Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

لغة مزيفة... تهدد حرية أميركا

أظهرت الإدارة الأميركية السابقة ميلا خطيراً نحو المبالغة في إعلاء شأن سلوكها من خلال إضفاء صبغة دينية ووطنية على أهدافها، وفي هذا الإطار لجأ بوش إلى تصوير حرب العراق على أنها مهمة أميركية جاءت بتكلفة من الله لجلب نعمة الحرية إلى العالم، كما شبهت "الحرب على الإرهاب"، وبنفس المنطق المبالغ فيه، بالتحديات التي واجهتها أميركا في الحربين، العالمية الثانية والباردة، بأن تحولت إلى حرب كونية ضد الأشخاص الذين "يكرهون حريتنا" و"نمط حياتنا"، فيما صُوِّرَ الجنود الأميركيون الذين أرسلوا إلى ساحة المعركة في العراق على أنهم "يدافعون عن حريتنا" و"يجعلون أميركا أكثر أمناً". وبالطبع يعمل كثير من المعلقين اليوم على فضح هذا الاستخدام المغرض للغة والتلاعب بالرموز لتحقيق أهداف سياسية وتمرير أجندات مرتبطة بمصالح معينة، رغم أن القليل فقط تحدى خلال إدارة بوش تلك التجاوزات المكشوفة، فقد أحجم السياسيون عن انتقاد المبالغات الخطابية التي انطوت عليها لغة الإدارة وقتها مخافة الظهور بمظهر عدم المبالاة بهواجس الرأي العام وقلة الاحترام لتضحيات الأميركيين الذين سقطوا في العراق.

لكن هذا الخطاب المغالي في تصوير الإنجازات وتضخيم المخاوف، تزايد حتى أصبح خطاباً مقبولا في العديد من الأوساط، وهو ما ألحق الضرر بخطابنا السياسي وشوه إدراكنا للحقيقة والواقع، بعدما تشوش وعينا جراء التلاعب باللغة والمفردات وعدم إخضاعها للتحليل الموضوعي.

ففي حديثها أمام مؤتمر لحركة المحتجين على إدارة أوباما والمعروفة بـ"حفلة الشاي"، هاجمت المرشحة السابقة في الانتخابات الرئاسية، سارة بالين، إدارة أوباما لتعاملها مع إرهابي على أنه مجرم عادي ومنحه فرصة الدفاع عن نفسه، "والاستناد إلى حقوقنا الدستورية"، مضيفة أنها "الحقوق الدستورية نفسها التي حاربتم من أجلها والتي كنتم مستعدين للموت من أجل حمايتها، فالضمانات التي انتزعت بفضل نضالكم ستُمنح اليوم إلى إرهابي يكره دستورنا وحاول أن يدمر الدستور والبلاد". ولأن هذه التصريحات تنطوي على كثير من المغالطات، وتثبت تدهور النقاش العام في أميركا والتضليل الذي لحق به، فقد بات لزاماً علينا مواجهته والتصدي لأكاذيبه. فأولا من العبث إعطاء كل هذه القدرة لانتحاري تافه حاول تفجير طائرة أميركية والقول إنه يحاول "تدمير الدستور والبلاد"، وبالطبع لا يمكن التشكيك في نواياه الشريرة وفي الحقد الكامن في أعماقه، لكن إظهاره، وهو من يقف وراءه، بصورة أكبر مما هم عليها فعلا، لا يخدم أي هدف. وثانياً لابد من الاعتراف مهما كانت الحقيقة مرة ومؤلمة أنه بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الحرب في العراق وتسع سنوات على الحرب في أفغانستان، أن أياً من الحربين لم تكن من أجل الدفاع عن الدستور الأميركي. ففي إحداهما كان الهدف إطاحة النظام الذي آوى مدبري هجمات 11 سبتمبر، أما حرب العراق فقد تبين أنها استندت إلى مجموعة من الذرائع الواهية والأسباب الملفقة التي لا علاقة لها بحماية الدستور الأميركي.
وما دمنا نتحدث عن الدستور الأميركي، من الضروري التنبيه إلى إحدى المغالطات الأساسية في تصريح سارة بالين والمتمثلة في أن الحقوق التي نص عليها الدستور الأميركي قاصرة على الأميركيين دون غيرهم، فبصرف النظر عن المزاعم المقلقة التي كررها بوش في أكثر من مناسبة من أن الله كلف أميركا بنشر "نعمة الحرية" في العالم، فقد أكدت المحاكم الأميركية غير ما مرة أن الحقوق الواردة في الدستور تنطبق على جميع المقيمين في الولايات المتحدة، وليس فقط المواطنين، بل أكثر من ذلك تشير المحاكم الأميركية إلى أن الضمانات الدستورية، مثل المحاكمة العادلة وتحريم التعذيب، تنطبق على المعتقلين غير الأميركيين في السجون الأميركية، سواء تعلق الأمر بجوانتانامو أو بمعتقل باجرام في أفغانستان.

ومن المهم أيضاً أن نزيل سحابة التضليل وخداع النفس التي تلف خطابنا المبالغ فيه، وأن نتقدم بفهم واضح عن أنفسنا كشعب وعن الدور الذي نريده لأميركا في العالم، وهو دور سنكتشف أنه بعيد عن المهمة الإلهية التي يتحدث عنها بوش، كما أنه بعيد عن الشوفينية الضيقة لسارة بالين... لكن هذا الإدراك يتطلب أولا الدخول في عملية مؤلمة وشجاعة لمراجعة الذات، مع ما يستدعي ذلك من شفافية وقدرة على محاسبة النفس، ومهما كان الأمر صعباً، فإن علينا الاعتراف بتجاهلنا لاستمرار سقوط الأرواح البريئة في حروب غير ضرورية، كما أن سمعة أميركا باتت في الحضيض بسبب أعمال مروعة وغير شرعية ارتكبت باسمنا.

وأخيراً من المهم أن يدرس الأميركيون تاريخهم ووثائقهم المؤسسة، فمن العار وجود قلة من الأميركيين يعرفون ميثاق الحقوق الأميركي، بل وكما أكد ذات مرة "لي بايلي"، وهو أحد كبار المدعين العامين، لو عرض الدستور الأميركي بلغته الحالية على الكونجرس لما صادق عليه.وفي الأخير يجب التذكير بأن هذه المراوغة في اللغة والخطاب تتعدى الحروب العبثية التي تورطنا في أتونها، وتتجاوز التأثير السلبي على القضايا الأساسية في النقاش العام، لأنها تؤدي من خلال تأجيج المشاعر والتشجيع على ممارسات منافية للدستور، إلى المساس بالحريات ذاتها التي نريد حمايتها


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز