Arab Times Blogs
عبد العزيز كحيل
azizelbeidi@hotmail.fr
Blog Contributor since:
23 November 2009

كاتب عربي من الجزائر

صياغة انسان الحضارة والشهادة

 في ظل أجواء التخلّف الذي نترنّح تحت أغلاله وآصاره يقتصر همّ المسلم – في الغالب – على البقاء على قيد الحياة ، يواجه كل يوم تحديات لقمة العيش وشربة الماء وحبّة الدواء ونحوها ، في حين كان ينبغي أن يتجاوز معركة البقاء الجثماني إلى خوض معركة أداء الرسالة وإقامة الحضارة والوقوف موقف الشهود على الأمم والشعوب ، والحلّ يتعدى توفير مقوّمات الحياة إلى إعادة صياغة الإنسان إسلاميا حتى يسترجع الشخصية المسلوبة والإنسانية الضائعة وينجو من عوامل الخوف والقلق والسحق ليضع نفسه من جديد على طريق البناء والإصلاح    .                                                                   

      وحتى تكون الصياغة المنشودة صحيحة متوازنة يجب أن تشترك فيها عوامل التربية والتكوين في منهجية محبوكة تتفادى الرؤى الجزئية التي قد تشبع رغبات عاطفية جلية أو دفينة لكنّها أعجز من تنشئة إنسان الرسالة والتغيير والحضارة في ظل العولمة الطاغية وجبهات التحدي المتعدّدة على مستوى النفس والمجتمع والمادة والوعي ، فليس من المعقول إطلاقا تبنّي المنهج الاعتزالي وحده ، ولا السلفي ، ولا الصوفي ولا التبليغي ولا الجهادي ، فهذا من شأنه تكرار أخطاء الماضي من جهة ، وتغييب محاسن وإيجابيات التصور الشمولي من جهة أخرى ، وهو التصوّر الذي يتناول في تناغم وانسجام – وعلى بصيرة – التجارب الإيمانية الناجحة على المستوى الذهني الفكري ،والقلبي العاطفي ، والسلوكي العملي لإيجاد الإنسان الربّاني صاحب العلم والأخلاق والاستقامة والعطاء ، فيستطيع بناء المجتمع المتحضّر الراقي ، ويصنع أمجاده بتوجيه من القرآن الكريم والسنة.              

       وقبل ذلك تتيح هذه الصياغة للعاملين  للإسلام أن يقدّموا ذلك المنهج التغييري التفصيلي المتكامل الذي مازال الناس – مسلمين وغير مسلمين – يطالبون به عسى أن يستهويهم الحلّ الإسلامي بما فيه من عقيدة واضحة سهلة ومنهج للحياة تستريح له الفطرة.          

        إنّ الإنسان المتشبّع بالرؤية الإسلامية المتكاملة ينبّهه إيمانه للسنن الإلهية في الكون والمجتمعات ويندبه لإعمالها في الواقع بحيث يستطيع تحويل البعد الإيماني إلى إنجاز حضاري ، وهذا من أفضل وسائل الدعوة بين المسلمين وغيرهم ، وليس من رأى كمن سمع ، وهو وحده القادر على ذلك لأنّه يربط بين الإيمان والتقوى وبين اكتشاف سنن التسخير وزيادة الرزق ، فدينه يمدّه إلى جانب المعرفة المتنوّعة الراسخة بالبصيرة ( التي سمّاها القرآن الكريم فرقانا ) وهي نور ربّاني يجلبه الإيمان الصادق والمجاهدة وطول الوقوف على باب الله تعالى بالعبادة والتضرّع والإخبات ، كما أنّ شمولية التصوّر تيسّر  للمسلم – الفرد والمجتمع – تجسيد الارتباط بين الانتصار في ميدان المبادئ والانتصار على الشهوات وبين الانتصار في المعارك الحربية ، فليس هذا المسلم عقلانيا فقط ولا متصوّفا فحسب ولا مقاتلا بحتا ، إنما هو كلّ هذا ، فهو يحسن التفكير والتدبير ويتفنّن في تزكية النفس وعبادة الله تعالى وينصر دينه وأمّته في ساحة الوغى.                             

          إنّ الإنسان المراد إعادة صياغته – سواء كان رجلا أو امرأة – سيخرج من إطار التديّن الفردي والطقوسي إلى رحاب الشهود الحضاري مشتغلا بمحاربة الظلم السياسي والاجتماعي ، منتصرا للفقراء والمستضعفين ، مدافعا عن حقوق الإنسان والحريات بجميع مستوياتها ، رافضا للترف والرذيلة مبشّرا بالحياة الطيّبة ، مساهما في إرساء قواعدها وتنمية عناصرها تربويا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفنيا ،على هدي الوحي المنزّل والتجارب الإنسانية عبر العصور ، مستعينا بإيجابيات الغرب في النظام والإتقان والبحث العلمي والعمل المؤسسي ورفع شأن ذوي الكفاءات ، يستعمل هذه الأدوات لتبليغ رسالة الإسلام بالقدوة وبالإنجازات المعنوية والنفسية والجمالية لإشباع حاجة الغربيين الذين يشتكون من الخواء الروحي والفراغ الإيماني بسبب تحييد الدين عندهم – وهو دين محرّف على كل حال- وسطوة المادّة .                                                                   

          أنّ الإنسان المنشود يتعلّم من إسلامه ألاّ يستسلم للقدر كالجبريّين، وإنّما يواجه هذا القدر بقدر أحبّ إلى الله منه ، وهذا نتيجة لتطليق الأمية العقلية التي سادت ساحتنا قرونا ،بذلك يستطيع السير بهدي الإسلام ليخرج الناس من ظلمات الجهل والاستبداد والرذيلة والفوضى والتخلّف إلى نور المعرفة والشورى والنظام  أي ينتقل من القلق النصوصي إلى القلق الحضاري ومن التبرّك بالقرآن إلى التحرّك به ومن النظر السطحي للسنّة النبوية إلى تجسيد معانيها الكريمة في العلاقات الأسرية والاجتماعية كما في الحياة الروحية تماما ،فهو يعرف مراتب الأحكام ولا يخلط بين الأصول والفروع ، و يحسن التمييز بين الكليات والجزئيات ، ويتحلّى بالحكمة فيضع كل شيء في مكانه المناسب ولا يعطي لأيّ شيء ولا أحد إلاّ " التسعيرة " التي أعطتها له الشريعة من غير إفراط ولا تفريط  ، ومن أهمّ ميزاته الجمع التوافقي المتوازن بين التميّز الإيماني والبعد الإنساني ، فذلك يحميه في آن واحد من التقوقع المتزمّت ومن التميّع المتربّص بمن يتعاطى مع المحيط الكبير بما فيه من أفكار وفلسفات ونظريات وسلوكيات شتّى ، وموضع التوازن والوسطية هو الأصعب دائما لكنّه الأنسب لصاحب رسالة الحضارة والشهادة.

         ولا يخفى أنّ هذه الصياغة الجديدة لن تقوم لها قائمة إلاّ بقراءة أصولية مقصدية متّزنة ومتفتّحة للقرآن والسنة ولتراثنا الفكري، وباستعمال الآليات الأكثر فاعلية في فهم الواقع المتشعّب نفسيا وماديا واجتماعيا وحسن الإسقاط والتنزيل لتجاوز العقبات الحقيقية والافتراضية والموهومة في عملية إصلاح البشر والمؤسسات والعلاقات بروح الإسلام وأحكامه وضوابطه وأخلاقه



(266803) 1
شكراً لك يا استاد عبد العزيز اكحيل
سعد
مقالة اكثر من ممتازة وسلمت أفكارك النيرة يا اسناد عبد العزيز
August 4, 2010 7:34 AM


(266908) 2
للسيد الكاتب
SAMI
ما ورد فى المقالة طروحات لا غبار عليها , هى على أرض الواقع مثالية لا يمكن تطبيقها عمليا لعدم توفر المؤهلين لاعادة صياغة هذا الانسان النموذجى وربطه بشكل متوازن بكل المعطيات التى ذكرت , ومن ناحية أخرى ان تشرذم الأمة الى كيانات طائفية لاحصر لها متناحرة عقائديا يزيد الأمر صعوبة لدرجة الاستحالة لصهر الفكر العقيدى لأفراد هذه الأمة فى بوتقة واحدة شاملة ...هكذا قدّر الله خلق النفس البشرية والتى هى فى المحصلة صراع أسمائه فى آياته فى خلقه.
لك تقديرنا
August 4, 2010 11:57 PM


(266921) 3
المنهج التغييري التفصيلي المتكامل الذي مازال الناس – مسلمين وغير مسلمين
DDJ
Who told you that the west are looking for that. I don't think anyone whose mind in his head would use the 1400 years old civilization. except you and some of the guys who thinks from between his legs.
August 5, 2010 5:36 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز