Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

العقل الوهابي : لغته وإسقاطاته الأيديولوجية

 

قلنا في مقالنا السابق أن العقل السلفي عصي على الفهم بوسائل الإستدلال أو الإستقراء العقليين.  لذا لابد من مقاربته ذرائعيا لفهم أسبابه وظيفيا ومبرّراته ومراميه عمليا. وأولى وظائف ذلك العقل الأيديولوجية تتركز في الإنغلاق على مخزونه الثقافي. وإعتبار المخالف له خارجا من كل ذمّة. فإن تمكّن السلفي من تعميم رأيه بالقهر والغلبة,  بطش وأمعن بطشاً وإلاّ لجأ الى الإنكار والتبرير.. ثم الى التجريح والتأويل أي  "أنك أيها المخالف منحرف مدّلس وأنا قصدت كذا"  أو الى  التأويل والتجريح أي " كان قصدي كذا ولكنك ضال مفسد حملت كلامي على غير ما أردت".

 

هذا العقل الممجد لذاته المنكر لما عداه يقوم على إرثه الخاص مبيحا لحراسه المقدّسين  كل وسيلة  ممكنة لأجل الديمومة والبقاء بدء بتكذيب الآخر وتكفيره.. وانتهاء بشتمه وتسفيهه.  وأبلغ مثل لما تقدم هو تبرير ابن باز لفتواه القائلة بكفر المعتقد بدوران الأرض. فلما قامت قيامة الصحافة الخليجية عليه وعلى ما قال, أنكر فتواه مع أنها مثبتة في كتابه المطبوع بعنوان : الأدلة النقلية والحسية على  جريان الشمس وسكون الأرض. الطبعة الثانية  صفحة 23 .

ثم زعم أن كلامه قد أوّل فهو لم يقل بكفر من إعتقد بكروية الأرض وإنما قال بكفر من إعتقد بسكون الشمس.  يقول في ردّه  بالحرف الواحد: (كما أني قد أثبت في المقال فيما نقلته عن العلامة ابن القيم رحمه الله ما يدل على إثبات كروية الأرض، أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر من قال به، وإنما كفرت من قال إن الشمس ثابتة غير جارية ). هنا يصاب المرء بالدهشة بصرف النظر عن فساد رأي بن باز ونظرياته الغريبة في حركات النجوم والكواكب. فكيف أباح سماحة المفتي لنفسه  بأن يهرف بما لا يعرف  ثم زاد على ذلك بأن  ظاهر واحتج بابن القيم؟  وكأن ابن القيم  كان عالما فضائيا وفلكيا منجما؟؟

 

نترك الشيخ بن باز يستريح من عناء الفتاوي التي عجزت وكالة الفضاء الأمريكية- ناسا على أن تأتي بمثلها  ونعود الى البحث في محاولة جديدة  لمقاربة اللغة الدينية للعقل السلفي والتي ستكون طريقنا الى مزيد من الفهم فيما  لو قمنا بأخذ عيّنات  وراقبنا تفاعلاتها الإصطلاحية  وانماطها ومآلاتها "الكيميائية":

 

من خلال الملاحظة العميقة لبعض المفاهيم الدينية الفقهية والمصطلحات السياسية  للعقل السلفي  يتبين لنا أن كثيرا من المفاهيم والمصطلحات قد تقاربت وتباعدت في مرور السنين. وقد مرت تلك الكوكبة من العبارات الإصطلاحية المفاهيمية بأطوار متعددة أدت في الختام الى أن تأخذ هويتها الراهنة.      ويمكن أن نعدد بعض أنماط  (  (Typusتلك العمليات التفاعلية وثمراتها الإصطلاحية:

 

1.     عملية  الإستحواذ حد الإندماج (Fusion)

 

من ثمرات تلك  العملية ظهرت كلمة سلطان بمعناها المستجد. فكلمة سلطان تعني في الأصل سلطة, إلا أنها لاحقا وفي فترات متأخرة أي ما بعد زوال الدولة العباسية أصبحت  تعني صاحب السلطة . وبعملية رياضية بسيطة تكونت المعادلة على الشكل التالي: الحاكم + السلطة = سلطان  

من الواضح أن دمجا قد جرى بين مصطلحي السلطة  وصاحبها بفعل الإستحواذ والجنوح الشديد من الحاكم نحو سلطة مطلقة فصار هناك تماثل وتطابق ومن ثم إندماج بين  كلمة حاكم من جهة وكلمة  سلطة من جهة أخرى فبرزت كلمة سلطان لا بمعناها الأصلي أي السلطة وانما  بمعناها المستجد  أي الملك  وصار السلطان هو نفسه الدولة ( لاحظوا لقب دولة الرئيس) وفي ذلك تفوق سلاطين العرب على لويس الرابع عشر وسبقوه بقرون عديدة.

2. عملية التسلسل التصاعدي (  :(aufsteigende Kette

 

هذا النمط  التصاعدي في العملية التفاعلية المركّبة بين التاريخ واللغة وسط جنوح كبير من الحاكم سوف يصل الى مستويات غير مسبوقة. فأبو بكر كان ينظر لنفسه كأمير للمؤمنين خليفة لرسول الله.

لاحقا صارت كلمة خليفة تستخدم بشكل مجرد دون مضاف إليه.

عندما استوثق الأمويون من استقرار دولتهم  راحوا يجاهرون بفهمهم الخاص للخلافة بما هي  ظل إلهي على الأرض . فالخليفة أو الحاكم  ليس خليفة لرسول الله فقط  كما كان الأمر في زمن الراشدين وإنما أصبح الخليفة  خليفة الله وظلّه في الأرض وله من الصلاحيات في الأرض ما يعادل تقريبا صلاحيات سلطة السماء. ويمكن أن نتتبع أثر ذلك في زماننا الحاضر عبر الألقاب الملكية المعاصرة :" جلالة الملك", "صاحب الجلالة" حيث تتقاطع الجلالة الملكية مع الجلال الإلهي . وهذه المقاربة اللقبية هي أبلغ اثر ثقافي أموي معاصر لدى الملكيات العربية.

 

فبعد أن كان الحاكم يملأ مكان النبي ويحكم باسمه , أصبح لاحقا  " يملأ مكان" الله ويحكم باسمه في جنوح  شديد وهائل نحو سلطة مطلقة مطبقة لا يحدّها حدّ  ولا يجرؤ على القدح في مشروعيّتها أحد.

 

3. الحذف والإضافة والإختيار الرغبي((selektive Wahrnehmung

من أفضل ما يمكن تقدّيمه في هذا الصدد مفهوم  ومصطلح الجهاد الذي يحمل في جذوره الأولى وشكله الأول معاني الجهاد الأكبر أي  جهاد النفس بما يعنيه من مقاومة لرغبات النفس وأهوائها. إذن لقد حذف جزء أساسي من مضامين المصطلح لإسباب سياسية أيدولوجية وتحول الجهاد الى مجهود عضلي  مجرد من خلفيتة الأخلاقية التربوية.

هنا يبرز أبن تيمية كأحد المنظّرين المتحمسين  لحذف البعد الروحاني التربوي  عن مصطلح الجهاد معتبرا حديث النبي ( عدتم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر) موضوعا ولا أساس له من الصحة. لا بل إنه ذهب الى القول أن هدف ذلك الحديث  الموضوع هو توهين عزيمة المسلمين في قتال المشركين.

وبذلك جرت توأمة سياسية نفسية لغوية واعية وحتى لا واعية بين الجهاد والسيف فلا يذكر الأول إلا ويحضر الثاني في تلازم غريب أحكمه بن تيمية في تركيزه على الجانب العنفي دون سواه انغرست على أثره  في وعي العامة بعض مضامين وأبعاد المصطلح  مبتسرا ومنتقصا  بل ومتلازما مع تجاهل تام للمضامين والأبعاد الجوهرية الأخرى المتمّمة له.

 

 

ختام : السلفيون وآلة الزمن

 

إذن "العقل السلفي الخاص "  ذو الطبيعة العنفية  والذي لا يحتاج الى اي تخريجات عقلية أو مسوّغات عقلانية ما  هو في المحصلة سوى  ثمرة مبررات دينية-إجتماعية سلطوية أخذت تبني لنفسها  عبر الدهور أدواتها المعرفية العصبية  الخاصة  مشفوعة بمبررات ودوافع حزبية سياسية عسكرية أيديولوجية ,دوافع  راحت تتراكم وتتلازم ثم صارت تتابع تراكمها لكي تشكّل أخيرا العقل الأصولي المعاصر للسلفية بأشكالها المختلفة  العلمية منها  والجهادية.

بل لعل تلك النزعة العنفية الأصولية المتوترة لدى بن تيمية قد أصّلت  وركّزت ميلا إلغائيا لدى دعاتها السلفيين المعاصرين تمثل في محاولاتهم راهنا التعبير عن أنفسهم  بطريقة جذرية قهرية عبر السعي الى طمس و إلغاء أكثر من  عشرة قرون من عمر التاريخ  والرجوع  سريعا بالحياة – على الأقل عبر شكلهم وملبسهم- من القرن الخامس عشر   للهبوط فورا في القرن الهجري الأول طلبا للعيش مع الصحابة والتماهي معهم  وإعتبار القرون الواقعة على امتداد أربعة عشر قرنا  ملغاة بناسها  وتراثها  وعلمائها واسهامات أهل زمانها.

ومع التسليم بعبثية المحاولة  إلا أن هذه النوستالجيا الدوغمائية تكشف إذ  تتستر في زيها الرومانسي عن نزعة إلغائية كامنة لا تستند إلا الى  ذاتها المؤدلجة.

 

من المؤكد  أنه لو قيض للسلفيين بتياراتهم المختلفة أن  يبتكروا آلة للسفر عبر الزمن والعودة الى عصر الرسول , فلن يتمكّنوا – كما يتخيلون-  من قضاء ساعات  ولقاءات سعيدة هانئة بصحبة  النبي وأصحابه والسبب ببساطة هو اختلاف العصور  وما يستتبع ذلك من اختلاف المعايير وتباعد المفاهيم الدينية واللغوية بشكل أساسي.  و لو قدّر لهم  فعلا أن يحطّوا في القرن الأول للهجرة, فسيفاجأون بأنهم غرباء  ومختلفون عن مجتمع يثرب  "البدائي".  وسيكتشفون أن قراءاتهم وفهمهم للإسلام ما هو إلا نتاج مفاهيم وليدة وجديدة لقراءات وآراء عديدة تراكمت عبر عصورمتأخرة  جدا عن زمن الدعوة  بحيث أن نصوصهم  تلك قد تجاوزت  "بحداثتها"  المصطلحات والمواد "الخام" للقرآن كما عرفها النبي والمسلمون الأوائل.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز