Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

خاطرات الخريف... للتي رحلت ولم تقل وداعا

عندما وصلت الى لبنان خريف ٢٠٠٨ , لم أكن أعلم أن شيئا من تفاوت الوقت يدور بين ما يجري في داخلي وما يجري أمام ناظري. كنت أرى نفسي في حالة خلل فنّي تشبه صورة مقدّم الأنباء على الشاشة وقد سبق صوته حركة شفتيه. هي غلالة من الحزن تغلّف قلبي وتأبى أن تزول. كيف لا أشعر بالأسى؟! والمجامع السكنية رديئة البناء قامت تخنق الهواء والفضاء فيما التهمت العمارا ت المتوحشّة والمباني العشوائية المتطفلّة كل ساحات الصبا وملاعب الطفولة. زادت شعيرات الشيب في وجوه الرجال في الحي وغابت وجوه آخرين. ذبلت ورود الشوق في وجنات النساء فيما تقدّم أطفال الأمس وقد أضحوا شباب اليوم وصباياه بزنود مفتولة وقدود ممشوقة إعلانا عن ريادة جيل جديد قام على أنقاض جيل قديم, ولا ترتجى نعمة إلاّ بزوال أخرى.

 نزلت في المطار بأحاسيس مختلطة. هي زيارتي الثانية بعد غيابها. في الزيارة الأولى حاولت بشتى الوسائل أن أصل لألقي عليها نظرة الوداع الأخيرة قبل أن تغيب تحت حبّات التراب. جلست في الطائرة المتوجهة الى بيروت وقد ملأ الفراغ الرهيب جوارحي. سألني الرجل في المقعد المجاور بعض الأسئلة, لم أسمع ولم أعقل ولم أردّ . همهم بعبارات مبهمة ثم خمد. ربما لأنه انتبه فجأة لدمعة في عيني باردة مثل حبّة الثلج وقد راحت تترقرق منحدرة على صفحة الخد ثم لتغيب في اللحية كما تغيب حبيبات المطر بين الوريقات الكئيبة. لم أصل في الوقت المناسب. كان المشيّعون قد عادوا حين كانت الطائرة ما تزال معلّقة في برزخ بين السماوات والأرض. أخيرا وصلت ليلا ...آه يا ليل. فتحت أمي الباب. عزّتني بكلمات مبعثرة. دخلت وأنا أنظر الى وجوه الحاضرين ممن جاؤوا للتعزية فانفجر في قلبي بركان من المرارة والخيبة. الغضب يأكل روحي. أشعر أني أريد أن أطرد الجميع, أن أصرخ في وجوههم: أخرجوا ... هيا أخرجوا كلكم ... أخرجوا ولا تلتفتوا فلا حاجة بي الى عزائكم وألسنتكم ووجوهكم الميّتة.

 أتحامل على جراحات المصاب فتنتهي الى مسامعي حوارات هزيلة بين أشخاص لم يروا بعضهم منذ أمد بعيد وهاهم الآن يلتقطون في بيت العزاء فرصتهم السعيدة لتبادل الأخبار وأحوال الأهل والمال والولد. تزداد ثورتي ونقمتي على الأقرباء والجيران, أراهم وقد مات الإنسان في ذواتهم. ألسنة مبرمجة على عبارة: العوض بسلامتكم. مصافحة قصيرة يعقبها جلسة لبرهة صغيرة على فنجان من القهوة العربية المرّة طوال ثلاثة أيام متواصلة. أما في ذكرى الأسبوع فيتكرر المشهد بإختلاف طفيف : نفس العبارة ونفس المصافحة ونفس الجلسة ونفس القهوة لكن الختام يكون حبّة المعمول بالتمر , بالجوز أو بالفستق الحلبي. خرجت من قاعة الوصول. جاءت أمي مرحبة وقد ضاعت فرحتها بي في دوّاّمة الخوف من أن يقوم الشرطي بتنفيذ تهديداته بحجز سيارتها بعدما ضبتها وقد ركنتها في مكان ممنوع أمام صالة الوصول. كانت تعدو مسرعة لإستقبالي. خرجنا معا فيما التوتر يدفع خطواتها القلقة.

 وصلنا الى السيارة ...لم نجد الشرطي ولم نجد الغرامة. الحمدلله أخيرا (نهاية سعيدة ) منذ مدّة طويلة. في الطريق من المطار الى البيت حصلت على تقرير أولي عن آخر أخبار العائلة. سألتها إن كان أبي قد مات أم أنه مازال حيا؟ استهجنت ثم استنكرت مني هذا السلوك. التطور الأبرز في أخبار عائلتنا كما فهمت كان الإستغناء عن خادمتنا الأثيوبية "ألماز" والإتيان بخادمة جديدة من بنغلادش تدعى " مؤمنة عبد الرحمن". طبعا أمي لم تقصّر في ذكر مثالب القديمة ومحاسن الجديدة وأضافت أن إسم الخادمة الجديدة يدعوها الى التفاؤل لما فيه من معاني الإيمان والرحمة. أكيد الإيمان والرحمة أوّلا وقبل كلّ شيء, ذاك هو شعبنا الأبي , ذو الأرز الخالد, مزيج عجيب من التحرر والطائفية والإنفتاح والعنصرية في سعيه الدؤوب بحثا عن أدواته المرفّهة بين حطام الشعوب البائسة الفقيرة. وجدت ابي على شيء من المراوحة بين التحسّن والتراجع, استغليت ذلك لتعيين عرس اختي الصغرى قبل أن يقع ما يخاف ويخشى. ماذا لو فعلها ابي ومات ونحن في زحمة المناسبات المستحقّة؟.

 إذن فليضرب الحديد ساخنا, العرس بعد يومين. يومين!!! صاحت العروس مستنكرة . أجبتها : نعم يومين.

 فوجئ الصهر بموعد عرسه فسارع يدعو أقاربه والأحبّة فيما أنطلقت أدعو أقارب العروس نيابة عن والدي شفاه الله. زرت بيوت أعمامي وعمّاتي وبلّغتهم موعد الزفّة مشافهة وأكدت على الحضور. وفي أثناء ذلك قدّمتني زوجة عمي لإحدى جاراتها العجائز ممن كن حاضرات فرفعت يديها الى السماء مترحمة على أبي طالبة لروحه الفاتحة. أخبرتها ضاحكا أن أبي مازال حيّا ولكنّه يراوح عند الحافّة جيئة وذهابا. همدت ثم استدركت: الرحمة تجوز للحي وللميّت. أعدّت صالة الأفراح وزيّنت على عجل. وصل المدعوون. إمتلأت الطاولات . وصل العروسان تتقدمهما فرقة الزفّة التراثية. دبك الدبّاكون. كان وجه أبي مشرقا رغم التعب. قطع العروسان قالب الحلوى. أخذ المحتفون صورهم التذكارية مع العروسين. أنطلق موكب السيارات المزينّة بالورود لإصطحاب الزوجين الى الفندق. كنت على يقين ان الزواج مثل الموت لا راد له إلاّ هو. أخيرا أقفل هذا الملف. الحمدلله... ففي غضون يومين فقط حصلت ( نهاية سعيدة) جديدة. عدت الى مواجعي, فتحت أدراج أحزاني كلّها. وقفت عند قبرها وقد خانني الصبر والتجلّد. صحت من حريق قلبي: السلام عليك يا عمّتاه . السلام عليك ايتها الزينبية الشامخة.

 على الدنيا من بعدك العفى أيتها العالمة الحكيمة الفاهمة. ها قد أقبل الخريف بعدما رحلت في موكب الربيع وربيع وجهك مازال حيا ونابضا في القلوب. ثم انفجر الدمع الساخن من عيني الذابلتين المتعبتين, ورأيتني أبكي على نفسي. كانت السيارة تعبر بي الى المطار وقد أدركت أن عمتي التي رحلت قد أخذت معها كلّ شيء جميل من بلادي. ولم أدر؟؟ أمسافر أنا أم عائد من سفر؟ صعدت الى الطائرة مغادرا وطني الذي اختفى وجهه قبل ان أرتحل. كان الوطن قد غاب وتلاشى في ذلك القبر ولم يبقى منه سوى عمارات قليلة في (الداون تاون) يتخذها السائح مشهدا خلفيا لإلتقاط صورة تذكارية.



(276026) 1
هذه هي بيروت
جو
وشو رأيك بالزينبيات المنتشرين بكثرة على الروشة ؟

أكيد شفت بعينك انه بيروت هي عبارة عن كرخانة كبيرة تستقبل خنازير الخليج ليفرغوا حيواناتهم المنوية في زينبيات الروشة والمنارة والرملة البيضا ..

November 1, 2010 2:49 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز