Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

سقوط الأقنعة... افتراءات إسرائيل حول القدس

كان ملفتاً رد الفعل الهستيري الإسرائيلي على الاقتراح الذي قدمته السويد بالإعلان عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، ثم رفض تل أبيب العنيد لأن تشمل القدس في سياستها حول تجميد النشاط الاستيطاني المثيرة أصلاً للشكوك والتساؤلات، مصحوباً بدفاعها عن الممارسات القمعية التي تنفذها بحق الفلسطينيين المقيمين في تلك المدينة المقدسة، وهي ممارسات وأفعال يتم التعبير عنها بقناع لغوي مزيف يخفي وراءه نوايا تل أبيب الحقيقية.

فعندما يتحدث الإسرائيليون عن القدس، عادة ما يقيمون هواجسهم إما على أساس ديني أو تاريخي مزعوم. ويجيء تعبيرهم عن علاقتهم بالمدينة بألفاظ مختلفة، أو حتى مختلقة، مثل: "القدس عاصمة بلادنا المقدسة غير القابلة للتقسيم.. ولطالما ظللنا نحلم بالعودة إليها منذ 2000 عام". ومع بداهة الأهمية الدينية للقدس، بالنظر إلى المكانة الحيوية التي تمثلها في كافة الأديان الإبراهيمية الثلاثة، فإن النظرة المتمعنة إلى ممارسات الدولة اليهودية في المنطقة المحيطة بالمدينة، تكشف عن جشع واحتلال عاريين للأرض، مجردين من أية نوازع دينية مزعومة. وحين يتحدث الإسرائيليون عن "قدس غير قابلة للتقسيم" فإنهم يتجاوزون بذلك الوصف حدود المدينة الدينية الأثرية بعيداً لتشمل المناطق والبلديات المجاورة لها أيضاً. فالقدس في مفهوم الإسرائيليين اليوم، هي كل الأراضي التي ضموها وأعلنوا عنها انفرادياً باسم "القدس" في أعقاب احتلالهم للمدينة عام 1967. ويجدر القول هنا إن أية دولة لم تقبل هذا التوسع الإسرائيلي، بل شجبه العالم أجمع في الحقيقة ضمن عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي.
بقي أن نقول إن الأراضي التي ضمت وأضيفت إلى القدس وفق سياسة وضع اليد الإسرائيلية بالقوة، تضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، ما يعني ضم الكثير من القرى الفلسطينية أيضاً. وبالنتيجة تبدو مدينة القدس في خريطتها الجغرافية الحالية، غريبة الشكل.. أشبه بدائرة الكونجرس الأميركي الانتخابية الممسوخة، منها إلى المدينة. فأطراف القدس تمتد اليوم شمالاً حتى ضواحي رام الله، وجنوباً حتى بيت لحم. ولكي تؤسس إسرائيل لفريتها العارية تلك، التي تطلق بموجبها اسم القدس على المنطقة الواسعة هذه كلها، لم تتردد في توسيع قوانينها، إضافة لمنحها الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين المقيمين في المناطق المجاورة للقدس. واستكملت تل أبيب خدعتها هذه كذلك بالتوسع في مستعمراتها الاستيطانية في المناطق المجاورة للقدس، حيث ظهرت البنايات والأبراج الشاهقة في الحدود الجديدة للمدينة، التي فرضتها إسرائيل بقوة السلاح والاحتلال الغاشم.

وقد تحولت هذه المستعمرات الاستيطانية اليوم إلى موطن لما يقارب الـ200 ألف من المستوطنين، وتبدو ذراعاً خانقة للقرى الفلسطينية لكونها شيدت من قمم الجبال إلى سفوحها، ما يجعلها تحيط بالقرى الفلسطينية المجاورة لها تماماً. ويضاف إلى ذلك عجز القرى نفسها عن النمو بسبب مصادرة الكثير منها ومن أراضيها لصالح مشروعات الإنشاءات المعمارية العملاقة التي تنفذها إسرائيل. وبالنتيجة فقد فُرضت قيود فعلية على حركة الفلسطينيين المقيمين في المنطقة، بينما أُغلقت الطرق أمام نشاطهم التجاري.

وهذا ما يدفعنا إلى القول إن "التقسيم" الحقيقي الواجب التصدي له، ليس تقسيم القدس إلى شرقية وغربية، وإنما هو فصل إسرائيل للمدينة وما حولها عن بقية الضفة الغربية. فمن المعروف تاريخياً عن القدس أنها كانت عاصمة لفلسطينيي الضفة الغربية، ليس لكونها مركزاً دينياً فحسب، بل لكونها أيضاً مركزاً تجارياً نشطاً، فضلاً عن انتشار الكثير من المؤسسات الثقافية والتعليمية والاجتماعية والطبية الفلسطينية فيها. وعندما تفصل القدس عن بقية أراضي الضفة الغربية، فكأن ما نزعت إسرائيل القلب النابض بالحياة عن بقية الجسد، ما يعني الحكم عليه بالموت مع ما يتبع ذلك من عواقب وخيمة أخرى.

وتضاف إلى هذه الممارسات عدة عوامل أخرى تكشف جميعها عن حقيقة النوايا الإسرائيلية وتميط اللثام عنها. فمنذ منتصف عقد التسعينيات واصلت إسرائيل فرضها لطوق عازل حول ما تسميه بـ"القدس الكبرى". وبذلك الطوق تمكنت إسرائيل من منع الحركة والتنقل بين مدينة القدس والمناطق المجاورة لها التي ضمتها بقوة السلاح والاحتلال. وبينما بدأت إسرائيل فرض طوقها الأمني هذا بواسطة إقامة نقاط التفتيش وإغلاق الطرق، يلاحظ استبدالها لهذه الإجراءات المؤقتة بإقامة جدار إسمنتي عازل يبلغ ارتفاعه ما يقارب الثلاثين قدماً. وعندما يكتمل بناؤه كما هو مخطط له، فإن من المتوقع له أن يتسع ليلْتهم مناطق تبعد كثيراً عن الحدود الجديدة التي فرضتها إسرائيل لمدينة القدس، ما يؤمن لها الذريعة لضم مستوطنات جديدة.

والفرية الكبرى، في كل هذا، هي ادعاءات إسرائيل عن وحدة القدس، وبالمعنى المختلق الذي تقصده. ذلك أن إلقاء أي نظرة على المدينة التاريخية من مكان عالٍ يكشف بوضوح عن ذلك "الخط الأخضر" الذي ظل يفصل جانبي المدينة، شرقاً وغرباً، حتى عام 1967. وفي الجانب الغربي من ذلك الخط، تشهق المباني العالية وتتموج الطرقات ومنشآت البنية التحتية للمدن الحديثة. وبسبب سياسات الإنفاق التنموي التمييزية التي تتبعها إسرائيل، ظل الجزء الشرقي من المدينة بحاجة ماسة إلى مشروعات إعمار البنية التحتية. ولا تبدو مظاهر الحداثة في الجزء الشرقي من المدينة، إلا على المستوطنات التي ضمتها إسرائيل وأضافتها قسراً للمدينة على حساب القرى الفلسطينية المجاورة. وعليه فإن حديث إسرائيل المخادع عن "وحدة القدس" المفتراة، لا يهدف إلا إلى طمس حقيقة مستوطناتها الاستعمارية التي لطخت بها جغرافية الجزء الشرقي من المدينة. ولمن أراد التحقق بنفسه من هذا الطمس فما عليه إلا استقلال سيارة أجرة إسرائيلية من القدس الغربية لتوصله إلى إحدى المناطق العربية المجاورة للقدس الشرقية كي يرى كم هي منقسمة المدينة على نفسها! وفوق ذلك كله لا تكف إسرائيل عن محاولات تغليب الكثافة السكانية اليهودية في ما تسميه بالقدس الكبرى، على حساب الكثافة السكانية الفلسطيني


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز