Arab Times Blogs
د. هاني العقاد
Akkad_price@yahoo.com
Blog Contributor since:
12 April 2010

كاتب عربي من فلسطين

تغير المشهد

التغير هو الهدف الذي تسعي له  العديد من الدول المركزية بالمنطقة  سواء أكان بالحرب أو بالسلام  , سواء كانت هذه الدول صديقة أو عدوة  ,فلا يعجبهم ترك البلدان على حالها ولا يريحهم بقاء الحال على حاله وبقاء الدولة موحدة قادرة على إدارة شؤون نفسها بنفسها  تسعي لإسعاد المواطن وتقديم له كل ما يلزم من خدمات دون عبث أو تخريب أو زعزعة للأمن و  الاستقرار ,ولا توظف في ذلك إلا أدوات خاصة داخلية وخارجية من شانها إحداث تأثير قوي يقود إلى التغير بغض النظر عن ما إذا كان هذا التغير ايجابي أو سلبي , وفي المنطقة العربية تعدد المشاهد وتختلف من مكان إلى أخر
ومن دولة إلى أخري ومن إقليم إلى أخر ,والمشهد اختلف وتغير خلال العقود الأخيرة بفعل سياسة الولايات المتحدة بالمنطقة , فقد عبثت أمريكا  و قوي أخري بسلامة الخليج العربي واليمن وقسمت العراق وحيدت القوي المجاورة لحدودها ,بعدما أبادت ما أبادت من العرب العراقيين وسرقت من الثروات ما لا يقدر بثمن ولا يعوض عبر زمن ..!

  مع تعدد المشاهد بالعالم العربي وانقسامه إلى كتلين , بات مخيفا إن تسعي الولايات المتحدة إلى تغير المشهد داخل كل تكتل, وتقسيم كل تكتل لإضعاف ذات التكتلات وقوتهم ,خاصة أن  الحال العربي  يعتبر الآن أرض خصبة للفعل الأمريكي القاضي بالتغير الاستراتيجي وخاصة أن العرب منقسمون ومشتتون ومبعثرة فروعهم, لا بل  وبعض الفروع لا تعترف بالأصل ولا تعترف  بالكل كجسد واحد   والأدهى أن كل تكتل يجرب يتنازع أيدلوجيا مع الأخر  ويريد إضعاف الأخر ظنا منه انه يناهض الامبريالية العالمية واعتقاده بأنه سيقود الأمة الجديدة ,مع انه يتلقي كل أنواع الدعم في غالب
الأحيان من الامبريالية ذاتها ويسير حسب مخططاتها.

وجهة نظر اوباما لتغير المشهد في المنطقة  جاءت بحسب ما أعرب عنه قبل أيام من خلال الوصول إلى سلام بالمنطقة سيساعد في تغيير المشهد الاستراتيجي بالمنطقة  كلها وسيساعد الولايات المتحدة بالتحديد  للضغط على إيران لوقف برنامجها النووي  ,وبالتالي عدم وصولها إلى امتلاك سلاح نووي , وهذا  حقيقي لان الولايات المتحدة ستمتلك مفاتيح المنطقة بتكتلاتها و صراعاتها الصغيرة والكبيرة  لتبقي تبرمج المنطقة حسب رغباتها وسياستها , فلا يوجد أي كابح لأمريكا لآن تلعب بوحدة بلد كبير كمصر مثلا على خلفية خلافة النظام الحاكم الآن وتخلق  بمصر العرب أكثر من قوة
تحاول السيطرة على حكمها  وتحت مسمي الديمقراطية التي قصد من ورائها في غالب الأحيان إحداث عدم استقرار وصراع طائفي أو ديني كما نتج بالمحصلة في العراق ,  لعل الكثير من الدول بالمنطقة تخشي من تسارع امتلاك إيران للأسلحة غير تقليدية لأنه لا يوجد ضامن بأن تتوجه قوة إيران نحو إسرائيل وحدها ,فقد  يفترض أن إسرائيل  أصبحت داخل بعض الدول العربية ,حين ذاك يصبح دور إيران وأمريكا  وإسرائيل متساو ,و قد يكون على درجة عالية من التنسيق , فلا أمان للقوي الحليفة أو القوي المعادية بالظاهر , فقد تكون القوي المعادية  حليفة بالباطن والقوي الحليفة معادية
بالباطن وتقبل على ذلك تحت مسمي المصالح الإستراتيجية .

قد يكون المشهد الأساسي الذي يعني الولايات المتحدة تغيره هو إقامة دولة فلسطينية على ارضي العام 1967 وبالتالي فتح العديد من الأبواب المشرعة  بشكل أوسع  لتصبح إسرائيل بعد فترة دولة صديقة وغير معادية للعرب ,وعندها ستفتح البلاد العربية على مصرعيها لليهود والأمريكان  ويختلط العرب المسلمين والمسيحيين مع اليهود والعكس ويشتري ويبيع اليهود مع العرب بكافة العقارات حتى الأراضي العربية ليتملك اليهود ويسيطروا على عقارات متعددة بالدول العربية المجاورة لفلسطين ليكتمل يوما من الأيام مشروعهم الصهيوني.  
لعل الواضح من النوايا الأمريكية في المنطقة هو الاستمرار في إعادة رسم خريطة المنطقة العربية وهذا سيتضح خلال الأعوام القادمة من خلال ادعاء مسيرة السلام الشامل لان الأمريكان يهمهم تغير المشهد بالفعل ولكن على حال يبقي الأمريكان والإسرائيليين قوى مسيطرة  على مناطق صنع القرار بالشرق الأوسط ,ولعل تغير المشهد يقصد به تقسيم المقسم وتفتيت المفتت ,فلا يعني الأمريكان وحدة الصف العربي ولا يعنيهم الاستقرار في المنطقة العربية لان الاستقرار يعني رفض العرب لأي تدخل أمريكي بالمنطقة , فالواقع  أن المشهد في بعض الدول العربية التي تتمتع
بالاستقرار السياسي قد يقصد له التغير وقد تسعي إدارة البيت الأبيض  للاستمرار في مخطط بعيد المدى وهو المخطط الاستراتيجي الجديد للشرق الأوسط , و قد تسعي أمريكا بالفعل لإيجاد دولة فلسطينية في فلسطين جنبا إلى جنب مع دولة الكيان وفي نفس الوقت تفسد وحدة دول عربية ,وبهذا يبقي تحالفها مع العرب على حالة وعلى قوته دون أن يكشف احد أساليب التغير الخفي الذي تسعي إليه أمريكا لخدمة مخططان يهود العالم .  

تغير المشهد  يأتي بالفعل من خلال قيام دولة فلسطينية على كامل حدود ما قبل العام 1967 ومن تحقيق سلام  شامل تحجم فيه إسرائيل وتجرد من أسلحتها النووية كقوة تهدد كافة شعوب المنطقة وتحدد قوة إيران  العسكرية ويوقف برنامج اختراقها للصف العربي , تغير المشهد يأتي من خلال سلامة القرار العربي وبعده عن السيطرة الدولية وسيطرة الدول المركزية , وهذا يفرض على الولايات المتحدة اعتبار نفسها قوة لنفسها  فقط وليس كقوة مركزية بالشرق الأوسط و يفرض عليها  تفكيك  كافة قواعدها العسكرية من الخليج العربي و كافة الأراضي العربية و التزامها بدور الدولة التي لا
تتدخل في شؤون الدول الأخرى  بل وتسعي لإخلاء الشرق الأوسط من كافة عناصر التهديد والتوتر وترك دول العالم العربي تقرر مستقبلها السياسي دون تدخل و دون إرادة أمريكية خفية مباشرة أو غير مباشرة تحدث الفعل المطلوب متى قرروا تغير المشهد من جديد.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز