Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

العقيدة ألوهّابية: من إستئصال العقل الى عقل الإستئصال

شهد التاريخ الإسلامي في أروقته العتيقة نقاشات وسجالات متتابعة عبر العهود. وكان العقل موضوعا دائما للطرح والنقاش الذي استعر في زمن الأمويين وامتد الى العصر العباسي . فنشأت الفرق وراح المتكلّمون يكيلون المدح للعقل أو الإنتقاص منه.

وارتفعت اللهجة فقال الأشاعرة: إن الهداية للشرع ....متذرعين بالآية: لا تهدي  من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.

وخالفهم المعتزلة : لا بل إن الهداية للعقل... محتجين بالنصوص القرآنية التي تحث وتستنكر على الناس عدم استخدام عقولهم : أفلا يعقلون.

 وظل الحوار دائرا وقائما فكان يشتد حينا ويخفت أحيانا الى أن حصل ما يشبه المساكنة والتعايش بين الفكرتين ودعاتهما من اصحاب المدرستين.

 في القرن الرابع للميلاد ظهر  "عقل خاص" قام بهندسته ابن تيّمية مستعينا بإرث جدالي كبير لم تحسم نتائجه في أوساط الأمة الإسلامية. فموضوع أيهما أفضل علي أو معاوية وبالرغم من تقادم السنين  لم يكن قد حسم بعد  بين الجماعات الدينية الموحّدة لله , إلا انه ظلّ في إطاره الحماسي الثقافي  بعيدا عن الطعن والتكفير  ودون أن يؤدي بالمتنافسين بين الحزب الأموي من جهة  و الدوحة المحمدية من جهة اخرى الى شحذ سيوفهم  وسرج خيولهم وإتهام بعضهم بعضا بالخروج من عقيدة التوحيد. 

 بناء على ما تقدّم ظل الجدال محصورا بالسلطة وأحقية الحصول عليها ومن أخطأ ومن أصاب.   ولكننا مع ابن تيمية سنشهد مادة جديدة غير مسبوقة للصراع.

 مع ابن تيمية سيعاد الإعتبار الى نظرية " الكفرة الصلعاء" الذي يرتكبها كل من يجرؤ على الجهر بمخالفة معاوية والتي أوردناها في شهادة الشهود الأربعة الذين إختلفوا في إسلام حجر بن عدي من عدمه ولكنّهم  إتفقوا  على حق معاوية بن أبي سفيان المطلق في وضع حد فوري لحياة حجر  دون أن يكون لإبن عدي  أدنى حد في المرافعة أو المدافعة عن نفسه في محكمة الخليفة. 

مع ابن تيمية إتخذت تلك الإندفاعة العاطفية العمياء وراء معاوية وسلطته هيئتها الجديدة من مجرد كونها مشاعر وشهادات  في الحب والبغض الى مصطلحات ومفاهيم وأحكام شرعية تترتب على آثارها  مصائر الشعوب  وتدق لأجلها  الأعناق وتباد بسببها  الممتلكات.

لم يعد مهما في النقاش حول علي ومعاوية من أصاب منهما ومن أخطأ , بل أصبح السؤال: من هو المسلم الحقيقي؟ ومن هو المشرك "الخفي"؟ 

 بعد  ثورة بن تيمية  الكودية الإصطلاحية في القرن الرابع الميلادي, لم تعد تسري مقولة أن للناس في ما يعشقون مذاهب. صار الإختلاف قرين الكفر إنتقل  معه المسلم المخالف بالرأي  آلياً وتلقائياً من درجة مسلم مختلف ومعارض فكري  الى مرتبة مشرك خفي يلبس لبوس المسلمين.

هنا تعالى النزاع على مستوى الحقوق الى مستوى الوجود وأخذ مداه الأقصى على طريقة كن أو لا تكون.

 " العقل الخاص" الذي أسسه ابن تيمية سيصبح أكثر مأسسة مع تلميذه ابن القيم ثم سيكتمل نموّه  ويصل الى سن الرشد مع ابن عبد الوهاب الذي زاوج حركته العقلانية الإصلاحية الدينية مع الدولة السعودية الوليدة  فوق حطام الخلافة العثمانية مطلع القرن الماضي حين باشر   مدعوما بالسلطة النجدية  الجديدة بتجريف القبور والمقامات كونها تخالف عقيدة التوحيد الصحيحة وحارب المتصوفة بضراوة شديدة بإعتبارها عقيدة باطلة مبتدعة .

 وعلى نهج بن عبد الوهاب  سار من بعده  أتباعه ومريدوه  فهمّشت المدارس الشافعية الحجازية وانتشرت الدعوة الوهابية في العالم الإسلامي السني مدعمة بالمال السعودي الغزير  على حساب باقي المذاهب الأربعة المعروفة.

 من الجدير ذكره في هذا المورد هو أن الطفرة الوهابية وتمددها كان على حساب شقيقاتها من المدارس السنية دون الشيعية. لا بل إن تلك الطفرة زادت  من التجاذب المحوري الذي أدى الى تقوية الشيعة وتصليب عودهم في مناطق انتشارهم المختلفة من العالم.

 لم يستطع ذلك " العقل الخاص" أن يهضم الخرافات الشركية لبعض الفرق الضالة المخالفة  طارحا نفسه حلا ً كاملا وشاملا لهزيمة الكفار وإستئصال شأفتهم ولكن...  أولا بعد الإنتهاء من القضاء على الفرق الدينية المنافسة والمذاهب الإسلامية المخالفة. 

 هنا تصبح النظرية السلفية شبيهة بالشيوعية الثورية التي كانت تنادي في سبعينيات القرن الماضي بالإعمار ولكن أولا بعد تهديم البناء القائم وإزالته تماما.

 من المثير للحيرة كيف وائم هذا "العقل الخاص"  بين عقلانيته التوحيدية الخالصة  المستنكرة للبدع والتبرك بالأولياء كون أنهم بشر  ليس لهم قدسية ولا ينفعون ولا يضرون  وجوّز لنفسه من جهة أخرى التمسك بآراء أوليائه ومفتيه الوهابيين  بقداسة أكثر رديكالية رغم أن هؤلاء المفتين مجرّد بشر .. ورغم أن آرائهم  الغريبة العجيبة مخالفة لمنطق العلم  والعصر  حيث يزعم مفتو الوهابية  بضلالة من يعتقد  بكروية الأرض وبأن إعتقاد المسلم بذلك مروق من الدين يوجب إقامة الحد عليه بالموت قتلا.

 وبناء على منطق ذلك " العقل" يصبح تبرك أحد المسلمين بقبر النبي بدعة بعينها, أما  قتل مسلم آخر  وإدخاله الى القبر لأنه اعتقد بدوران الأرض حول نفسها ,  فمن السنة المؤكدة والصنعة الحسنة.

 لذا يكاد  يشابه المستحيل إمكان مقاربة  ذلك  "العقل الخاص"  بناء على قواعد وثوابت عقلائية.

علينا أن نبحث عن المبررات الكامنة بغض النظر عن مقبوليتها وعقلانيّتها من عدمها.  ولعل معرفة الأسباب هي   الخطوة الأولى في الطريق الى  فهم الدوافع والمبررات.

في هذا الصدد يبرز الفيلسوف الألماني  شبنهاور سبّقا الى التفريق بين العقل والتفكير حين إعتبر العقل علاّقة الثياب التي تحمل الثوب أي التفكير.  ولن نفهم الثوب إلا في سياق فهمنا لعلاّقة الثياب  التي تحمله.

في بحثنا لابد لنا من  أن  نجهد  في فتح الخزانة المغلقة بعد قرون طويلة  لننظر الى العقول المعلقة  ثم لنحاول تلمّس "البصمات  السلطانية"  التي علّقتها في خزائن الإيديولوجيا  المظلمة تلك المدّة  بغض النظر عن الأثواب المتدلية  منها  و روعة  زركشاتها التراثية البديعة .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز