Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

حصان البلدية 2

بعد أشهر من إندلاع الحرب وتمزيق تلك البوسطة الحمراء بالقنابل والرصاص في عين الرمانة, امتقع وجه المدينة واعترته بقع طفيلية لمليشيات متعددة مسلحة ظهرت فجأة على السطح وامتدّت طفحا جلديا متغضّنا. إنطفأت أضواء الشوارع العامة, أقفرت الأحياء والمساكن, استشرى  المقاتلون وانتشروا  وباء قاتلا  في كل مكان. كنا في الليل نسمع قرقعة السلاح والمسلحين يمرّون في طريق عودتهم من خطوط التماس, يسحبون "أقسام" رشاشاتهم لتأمينها بعد إخراج رصاصاتهم من "بيت النار"  .

في صباح  اليوم التالي كنت أتابع الذهاب كالمعتاد الى المدرسة. أمرّ  بجداري العزيز المثقل بالصور للإطمئنان عليه,ألاحظ الفوارق الفنية بين البوسترات والشعارات الإيكونية التي غالبا ما كان محورها سلاحا رشاشا أو رمانة يدوية.  حاولت مرارا بعقلي الصغير أن أفك اللغز الذي يربط الرمانة اليدوية بعين الرمانة فما اسطعت. أصبح الجدار أعظم من سور الصين العظيم.  صارت الفصائل "الوطنية"  تتنافس  للإستحواذ على أكبر قدر منه لا بل أن تلك الفصائل راحت  بمليشياتها المختلفة  تتناتش فيما بينها وبحدّة أكبر يوما بعد يوم للبروز فوقه واحتلال  مساحة إعلانية  اكبر من متنه وحواشيه  لشعاراتها السياسية  وشهدائها المحازبين.

وفي أحد الصباحات الباردة  تناهي الى سمعي في الطريق الى المدرسة من خلف ذلك الجدار الصابر الصامت  صوت عبدالحليم حافظ يغني: يا ولدي قد مات شهيدا. وقفت أتأمل صور الآتين الجدد  من المقاتلين الشهداء وهم بكامل عدتهم وأسلحتهم مع شارات النصر تعلو أيديهم وأصابعهم.  أضحت ماكينات الموت أكثر حرفية ومهنية, تطوّرت بسرعة قياسية في فن تقديم ضحاياها ومناضليها. خلت لوهلة أن عبدالحليم يغني   خصيصا لمن سقطوا في هذه الكوكبة وارتفعت ابتساماتهم هنا عند هذا الحائط الكئيب. نظرت مجددا الى مصدر الصوت فإذا هو ينبعث من باتيسري لبيع الحلوى يملكه جار مسيحي اسمه "وليم".  ظلّ الباتيسري مقفلا بعد اندلاع الحرب لأسابيع عديدة إلى أن استهدى "أبو الرعب" , أحد مسؤولي المليشيات اليه فاستولى  بالقوة عليه محولا إياه الى "فليبرز" للتسلية. أيام قليلة لاحقة,كرس الفليبرز خلالها مقرا ومستقرا للأحزاب والمسلحين  وملجأ  للصغارالهاربين من المدرسة, أولاد في العاشرة وفي الثانية عشرة يوهمون أهاليهم أنهم ذاهبون الى الدراسة, كانوا يتجمعون في الفليبرز يدخنون السجائر ويلعبون بمختلف الآلات الكهربائية  تمهيدا للدخول في لعبة الكبار وطاحونة الرجال والسلاح حيث كانت الأحزاب والمليشيات المناضلة في الفليبرز تتلقفهم بلهفة ذخيرة جديدة لآلة الموت والدمار. 

أصبح  الجدار ذاكرة الحرب ودفتر يومياتها و صار مروري به كل صباح  ضروريا لتقصي آخر أخبارها وحصادها. كنت أقف ساهما, أتأمل الإبتسامات الفتيّة والمانشيتات الناعية أو المتوعدة وكان صوت عبدالحليم يرافق تأملاتي منبعثا  من الفليبرز كموسيقى تصويرية لشريط سينمائي : يا ولدي قد مات شهيدا.. يا ولدي  قد مات شهيدا. . من مات فداء للمحبوب. . من مات فداء للمحبوب.  

في اليوم التالي  وكالمعتاد أثناء جولتي التفقدية للجدار المثخن  في الطريق الى المدرسة , إقشعر بدني وأصبت بالذعر لمشهد بركة كبيرة من الدم على زاويته الأمامية لجهة الطريق. خلال ثوان قليلة وقبل أن أفيق من هول الصدمة, وصلت سيارة جيب مدججة بالمسلحين تحمل على متنها رشاشا ثقيلا من طراز دوشكا من عيار 12,7 مليمتر.  قفز المسلحون منها وانتشروا بسرعة وخفّة, دخل أحدهم الى الفليبرز, سحب الشغيل من ياقته ثم جرّه الى الشارع  خارجا ..انهال عليه ضربا وركلا  مّرة بعقب الكليشنكوف ومرّة بحذائه العسكري : تكلّم يا بن ال... أين فلان؟ والله لا أعرف.. صدّقوني لا أعرف.. ثم فاض فم الشغيل المضرروب بالدماء  فبصقه كمن يحتضر فوق بركة الدم المتجمد أمام المحل. تقدّم أحدهم وقد بدا من هيئته ونوعية ثيابه المرقطه أنه مسؤولهم, دنا المسؤول ببطء من الشغيل المدمى الجالس في الأرض,  وبلمح البصر انقض عليه ساحبا إياه من شعره   ثم راح يدوس رأسه بالرنجر العسكري حتى أغرق كامل وجهه وأنفه في بركة الدم المتخثر اللزج وهو يصيح فيه:  قل لإبن ال.. دم شهيدنا لن يذهب هدرا ...سأفعل كيت وكيت بأمه وأخته والمنظمة التي تأويه.

ركب المسلحون في الجيب  بعدما تركوا ورائهم جسدا لشبه رجل مطروحا فوق بقعة دم جامدة هي ليست له وراحوا  يطلقون النار في الهواء بينما كان الجيب يبتعد  بهم مسرعا  الى جهة مجهولة .  انعقل لساني,  وتجمّد الدم في عروقي . لم أعرف أين أذهب وكيف. عدت الى البيت تتخطّفني رعدة إثر أخرى. رحت أحكي قصة الرجل المدمّى وأصف الدوشكا وبركة الدم واللحى  والشعورالطويلة والثياب المرقطة . 

لم يمض كثير من وقت حين  تكشّف لأهل الحي لغز بركة الدماء المجمّدة  تلك.

أبو الرعب,المناضل الطبقي  محرر باتسيري وليم  ومحوّله الى منتدى فليبرز ثقافي للرفاق الثوار,  كان تلك الليلة قد سطى على محل لبيع الذهب بمعاونة مسلح من تنظيم آخر. أنهى الرفيقان  بنجاح كبير مهمتهما القتالية, عادا معا كتفا بكتف  من الأسواق التجارية الى الفليبرز المغلق ليلا  ليكون المكان الآمن لتقاسم الغنائم بعيدا عن أعين الفاشيست والعملاء أعداء الثورة.  في  منتهى الطريق دب الخلاف بين الرفيقين الشريكين على المعايير الفنية لتحديد الحصص. وصلا  أمام المحل وكان الخلاف بينهما قد اتسع واتخذ بعدا  أيديولوجيا عميقا , لا.. إلا كرامة المنظمة.. شعر أبو الرعب بإهانة عقائدية, قرر فورا أن ينهي المشكلة على طريقته الخاصة ,شهر مسدسه وأطلق الرصاص على رأس  شريكه الذي سقط أرضا. في الصباح جاءت سيارة الإسعاف وأخلت الجثة ولكن بركة الدم ظلت شاهدة  حمراء  على  ما جرى في ظلام الليل.

نجى أبو الرعب بغنيمته وجريمته كما كان من قبل قد نجى  بمصادرة باتيسيري وليم وتحويله الى مرتع للحشيش ومصيدة للأولاد الأحداث الداخلين في آلة الخراب والموت. وحده العامل الفقير لم ينجو من تبعات أعمال سيده فضرب وأدمي وغمّس رأسه ببركة  ثخينة.

كنت أنذاك في السابعة من عمري وكان هذا لقائي الثاني مع الدم بعدما كنت قبل ذلك بأيام قليلة قد رأيت مع جدتي من شرفتها عاملا سوريا مفترشا حافة قريبة  وقد هم بتناول طعامه في استراحة الغداء حين أزّ رصاص القنص من الشرق ,هوى السوري فوق رغيفه  مضرجا بدمه تحت حافة الطريق...طفى الرغيف على بقعة الدم... هوت جدتي لهول المنظر في أرض البلكون.. نقلها أبي على عجل الى المستشفى. إزداد السكري في دمها... تعفّنت أصابع قدمها اليمنى..بترت ساقها.. رجعت الى البيت لتقضي أياما قليلة قبل ان تغادر قسوة العالم نحو سكينة الأبدية.   

لم أعرف كيف أعيد انتاج مشاعري هل أنا حزين بما رأيت؟ أم أن غمامة  من الفرح والسرور قد أحاطت بي لرؤية مشهد جديد وعالم جديد كنت أهم بالدخول اليهما.. إنهما مشهد الموت وعالم الحرب الأهلية.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز