Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

عن الشرق الاوسط وشاكلاتها

                 

تتعّرض اللغة العربية لأبشع أنواع الإغتصاب في زماننا المعاصر.  وتقوم الصحف ,المموّلة من دول بعينها, بحملة إشهار للأقلام وتحبير للصفحات بهدف الوصول الى ترسيخ معايير جديدة ومفاهيم طارئة في وعي ولا وعي القارىء والمشاهد العربي.

 الخطير في هذه الحملة هو إنتقال لوائها من الأعداء - اسرائيل  وتعابيرها... (المخرّب الفلسطيني) نموذجا- الى الأشقاء الذين أضاعوا البوصلة, فلم يعد يعنيهم من هموم السياسة وإلإقتصاد إلاّ خطر (الهجمة الصفوية المجوسيّة).   وتظهر سريعا ضآلة التأثير الإسرائيلي  ومحدوديّة إمكاناته البشرية والثقافية بسبب إختلاف اللغة العبرية عن مثيلتها العربية  وقلّة وسائطها المترجمة  والموجّهة الى العرب , مقارنة  بما لدى الأنظمة العربية من جبال صحف وبحيرات حبر وفضائيّات  تعرف كيف تغمز وتلمز وكيف تضرّ وتنفع,  بل ولأنها من أهل  الديرة , فهي  أعلم بالمضرّة.

 وبعيدا عن ما كان يعرف سابقا بالثوابت الأساسية الراسخة  والقضايا  والمضامين الكبرى الجامعة , على الرغم من أهميّتها,  مثل موضوع الإستقلال الوطني والصراع العربي الإسرائيلي الذي صار عند كثيرين شيئا من الماضي, أتوقف هنا  , وهنا مرتكز البحث, عند  استخدام( صحافة الإعتدال) لجسد اللغة  وجمالها غصبا  واستعباد روحها قهرا    واستيلاد التوليفات  السياسية منها    واستنساخ المفاهيم الإعلامية المستخدمة  رغما عنها.  تلك المفاهيم التي  تنطوي بدورها على مرتكزات عنفية  قاهرة  لذاكرة الحروف   ومضامين الكلمات,  إنما تكشف عن عمليات إنتهاك فاضح  يقوم بها (المرسل-الكاتب)   بحقّ (الرسالة- المقالة).  فيشرع الأستاذ المحرر ناهشا بكلماته المبتكرة  حرمة  لغة الضاد, عابثا بعفّتها.  ثم يواصل سفّاح الكلام  سلخ اللغة ومضغها  امام عيني   (القارىء- المستهلك) الذي يتابع ذلك  (الفيلم)  بشيء من البلادة وكثير من التلذذ والشهوة طلبا لإشباع نزوته العصبيّة  وإروائها دون الإلتفات الى الضحية والى ما يفعل فيها جلاّدها.

خذ تعبير ( العدو المجوسي الصفوي  وأطماعه الإمبراطوريّة) مثلا.  فالعدو هنا إيران ولكنّ شعبها في الحقيقة يتألف من أغلبية مسلمة وجالية أرمنيّة وأقلية مجوسيّة تكاد تنقرض. أما الدولة الصفوية فقد لفظت أنفاسها  قبل الدولة العثمانية بمدّة طويلة. فنحن مطالبون إذن  بإتخاذ عدو دبّجت له على عجل صفة عداوة مزعومة وأقيم له من مقابر التاريخ صرحا وبنيانا.   فالجملة أعلاه  منطوقها مفتر كاذب, إيران اليوم جمهوريّة لا إمبراطورية.  أمّا مفهوم منطوقها الناقص   فمدلوله كاذب أيضا  حتى ولو أوحى  لوهلة أولى  بشيء من الصدق   ( المجوس والصفويون مرّوا فعلا في تاريخ إيران) إلاّ أنّه سابق وغابر لا محل له من الواقع الحاضر.

 والتركيز على المجوسيّة يراد به إرجاع علاقة العرب الفاتحين الناجحين سابقا  مع الفرس الى الوراء وتجميدها عند الربع الساعة الأخيرة قبل معركة القادسية الفاصلة  تعزية للذات العربية  المهزومة  راهنا,   وشيطنة للعجم الإيرانيين بناة الحضارة ماضيا وأصحاب البرنامج النووي والصاروخي الفضائي حاليا.  أيضا  تستفزّ صفة (صفوي) الذاكرة العصبيّة الجمعيّة في إشارة الى ما حصل في زمن  الشاه عبّاس  حين   انتقل الفرس  من التسنن الى التشيّع. إذن  هي  دعوة مذهبية صريحة الى التفجّع على ضياع أندلس طائفيّة والبكاء عليها بما يرسّخ الفرق والمسافة بين أنا الجماعة والآخرالضّد.

المثل الأفضل لتوضيح الفكرة هو تعبير ( المعتدلون العرب). هذا الإصطلاح  التجريدي  والتعبير التوافقي  اتفقت عليه الولايات المتحدة الأمريكية مع بعض أصدقائها في المنطقة فصار نغمة مكرورة وعبارة فارغة من كلّ مفهوم ومدلول. ولو تأمّلنا في ( إعتدال)  هؤلاء , لوجدناه مقتصرا على الخضوع للإملاآ ت الغربية والإسرائيلية  دون قيد أو شرط. أمّا عندما نسمع لهجة  حكومات المعتدلين العرب مع مخالفيهم من حكومات عربيّة وأحزاب محليّة , عندها تصبح صفة (الإعتدال) إنتهاكا نطقيّا صارخا واغتصابا لغويا فاضحا ومجلجلا .

فقسوّة النظام المصري مع شعبه في (الخبز والعبّارة ) ومع الفلسطينيين في  حصار غزّة, وشدّة الحكومة السعودية على  رعاياها وتعنّتها مع سوريا ومواطنيها  و مع لبنان وبعض مواطنيه تجعلان  منهما أي السعودية ومصر قمّة في التطرّف الأعمى. أو  تنزعان عنهما- على الأقل-  صفّة الإعتدال. فنصبح  ملزمين  بنفي صفة أو إضافة أخرى.  ويجدر  من باب أولى أن نقول:

( المعتدلون العرب المتطرّفون) فهم معتدلون مع  أميركا واسرائيل عبر باب ظاهره الرحمة ولكنّهم  متطرّفون فيما بينهم إذ باطن الباب  من قبل العذاب.   إنهم معتدلون  متطرّفون  يضوعون رقّة خارج البيت وفي الداخل  لا  يمنحون شعبهم ولا إخوانهم ولا شعوب إخوانهم رأفة ولا رحمة. هنا يستوي الشكل ووتتّسق المعاني ويعتدل السياق  ولكن –وهنا المفارقة-  يقع المحظور بسبب  مخالفة هكذا نص لمضمون موروث حضاري عربي مقدّس  يرسم حدّ العدالة  في  الزمان والمكان ومدى الإعتدال والتطرّف ومتى يكون  ومتى لا يكون  فتنعكس  آية ( أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم) الى ( رحماء على الكفّار أشدّاء بينهم).

إنها مأساة عقليّة  يزيد من هولها   فداحة  قسوتها وانعدام مشروعيّتها القانونية والأخلاقية من جهة , والثمرات الفكرية المحرّمة من جهة أخرى  والناجمة عنها  على هيئة  مولود عنف لفظيّ  لقيط  يدعى مجازا  مقالا صحافيا.   



(276406) 1
والمصحف مفهمتش حاجة
مسلم سابق وباكل خنزير
والمصحف مفهمتش حاجة
November 4, 2010 2:29 PM


(276424) 2
أصبت
ظريف الطول
شكرا للكاتب العزيز فقد أصبت في هذا المقال كبد الحقيقة المرة من جهة وفصاحة وصياغة الحقيقة من جهة أخرى، وطبعا الحقائق التي اوردتها لم ولن تعجب الكثير من المطبلين بغباء لسياسات هذه الدول، والغريب في الأمر (على سبيل المثال لا الحصر) أن صفوة المجتمع وقياداته في بعض هذه الدول تتصرف وتعمل بعكس السياسات المعلنة للدولة، أو مغاير للتوجه الشعبي في الشارع الذي تخدره السلطه السياسية تارة بالدين والمذهب وتارة اخرى بالشعوبية والفئوية.
November 4, 2010 4:58 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز