Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

اوباما في مواجهة فوضى ما بعد بوش

ليس هدفي أن استغل هذه المساحة المخصصة لمقالي الأسبوعي للتعبير عن خلافاتي مع زملائي من الكتاب الآخرين. غير أن مقالاً نشر في إحدى الصحف العربية الأسبوع الماضي، اضطرني للرد على ما ورد فيه. فقد حمل الكاتب على أوباما واصفاً إياه بالتردد في اتخاذ القرارات والضعف. سؤالي: أين رأى الكاتب هذه الخصال التي نسبها لأوباما في سلوكه القيادي العملي؟ لم يكن كاتب المقال يختلف كثيراً عن نائب الرئيس السابق ديك تشيني وغيره من "المحافظين" في وصفهم لتأخير صدور قرار الرئيس الخاص بتحديد مستوى القوات الأميركية المرابطة في أفغانستان باعتباره دليلاً على تردده، بينما يرون ما يبدو لهم مظاهر ضعف في مواجهته لتمسك كل من كوريا الشمالية وإيران ببرامجهما النووية.

غير أن الكاتب يختلف نوعاً ما عن ديك تشيني وشركاه بإضافته لعنصر آخر إلى ما يرى فيه هؤلاء ضعفاً دمغ به الرئيس أوباما، ألا وهو عدم قدرته على التصدي لبرنامج إسرائيل الاستيطاني. يلاحظ أن حديث الكاتب عن أفغانستان وإسرائيل في مقاله لم يكن سوى جملة اعتراضية عابرة وردت أثناء حديثه الرئيسي عن ضعف أوباما المزعوم وعجزه عن التصدي لتلاعب إيران ومراوغتها للمجتمع الدولي ومطالبه الهادفة إلى وقف أو تجميد برامجها النووية. وهناك ما يبرر الآن شعور الكاتب بالإحباط الذي يثيره موقف طهران، وهو ما دفعه إلى انتقاد أداء أوباما في هذا الملف وغيره من الملفات الأخرى، في معرض التعبير عما أثاره كل ذلك من ضيق وتبرم لدى الكاتب.

يذكر أننا أرغمنا خلال الشهر الماضي على تحمل سيل من التعليقات السياسية الصحفية التي زعمت تقييم أداء أوباما خلال فترة مرور العام الأول على توليه للمنصب الرئاسي. وكثيراً ما تكرر استخدام عبارات مثل "مثير للإحباط" و"النجم الآفل" في وصف العشرة شهور الأولى لولايته. كما تزايد استخدام العبارات نفسها في الصحافة العربية. وهناك ما يبرر قلق البعض في هذه الدول من ألا يرى وعد التغيير الذي بشر به أوباما، ولا الوعود التي حملها خطابه التاريخي في القاهرة النور في أي وقت في المستقبل القريب المنظور. لكن وفيما عدا ديك تشيني وشركاه في أميركا، لم يجرؤ أحد على التعبير كتابة عن أن الأوضاع ستكون أفضل مما هي عليه الآن فيما لو بقي بوش رئيساً للولايات المتحدة الأميركية إلى اليوم. ليس المقصود بهذا الاعتراض على الانتقادات الموجهة لأداء أوباما في أكثر من قضية وجبهة، ولكن المقصود هو أن يبذل في هذه الانتقادات من الجهد ما يعطيها واقعيتها المطلوبة.
ولكي نبدأ، فإن علينا الاعتراف بأن أوباما لم يسلم عصا سحرية ليحل بها جميع المشكلات التي واجهت إدارته عقب أدائه للقسم الرئاسي بعد مضي عشرة أسابيع على فوزه بالسباق الانتخابي. بل الصحيح أنه تسلم مجرافاً طالما أسرف في استخدامه الرئيس السابق جورج بوش الذي لم يدخر جهداً في حفر الكثير من الحفر العميقة المليئة بالمشكلات في مختلف أنحاء العالم. صحيح أيضاً أن إهمال بوش للكثير من القضايا الرئيسية ونهجه الطائش المغامر هما المسؤولان عن تشكيل العالم المضطرب الذي ورثته إدارة أوباما. فقد أفرزت سياسات إدارة بوش القائمة على التعصب الأيديولوجي الضيق جملة من المشكلات والتعقيدات في منطقة الشرق الأوسط وما وراءها نذكر منها ما يلي:

أشعلت إدارة بوش نيران حربين متزامنتين حصدتا أرواح الآلاف واستنزفتا ما يزيد على التريليون دولار من أموال الخزانة العامة الأميركية. وعلى رغم عدم انتهاء أي من المهمتين الحربيتين إلا إن هناك شعوراً متنامياً لدى المعلقين السياسيين والجمهور العام باحتمال أن تكون أفغانستان حرباً بلا نهاية. وهناك إيران وطموحاتها الإقليمية التي تجاوزت العراق كثيراً لتصل الآن إلى لبنان وفلسطين. يضاف إلى ذلك تصلب مواقف "اليمين" الإسرائيلي المتشدد العازم على إحباط جهود عملية السلام التي تبذلها الولايات المتحدة الأميركية، علماً بأن هذا اليمين يثق ثقة كبيرة جداً في الدعم الذي يحظى به من قبل الكونجرس، وهو دعم يطمئنه على فل عزم أي رئيس أميركي مهما كان شأنه. وتكتمل صورة هذا العالم الذي خلفته لنا إدارة بوش بازدياد عزلة الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الغضب الأوروبي وتصاعد الدور الصيني وتنمر روسيا إضافة إلى سلسلة من الثورات التي شملت القارة الأميركية بأسرها.

في مواجهة هذا العالم، من المنطقي أن نتساءل عما كان بوسع الرئيس السابق جورج بوش أن يفعله إزاء ما صنعته يداه سوى حفر المزيد من الأخاديد والحفر العميقة المليئة بالمشكلات فيما لو بقي في منصبه إلى اليوم؟ علينا الاعتراف بأن تغيير هذا العالم المضطرب، هذا الاتجاه السلبي الذي خلفته إدارة بوش، يتطلب وقتاً لبلورة استراتيجيات وسياسات بديلة ولإعادة بناء الثقة في قيادة واشنطن، ولترميم علاقاتنا المتوترة مع حلفائنا. كما يتطلب التغيير وقتاً لوضع حد لسوء سلوك الخصوم وتمردهم.

ختاماً: فقد ورث أوباما من بوش فوضى العالم الذي نعيشه اليوم. فكيف يتمنى البعض لو أن بوش يعود تارة أخرى إلى دفة القيادة؟


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز