Arab Times Blogs
د. مصطفى يوسف اللداوي
moustafa.leddawi@gmail.com
Blog Contributor since:
21 January 2010

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في بيروت

المبحوح على ضفاف المجد

ربما كثير من الناس لم يكونوا يعرفون محمود المبحوح قبل شهادته، ولم يكونوا يسمعون عنه، ولا يعرفون شيئاً عن نشاطاته ولا طبيعة شخصيته، وحتى أن الكثير من المراقبين والمتابعين قد نسوا عمليات الخطف الجريئة التي قام بها في النصف الأول من عام 1989، كما أن اسمه لم يكن متداولاً في وسائل الإعلام، ولم يكن الإعلاميون يهتمون بتغطية نشاطاته وفعالياته وجولاته إلى مناطق كثيرة ومختلفة من العالم، ولم يكن الشهيد محمود المبحوح يرى في المناسبات العامة، ولا في الفعاليات الرسمية، ولم يكن يحرص على أن تظهر صورته، أو يذكر اسمه في وسائل الإعلام، كما لم يكن الشهيد محاطاً بفرقٍ أمنية للمرافقة والحماية، ولا يتنقل بسياراتٍ أمنية ولا مواكب سيارةٍ لافتةٍ للأنظار، بل يذهب بنفسه إلى الأسواق، ويجول في الشوارع والطرقات، ويلح في دعوة الأخوة والأصدقاء، وقد كان بسيطاً في مظهره، رغم أناقته في ملبسه، متواضعاً في حركته رغم عنفوان قوته، غيوراً بفطرته، ثائراً بطبيعته، صاخباً إذا غضب، هائجاً إذا ظلم، عنيفاً إذا قرر الهجوم، وصلباً إذا خاض أي مواجهة، كالطود العظيم إذا نهض، وكالسيل إذا مشى، وكالأسد الهصور إذا قرر النزال، وكالجبل رسوخاً وثباتاً على مواقفه، ولا يخضع ولا يلين، ولا يضعف ولا يستكين، لما لا يراه حقاً، ولا يقتنع به صدقاً.

ولكن العين لا تعكس الحقيقة بالضرورة دوماً، ولا تنبئ عن جوهر الأشياء بمظاهرها، فليس كل ما تراه العيون هو عين الحقيقة، أو حقيقة الصواب، فما لا تدركه العيون، أو تحيط به الأبصار، قد يكون هو لب الحقيقة، وجوهر الأشياء، وكذا كان الشهيد محمود المبحوح، فقد كان كاللؤلؤة داخل الصدفة، لا يعيرها الإنسان اهتماماً، ولا يلتفت إليها إذا ما وقع نظره عليها، بل يلقيها من يده، ويسقطها من حسابه، ولكن الحصيف العاقل، هو ذاك الذي يكسر الصدفة، ليخرج مكنونها من الجواهر واللؤلؤ، وقد جاءت جريمة اغتياله لتكشف عن حقيقته، وتفضح للعالم كله سر جهاده، وتبين لكل الناس أن هذا الرجل الذي كان ملفوفاً بثيابه وأسماله، وغير معروفٍ بشكله وهيئته، إنما كان فارساً لا يقبل أن يترجل، ومقاتلاً لا يعرف معنى الهزيمة، ولا يستسلم للعجز ، ولا يقبل بالقعود، ولا يعرف لغةً غير القوة، ولا يرى حليةً غير السلاح، ولا يعتز بغير البندقية تزين كتفه، والمسدس يشد خصره، عرف أن الرجال لا يكونون رجالاً بغير ساحات الوغى، وميادين القتال، فقرر من يومه الأول، أن يكون في مصاف الرجال، وأن يكون رفيقاً لصلاح، الذي كان يصر رغم مرور الزمان، على أنه مازال حياً يقود قوافل المجاهدين، ويحرك أفواج المقاتلين، قد جهل دوره بعض أهله، ولكن عين العدو عنه لم تنم، فرصدت جهوده، وراقبت عمله، وحصرت انجازاته، وعددت ما قام به من أعمالٍ ومهام.

ما كان لمحمود المبحوح أن يمشي على الأرض إلا مقاتلاً، وما كان ليغادر الحياة الدنيا إلا شهيداً، وما كان لرجلٍ مثله أن يموت على فراشه، أو أن تنتهي حياته بمرضٍ أو إصابة، وإنما قرر منذ يومه الأول أن يكون شهيداً، وأن يغيظ عدوه في شهادته كما أغاظه في حياته، وأن تكون صفحات حياته الأخيرة فصلاً من فصول مقاومته، ولوناً جديداً من ألوان جهاده وقتاله، كانت أحلامه معارك، وخيالاته ساحات قتال، وأفكاره سلاح، وكلماته طلقات رصاص، كل الفنون التي أتقنها كانت فنون قتال، وإبداعات مواجهة، وصور وأخيلة مقاومة، هواجسه في الليل والنهار كانت مواجهةً مع إسرائيل، وأحلامه كانت نصراً وعودة ودولةً وعلماً ووطناً.

لم تكن الحياة بكل ألقها وبريقها وبهرجها لتحرفه عن مساره، ولا لتبعده عن رسالته، ولم تقوَ الدنيا التي فتحت أمامه سفراً وسياحة ومالاً وفيراً قادرة على أن تغير منهجه، ولا أن تدنس مظهره، فقد سما فوق كل المظاهر، وعافت نفسه كل المباهج، وحلقت روحه في السماء، لتبحث عن رفاقٍ وأحبة، ولتبني له في الجنةٍ قصوراً، وفي الفردوس الأعلى مكاناً لا يدانيه فيه غير الأنبياء والشهداء، ولم يكن همه في الحياة غير أهله في فلسطين، وشعبه المعنى تحت الاحتلال، ورفاقه في السجون والمعتقلات، فكانت دموعه التي تتساقط دوماً حرى على خديه، تستحيل في قلبه وقوداً جباراً، وقوةً لا تقهر، وعزماً لا يلين، وصوتاً هادراً لا يبحُ ولا يضعف، فكان يبكي بكاء الرجال، دمعاً يستحيل قوة، وحزناً ينقلب إلى عزمٍ وبأسٍ وإرادة، ويتطلع إلى يومٍ يبكي فيه الإسرائيليين، ويجري الدمع على وجوههم حزناً وذلاً وهزيمة، وقد أقسم أن يبكي رجالهم بكاء النساء، وأن يرى جنودهم يبولون في أثوابهم كما بال الجنود الذين اختطفهم على أنفسهم خوفاً وفرقاً، وهم المدججين بالسلاح، والمستندين إلى أعظم قوى الكون، ولكن كما كانت العيون لا تقدر أبا الحسن حق قدره، ولا تعرف حقيقة جهده، فإن العيون تخدع عندما تعتقد أن إسرائيل قوةً لا تقهر، وجيشاً لا يهزم، وجنوداً لا يعرفون طعم الموت أو الأسر.

أبا الحسن ... أنت اليوم تقف على ضفاف المجد، مستعلياً بكبرياء، معتزاً بزهوٍ وخيلاء، مفاخراً بحق، فأن يذكرك الله بين ملائكته خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، وأن يباهي بك رب العزة ملائكته وخلائقه خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس، وأن يكون لك بيتٌ في الجنة وأشجارٌ وارفة الظلال، تسير تحت ظلها خمسمائة عام، خيرٌ لك من نعم الدنيا الزائفة، فإن كنت في حياتك لا تذكر ولا تعرف إذا حضرت، ولا تفتقد إذا غبت، فها هي الدنيا كلها تذكرك، وتحفظ اسمك، وتراجع تاريخك، وتفخر بسجل صحائفك، وإن كنت اليوم عن عالماً قد غبت، فإن أعمالك ستبقى خالدة، والسلاح الذي جمعت سيكون له دوره، وسيؤدي غرضه، وستبقى راية المقاومة التي عملت تحتها ولأجلها مرفوعة وقائمة، وسيبقى الجهاد الذي ناديت له ماضٍ إلى يوم القيامة، حتى نستعيد حقنا، ونعود إلى ديارنا، وهاهم إخوانك الأسرى الذين عملت لأجل إطلاق سراحهم، يذكرون أمجادك، ويعددون مناقبك، ويعدونك يوماً بالحرية، لتكون لك فرحةً عند الله كبيرة، ومن سجنهم، ورغم قيدهم، سينتقمون لدمك، ولن ينسوا الثأر لك ولكل الشهداء، وسيندم العدو يوماً أنه طالك بغدره، ونال منك بخبثه، وسيعلم أن دمك سيبقى ثائراً، وروحك ستبقى ترفرف، وسيف مجدك سيبقى يظلل المقاومين، ويذل الأعداء والمحتلين


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز