الاتجاه المعاكس رصيف رقم ثلاثة , فذاك  متجه إلى هامبورغ.   

المرأة آريّة, ذلك يعني إنها ذكية, واثقة من نفسها, واعية لذاتها ولا تستسلم بسهولة. حاولت مجددا بلباقة شديدة إقناع موّظف السكة الحديد, إلا أن صوتها  ضاع  مرة أخرى في هدير الترام الكهربائي المرقّط بالأبيض والأحمر بعدما وصل زاحفا ثم تمايل كالأفعوان قبل أن  يتوقف بخفّة فوق الجسر القريب.  بدأت أدراج الترام الصغيرة  تئن  لوطأة الأقدام النازلة الثقيلة والأحذية الصلبة الرهيبة. عمّت الفوضى تحت المظلة الفولاذية  المستديرة.

يبدو أن الوضع بين الثلاثة أصبح الآن هستيريا جدا.

المرأة استنفدت كل مواهبها الآرية ولكن دون جدوى. كان زوجها ينظر بشزر وحماقة إلى الموظف الذي راح شاربه الكث يرتجف منفعلا.

أخيرا فقد الموظف المؤدب أدبه وأعصابه . بدأ يسب ويلعن ملوحا بقبضته  وهو يقسم أن قطار هذه الناحية متجه إلى باريس عبر بازل وانه لا مناص لهما من الذهاب إلى الناحية المقابلة , هذا إذا أرادا فعلا الذهاب إلى  هامبورغ.

 

ارتبك الطقس فهبت ريح مشبعة ببرودة الثلوج المتراكمة في أعالي برايزجاو. تكاثف السحاب كالقطيع السارح. شردت غيمة فضية عن قطيعها. تأملت أعمدة الإنارة المرصوفة كالجند  فوق المحطة. علا عواء الريح فسارعت الغيمة تنضم إلى قطيعها الفضي. توارت بعيدا في ملكوت السماء. لاذت البيوت الوادعة  بقرميدها المغطى بالثلج الناصع  فيما راح  لهاث المواقد يتصاعد دخانا هائما نحو الشمال.

أيقنت المرأة الآرية أن الدبلوماسية مع موظف السكة الحديد لم تعد تجد نفعا. افرغت كلماتها النابية من شفتين مصفرتين دون وجل أو تردد:

اسمع أيها الرجل الدميم, ما أنت إلا ثقب حقير في البدن. سنذهب بهذا القطار ومن على هذا الرصيف إلى هامبورغ رغم انفك, بهذا القطار وليس بقطار آخر هل فهمت؟؟؟

أشاحت بوجهها عن الموظف المذهول وقد بدا لوهلة وكأنه أصيب بعارض صحي أو بمس من الصرع.  صفقت الهواء بشعر أصفر مقصف مازال يحكي قصة مجد ولّى وزال إلى غير رجعة, لابد  وان في رأس زوجها نتؤات أخرى غير أنفه, ثم أخذت  تلوّح بعصبية  بتذاكر السفر ولائحة المواعيد:

هذه بطاقاتنا اشتريناها بمالنا وسوف نذهب في الزمان والمكان والقطار الذي نريد حتى ولو كان ذاهبا إلى جهنم ذاتها.

تابع الواصلون تدّفقهم من الأرصفة المختلفة عبر النفق   باتجاه القاعة  المركزية. انفلقت جموع المنتظرين مثل موج البحر على الرصيف رقم واحد. تنحى الموظف المشتوم مجددا بحركة بديهية لاواعية مفسحا الطريق أمام سيل الواصلين العابرين وقد اختنق المكان بحقائبهم وأمتعتهم.

صفارة  الانترسيتي وهو ينوح أتيا من بعيد نحو فرايبورغ قبل أن يصل إليها ويتوقف فيها برهة ليتابع بعد ذلك رحلته إلى بازل, أثارت حركة ناشطة بين الواقفين المنتظرين فانهمكت ألأصابع تتحسس الأزرار في العروات وتتثبت من وضعية القبعات على الرؤوس ثم تزاحمت الأيدي لتناول الحقائب والأكياس البلاستيكية استعدادا للصعود الى المركبات المتصلة  كعقد طويل. أما الأرجل والأقدام فتدانت بحذر شديد من حافّة الرصيف رقم واحد للظفر بوضعية مناسبة أمام أبواب مقصورا ته المتخمة بالركاب قبيل وصوله وتوقفه القصير.

لم يلحظ احد من  الناس الذين انتصبوا كالتماثيل اليونانية تحت المظلات المعدنية العملاقة المغمورة بالثلج وجه الموظف المصدوم وقد انعقل لسانه وتجمد العرق البارد على جبهته جراء الصقيع.

وصل القطار مصحوبا بأصوات فرملات متقطعة.  شحذت عجلاته المتثاقلة حدّي السكة الحديد مرات عديدة مخلفة صليل احتكاكات معدنية ورائحة تلّوث هو مزيج من احتراق المطاط والكهرباء إلى أن همد وسكنت حركته تماما. 

فتحت الأبواب فتدفق الركاب الواصلون المترجلون وراح  المغادرون  يملأ ون المقاعد  ويشغلون ألأماكن التي خلت للتو. تواصل تدافع الجموع فبدأ الموظف يهتز ويتمايل بينهم مثل حبة البن في رحى الطاحون.

سارعت المرأة, يتبعها زوجها متشمما خطاها, إلى حجز مقصورة لهما في القطار. تعالى اصطدام الحقائب بمداخل العربات وضجيج الركّاب.

دنى الموظف من  خارج المقصورة مذهولا, فأنزلت المرأة من الداخل نافذة مقصورتها الزجاجية بشماتة وتحدي.

الثلج الذي انهمر فجأة كالقطن أثار وجد العاشقين فغابوا على أرصفة المحطة الباردة بقبلات طويلة حارّة. فتاة جميلة تدلت بجسدها من شبّاك القطار تعطي حبيبها الواقف لوداعها على الرصيف قبلة أخيرة ومن خلفهما بدت ساعة المحطة البيضاء الكبيرة وقد ذاب عقرباها معا في عناق حميم على الثالثة والربع.

 انقبض وجه الموظف ثم زاغت عيناه. تقدم أكثر فأكثر من نافذة المقصورة. فتح فمه وقبل ان يتكلم طغى صوت المذياع على المكان: سيداتي سادتي.. في غضون دقيقة من الآن سوف ينطلق القطار إلى بازل من الرصيف رقم واحد..استعدوا وشكرا. صمت المذياع ولم يقل الموظف شيئا. أطلّت المرأة الآرية برأسها متكئة بيدها على حافة النافذة وقد بدت من بين أصابع اليد سيجارة شارفت على نهايتها: ماذا تريد يا وجه الشؤم؟

_ لا أريد شيئا...لا شيء بتاتا..لكن سؤال أخير من فضلك...هل انت واثقة من مآل الرحلة؟؟

+ مآل الرحلة؟؟؟!!!

سحبت نفسا عميقا من سيجارتها فالتهمت النار لفافة التبغ حتى وصلت إلى نهايتها. أفرجت الأصابع بتلقائية عن العقب الأصفر الذابل فهوى وتوارى بين الحصى أسفل السكة.

حدّق بسذاجة في انتظار إجابتها فانفجرت بضحك جنوني: تسألني عن مآل الرحلة؟ أية رحلة؟ رحلة الصمت والرماد؟

لا يا عزيزي لست واثقة من شيء....لأني ببساطة لا أؤمن بشيء.

انشرح وجه الموظف وانبسطت ملامحه. وضع  صفّارته بسرعة على شفتيه كأنه تذكر شيئا مهما. نفخ بقوّة فبدأ القطار يتحرّك ببطء نحو الجنوب.

خطى بسرعة خلف المقصورة وهو يهتف بصوت عال: رحلة سعيدة أيتها السيدة

راح الأفق يبتلع القطار شيئا فشيئا. تناول الموظف قبّعته في يده, أطاح بها في الجو فطارت كصحن في الهواء ثم حطت على سكة الحديد.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز