Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

مزدوجو الجنسية: تصويت ضد المواطنة

هناك جانب في الانتخابات العراقية التي انتهت توا، يبدو في نظري مزعجاً، رغم أن وسائل الإعلام لم تتطرق إليه إلا قليلا، ويتعلق بحقيقة أن العديد من مراكز الاقتراع قد أقيمت في مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، لتوفير فرصة التصويت للعراقيين المقيمين فيها. دعونا ننحي جانبا -على الأقل مؤقتا- مسألة إذا ما كان من حق العراقيين في المنفى التصويت أم لا... فالذي يشغل بالي حالياً هو أنه في هذه الانتخابات، وفي انتخابات عام 2005، صوت مزدوجو الجنسية (العراقية -الأميركية)، وبدعم كامل من الحكومة الأميركية. ورغم أن رعاية الولايات المتحدة للتصويت في الحالة العراقية قد تبدو فريدة، فإنها ليست كذلك في الحالات الأخرى، حيث دأبت واشنطن على دعم تصويت مزدوجي الجنسية من الأميركيين الذين يحتفظون بجنسية بلدانهم الأوروبية والأميركية اللاتينية، ومن المنتظر أن يمتد ذلك الدعم ليشمل بلادا أخرى في الشرق الأوسط تشمل إلى جانب العراق، لبنان وإسرائيل.


والحقيقة أن قلقي يرجع لسببين: الأول والأهم هو أن تصويت مزدوجي الجنسية من شأن أن يحط من عنصر المواطنة. فطوال عقود، ظل العرب الأميركيون يناضلون ضد محاولات البعض لإقصاء الجالية عن المشاركة في الحياة السياسية الأميركية، وتمكنوا من خلال هذا النضال من تعبئة قواهم، وترسيخ حقوقهم، وكسب الاعتراف بهم بشكل أصبح موضع فخر لهم.

لذلك من الطبيعي أن نشعر بالانزعاج عندما نسمع الآن -وكما سبق أن سمعنا عام 2005- أن أميركياً من أصل عراقي، يخدم كعضو منتخب في الفرع المحلي للحزب الجمهوري الأميركي، يتباهى بأنه قد" انتظر طيلة حياته حتى يتمكن من التصويت في انتخابات عراقية!.. كذلك من الطبيعي أن نشعر بالانزعاج أيضاً عندما نسمع أميركيا من أصل لبناني، شغل من قبل منصبا رسميا في إدارة بوش، وهو يعلن أنه سيعود إلى لبنان للترشح لانتخاباته البرلمانية!

ومن الطبيعي أن ننزعج أيضا عندما نسمع عن خطط يجري تعويمها حاليا حول نية مسؤول أميركي شغلَ في السابق منصب سفير الولايات المتحدة في أفغانستان، الترشح للانتخابات التي ستجري هناك لشغل منصب حكومي كبير. كما كان طبيعيا أن ننزعج عندما نرى مسؤولا أميركياً سابقا كان عضوا في اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وهو يتولى منصب المتحدث الرسمي في السفارة الإسرائيلية بواشنطن، كما لو أن الفترة الطويلة التي قضاها في اللوبي الإسرائيلي لم تكن سوى مجرد تحضير لهذه الوظيفة!

أما العامل الثاني الذي يثير قلقي وانزعاجي والذي لا يقل أهمية عن سابقه، فهو الدرجة التي يؤدي بها تصويت مزدوجي الجنسية إلى الحط من قيمة حقوق المواطنين الآخرين، من غير مزدوجي الجنسية، في البلد المعني. فلماذا يكون لدى شخص الحق في تقرير سياسات ومصائر بلد لم يعد يقيم فيه؟ وكيف يمكن لشخص يتمتع بالأمن والأمان في أميركا أن يقّيم بشكل عادل احتياجات المواطن المقيم في بلد مزقته الحرب، مثل العراق؟

هل من العدل أو من الصواب أن يتخذ مزدوجو الجنسية القرارات التي لن يشعروا بعواقبها... وإن شعروا فبشكل سطحي؟

سيكون من الملائم بالطبع استثناء العاملين المغتربين، أو هؤلاء الذين اجبروا على العيش في المنفى. فمثلا، يفتخر الأميركيون العاملون في مختلف الدول بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الأميركية وفقا لقانون "اقتراع الغائبين"... وشخصيا شاهدت أثناء زياراتي لدول الخليج العاملين الأجانب وهم يقفون طوابير طويلة أمام مباني السفارات للإدلاء بأصواتهم في انتخابات بلدانهم. فمثل هذه الحالات لها الحق في الإدلاء بأصواتها لأن أصحابها يعملون في الخارج لفترة مؤقتة، ومن أجل مساعدة أسرهم، وهم يدينون بالولاء لدولهم، ويربطون مصيرهم بمصيرها.

الأمر نفسه تقريبا ينطبق على المنفيين الذين يعيشون في الخارج لفترة من الزمن، لأنهم اجبروا على ذلك، كما حدث لكثير من العراقيين الذين فروا من بلادهم خلال عهد صدام حسين، كما ينطبق أيضا على هؤلاء الذين غادروا العراق، أو غيره من البلدان، عندما احتدم فيها الصراع، وذلك هربا من ويلات الصراع. فهؤلاء وأمثالهم من حقهم أن تكون لهم كلمة في تقرير شؤون أوطانهم ، وأن يكون لهم صوت في انتخاباتها... لكن عندما يحصل هؤلاء المنفيون على جنسية الدولة التي هربوا إليها، فعندئذ يصبح الوضع مختلفا.

أستطيع التأكيد بأنني أبعد ما أكون عن تهمة عدم التعاطف مع محنة المهاجرين ممزقي الولاءات، لأنني أدرك تماما مدى قوة عوامل الشد والجذب التي تنطوي عليها التطورات السياسية في البلدان الأصلية لهؤلاء المهاجرين، كما أتفهم رغبة المرء في تحسين ظروفه وظروف أسرته من خلال العمل والعيش في الخارج. ومع ذلك، فإني أعود وأكرر القول إن من حق المرء أن يدلي بصوته في البلد الذي رهن به مستقبله، وإن أي شيء آخر يعتبر امتهانا لمعنى المواطنة، ولحقوق المواطن، سواء في وطنه الجديد أو الأصلي.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز