Arab Times Blogs
عبد العزيز كحيل
azizelbeidi@hotmail.fr
Blog Contributor since:
23 November 2009

كاتب عربي من الجزائر

افشوا السلام بينكم

إذا لم يغلغل الإنسان النظر في معنى السلام فإنه يبقى حائرا أمام قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أفلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟أفشوا السلام بينكم"(رواه مسلم)، ويحقّ له أن يتساءل كيف تؤدي كلمة بسيطة يسمعها المرء ويقولها عشرات المرات يوميا إلى خلق جوّ من المحبّة والألفة في العلاقات بين الناس؟والواقع أن السلام الذي يؤدّي هذا الغرض العظيم ليس كلمة يتمّ تبادلها بحكم العادة وإنما قولها تعبير خارجي عن قناعة داخلية وتجسيد لمبدإ راسخ يجب أن يصدر عنه المسلم وهو الثقافة السلمية،فالأصل في العلاقات بين الناس هو السّلم والأمن كما يدلّ على ذلك النسق الإسلامي كلّه،وعندما يلقي المؤمن السلام على غيره فكأنما يقول له:أنت في حفظ الله،الله معك،الله يصحبك، سلامة الله ملازمة لك،ذلك أن السلام اسم من أسماء الله يؤتي ثماره التربوية في واقع الناس عندما يتعاملون معه بوعي وبصيرة،والمؤمن المتخلّق بأخلاق الله يحمّل السلام الذي يلقيه على الغير شحنة من الأمن والعافية والطمأنينة والخير،فكأنه يقول لهم:لا تخافوا مني ولا تخشوا جواري ولا كلامي ولا سلوكي،فإنما كل ما يصدر منّي سلم بحكم إيماني بأبعاد اسم الله تعالى"السلام"،ولنا أن تتصوّر النقلة البعيدة التي يحدثها مثل هذا الفهم وهذا السلوك في العلاقات الاجتماعية،إنه ببساطة يخلق"التحابّ" الذي تحدّث عنه من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم،وإننا نشكو من سيطرة الثقافة العدوانية بين المسلمين رغم شيوع صيغ التحية بالسلام عندهم لأنها صيغ طقوسية آلية لا حظ لها مع الرسوخ الفكري والوجداني ، لذلك يطلقون كلمة السلام بأفواههم بغير اكتراث بخلفياتها التربوية الإيمانية وأبعادها الواقعية الملموسة،فأنىّ لهذا المنهج المتناقض أن يجعل المحبّة تنبع من تحيتهم وتحكم علاقاتهم ؟

إن علاج أمراض المجتمع يبدأ من إحلال ثقافة السلم والرحمة محلّ ثقافة العنف والنقمة، وتحية"السلام"  اذا فقهنا معناها وأصبحت تجسيدا لتصوّر عقيدي واضح كفيلة بطرد المشاعر السلبية في النفوس وتحويلها إلى مشاعر إيجابية تبعث على البناء بدل الهدم وعلى الجمع بدل التفريق وعلى إيقاد شموع الأمل بدل إضرام النار في الأخضر واليابس،وهذا عين ما يدلّ عليه الحديث النبوي،وقد رأينا في القرآن والسنة والسيرة كيف ينشئ الإسلام العلاقات السلمية بينه وبين الناس كافة ولو بمصالحة الخصوم على شروط أحادية الجانب كما حدث في صلح الحديبية،أفلا يكون ذلك أولى إذا تعلّق الأمر بالعلاقات بين المسلمين أنفسهم؟وكيف يمكن لنا إقامة الحجّة على الشعوب(لتكونوا شهداء على الناس) وإقناعها بسلمية ديننا مبدئيا واسترتيجيا إذا كنّا نرى من أنفسنا خلاف ذلك؟وأيّ تناقض أكبر من رفع شعار السلام شفويا ومخالفته تأصيلا وسلوكا؟ذلك أنّ من المسلمين قوما مازالوا يؤصلون للعدوانية والعدائية في العلاقة مع غير المسلمين،وهو ما جعل مساحة المختلف فيه تتّسع على حساب مساحة المتّفق عليه حتى إذا رسخ ذلك كفلسفة عامة أصبح يتناول حتى علاقات المسلمين فيما بينهم بسبب التوسّع الجنوني في معاني الضلال والخيانة والزيغ والانحراف والكفر.

إن السلام المنتج للمحبّة ثقافة،وهو جزء أصيل من العملية التربوية يجدر الإقبال على توضيحه وترسيخ معانيه وأبعاده وردم الفجوة بين كلمة"السلام"وواقعنا


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز