Arab Times Blogs
موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

حصان البلدية

في زمن الحرب الأهلية اللبنانية كنا أطفالا صغارا. أذكر أن روحي كان يغمرها الحزن أوان الرجوع المدرسي أواخر الصيف. أما حين كان يأتي الخريف ويتبعه الشتاء حاملا معه رائحة الليمون المنبعث من شجيرات قليلة في بستان الجيران, فقد كان قلبي يتفطّر في الطريق الى المدرسة. كنت أرسم شرطة عامودية   بالطبشور على جدار مهمل قريب من الحي تماما كما يفعل السجناء لإحصاء ما تبقى لهم من أيام السجن.

بعد مدة أقلعت عن ذلك فقد إمتلأ الجدار بصف طويل  من الشرطات على هيئة ألف بلا همزة وأكتملت لوحتي الجدارية لتكشف عن جيش مهزوم .. شرطة طويلة تتبعها أخرى قصيرة.. وشرطة عالية تتلوها رديفة خفيضة..

وذات مساء أكتشفت مليشيات الحرب في بيروت موقعي الأثير وأهميته الإستراتيجية..

كنت ذاهبا كالعادة في الصباح الى المدرسة حين طالعني الجدار من بعيد وقد حمل صورة "الشهيد البطل المناضل.."

شعرت بحزن ولم أحقد على الجناة المتطفّلين مع أنهم طمسوا  لي بشهيدهم ذاك صفّ عسكري الملوي مثل ثعبان شكلته بتؤدة وصبر " شحْطة ً بعد شَحْطة" وعلى مدار الفصول والشهور المخضبة بحرب السنتين الدامية.

خلال أيام قليلة إلتحقت كوكبة جديدة من الشهداء متوزعة مساحة الحائط الحزين. كنت أمرّ في الصباح أتأمل العيون الضاحكة في الصور الملوّنة. بعد مدة كان المطر والشمس يحيلان تلك الإبتسامات المشرقة  الى سمات باهتة فوق صحائف بالية خالية من الملامح . ثم كانت تأتي عبر الليل صور جديدة لشهداء جدد فتطمس صور الشهداء القدماء مرة والى الأبد فيبتلع الجدار ابتسامات الماضين ويدفنها خلف ابتسامات جديدة على  ورق جديد وحبر جديد.

ما زلت أشعر بالحزن كلما جاء الخريف وتحركت أغصان أشجار الزنزلخت في حيينا. سكنني ذلك الحزن ورافقني في غربتي الطويلة ولم أعد أعرف حدّ فاصلا بينه وبيني.                                                                

 رغم قسوة الحرب وخلو المدينة من حياتها الطبيعية فقد كان أبي رحمه الله  يواظب على مقاومتها ومعاندتها بالذهاب اليومي الى العمل.  لم يؤمن يوما " بالعنف الثوري" بين الأهل .  كان يضيق صدره بسرعة حين تمر السيارات تحت نوافذ بيتنا تقرأ بياناتها العسكرية: يا جماهير شعبنا المناضل.. قامت قواتنا اليوم .. مجموعة الشهيد القائد ... بالنيل من العدو .. وانسحبت بعد  أن كبّدته خسائر فادحة.. نعاهدكم بمتابعة المسيرة.. وإنها لثورة حتى النصر..

عند هذا المقطع كان يكفهر وجه أبي أما جارنا أبو عبدو رحمه الله فكان يبتسم قهرا: فعلا.. إنها لثورة حتى آخر الشهر.

في يوم من الأيام مرّت سيارة بمكبرات الصوت تعلن عن تأسيس فصيل ميليشياوي جديد, انتشرنا أنا وأخواتي وزوارنا من أبناء عموتي على النوافذ والشرفات  لمتابعة البيان العرمرمي. فجأة فتح الباب ودخل أبي بوجهه الملوّح بأشعة الشمس, نهرنا طالبا منا الدخول وإغلاق الشبابيك, أضاف متمتما: لا شيء يستحق.. إنها مجرّد دكانة جديدة.

عشية اندلاع الحرب كنا في مغارة جعيتا, أذكر أن سيدة أميركية وزوجها طلبا من أمي أن يأخذا صورة تذكارية معي. بعدها كنا نتناول العشاء في جبيل عند "غابي شهدا".

بما يختص بالصداقة وألأصدقاء .. كان والدي رحمه الله   كوسموبوليتيا بلا حدود, لم يفرّق بين كردي وأرمني وبين مسيحي ومسلم.  وكان  صديقه "غابي شهدا" أحد هؤولاء الشهود الشهداء الذين  حالت متاريس الحرب بينهم وبين أصدقائهم وأحبائهم وفرّقت بينهم  خطوط التماس والتحصينات العسكرية.

أذكر تماما تلك الليلة, ليلة إندلاع الحرب الأهلية, جاء غابي جلس معنا على الطاولة في مطعمه المطل على ميناء جبيل البحري. طلب أبي نوعا من الأسماك, فخالفه غابي قائلا: لا .. بل سأقدم لكم أكلة جاروفة طازجة غنمتها الشباك  وجاء بها الصيادون قبل ساعة.. مازالت " تبلعط" في السلال. 

في هذه الأتناء كانت الطاولة قد امتلأت بالمقبلات اللبنانية التقليدية: حمص بالطحبنة, متبّل, تبولة, ورق عنب.  

سألني غابي ماذا أحب أن أشرب, نظرت اليه كانت تتدلى على صدره أيقونة ذهبية للسيدة العذراء. قلت له: أريد زجاجة آر سي.. شربت الآر سي وندمت لأنها لم تكن بجودة البيبسي. طلبت زجاجة بيبسي كولا.. فرفضت أمي فورا لأني لم آكل شيئا ولم أملاء بطني إلا بالسوائل الغازية المضرة.

قطّبت بين حاجبيّ وحرنت.. أصريت على الببسي أو لا شيء. بدأت مفاوضات صعبة بيني وبين أمي  برعاية غابي شهدا الذي كان راعيا نزيها للمفاوضات .. أخيرا توصلنا الى الحل النهائي: يفتح الغارسون زجاجة بيبسي جديدة, يجعلها في عهدة غابي أي يضعها أمام غابي على الطاولة, أقوم أنا بتناول الطعام الموجود في صحني, وعندما أكمل الصحن يفرج غابي عن  الوديعة  بموافقة أمي وتكون النهايات سعيدة.

أكملت صحني بشق الأنفاس تلك الليلة وحينما أذن لي بزجاجة البيبسي وأفرج عنها, كانت التخمة قد بلغت مني كل مبلغ وحالت بيني وبينها. كنت أنظر اليها بأسف .. فنفسي فيها ولكن هيهات..

وكالعادة ختم العشاء بصدر كبير من الفاكهة وركوة سخيّة من القهوة.

قبل أن نغادر ذلك المطعم الجبيلي الأنيق عشية الحرب.. أخذت زجاجة البيبسي الممتلئة  بحنان بين يدي, أعطيتها لمستر شهدا وقلت له بنبرة لا تخلو من حسرة ورغبة: أرجوك أحفظ لي هذه الأمانة بالثلاجة عندك. وسوف آتي بالغد لإسترجاعها. ضحك غابي حتى دمعت عيناه. فتناول الزجاجة من يدي باهتمام مبالغ فيه ثم نادى على الغرسون وأمره أن تسدّ جيدا بغطاء فلّيني وتحفظ لي في الثلاجة حتى آتي لاسترجاعها في الغد.

في طريق العودة الى البيت, كان ابي يقود سيارته الرينو الجديدة بصمت, أمي بجانبه, أخواتي وأنا في المقعد الخلفي. كانت عيناي مثل كاميرا تسجّل كل صغيرة وكبيرة, وجه أبي في المرآة, يد أمي وخاتمها, الضوء الأخضر الصغير المنبعث من تابلو السيارة مصحوبا بتكتكات رتيبة كلما  إنتقلت السيارة من اليمين الى اليسار. كان راديو السيارة مغلقا فلم نعلم  بحادثة عين الرمانة, ولم أدر تلك الليلة أن موعد الغد بيني وبين غابي شهدا  سيغرق في بحر من الأشلاء والدماء ويتأخر عن أوانه أكثر من ثلاثين عاما.

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز