Arab Times Blogs
د. ابراهيم حمامي
drhamami@drhamami.net
Blog Contributor since:
18 May 2007

كاتب وطبيب عربي مقيم في بريطانيا

فتح والمرض العضال

كشفت التصريحات الأخيرة لقيادات حركة فتح المختطفة من قبل مجموعة تعبث بها وبتاريخها، كشفت وبشكل لا لبس فيه الارتباط والارتهان الكامل لارادة المحتل واملاءاته، بعد أن صرح عضو وفدها المحاور ورئيس كتلتها البرلمانية عزام الأحمد قبل يومين بما صرح به، وبرغم خطورة ما ورد إلا أنه على الأقل يشكر لهذا الوضوح ولهذه الصراحة.

 حركة فتح وباختصار شديد قد وضعت وعبر من يختطفون قرارها وتاريخها، وضعت ونصّبت نفسها وكيلاً حصرياً للمحتل، تتحدث باسمه في حوار القاهرة، وتضرب بسيفه في الضفة الغربية، وتنوب عنه في المؤسسات الدولية لتجريم شعبنا، وتشوه بدلاً منه مقاومتنا وتصفها بأعتى النعوت، وتحتفل معه ويداً بيد كما حدث مع سفيرها في وارسو، وتعاقب من يفكر مجرد التفكير بنصرة شعبنا كم حدث مع سفيرها في موسكو (ليس خطأ فهم سفراء فتح وليسوا سفراء الشعب الفلسطيني)، والأهم أنها تقوم بالوكالة الممنوحة لها حصرياً بحصار أهلنا في غزة والمشاركة في العدوان عليه، وهذا لا يحتاج لكثير ذكاء للتدليل عليه.

 نحن هنا نتحدث عن حركة مختطفة ابتعدت وانحرفت كلياً عن أهدافها وأسباب انطلاقتها، حتى أن من ينبري للدفاع عنها لا يجد إلا دفاتر الماضي للحديث عن المجد التليد وبطولات من رحل وتضحيات من ذهب، ويعجز تماماً أن يجد حسنة واحدة يتحدث فيها عنها وعن قياداتها في العشرين سنة الماضية، اللهم إلا ظاهرة كتائب شهداء الأقصى في أول انطلاقتها، والتي قضت عليها قيادات فتح نفسها وحولتها لدكاكين متناثرة يقودها بعض الغوغاء إلا من رحم ربي.

 لابد هنا من الوقوف عند التصريحات الأخيرة لعزام الأحمد ما بعد فشل أو تأجيل جولة الحوار الأخيرة في القاهرة، والتي لا تفسر إلا من باب الاستغفال أو الاستغباء السياسي، خاصة ما يتعلق بموضوع الالتزام بما وقعته منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بشرعية الاحتلال، ولا شك لدينا أن كل مناورات فتح في القاهرة هي فقط للحصول على هذا الاعتراف وبأي شكل، وتحت مسميات مختلفة منها:

 -       الاعتراف بالشرعية الدولية

-       القبول بشروط الرباعية

-       الالتزام باتفاقات المنظمة

-       حكومة قادرة على رفع الحصار

-       حكومة تحظى بقبول دولي

-       برنامج سياسي مقبول دولياً

-       العامل الواقعي مع المتغيرات

-       القبول بمبدأ الدولتين

 وقبل أن نبدأ في تحليل تلك التصريحات، لنقرأ سوياً نصها كما ورد من مصدره:

 قال عزام الأحمد رئيس كتلة فتح النيابية وعضو وفدها في الحوار نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 03/04/2009 ، إن الوزير سليمان «أبلغنا بشكل واضح أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أكدا ضرورة التزام أي حكومة قادمة بشروط (الرباعية)، وأي برنامج سياسي لا يلبي هذه المطالب سيحول دون تعامل واشنطن وأوروبا معها. وسنضع أنفسنا في مأزق جديد، وبدلا من فك الحصار وإعمار غزة سنضيف حصارا جديدا، ليس على غزة فقط، بل على الضفة الغربية أيضا». وذكّر الأحمد بوجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو وعضوية المتطرف ليبرمان، والمتغيرات الدولية الجديدة، وانشغال الولايات المتحدة بأزمتها المالية، والمصالحة العربية، ودعا حماس إلى التعامل مع الواقع. وقال الأحمد إن الحوار أنجز العديد من القضايا، ولكن يبقى هناك قضايا عالقة أهمها برنامج الحكومة و«الالتزام» باتفاقات منظمة التحرير وليس «الاحترام» كما كان في اتفاق مكة، لأن حكومة الوحدة التي تشكلت بمقتضى هذا الاتفاق لم تفك الحصار عن الشعب الفلسطيني. وأضاف «ما دامت هذه التجربة قد فشلت فلا يجب تكرارها وتضييع الوقت، ويجب أن تعلن حماس فقط أنها ملتزمة، وهذا الالتزام لا يلزمها بالاعتراف بإسرائيل، فنحن في فتح حتى الآن لا نعترف بإسرائيل، وليس مطلوبا من حماس الاعتراف، وإذا أرادت أن تنأى بنفسها عن أي شبهات فعليها دعم حكومة من شخصيات مستقلة».

 سنتوقف هنا مع أهم هذه النقاط، وللعلم فهي ليست المرة الأولى التي نسمع أو نقرأ تصريحاً كهذا من أحد قيادات فتح، لا شكلاً ولا مضموناً، لكنها أصبح لازمة استغفالية يكررها الجميع، ويرددونها وكأنها اكتشاف غير مسبوق، خاصة ما يتعلق بعدم اعتراف فتح بشرعية الاحتلال.

 فتح لم تعترف ب"اسرائيل"!

 ببساطة نقول: من الذي اعترف ان لم تكن فتح بشخوصها ومؤسساتها؟ ونؤكد على ذلك بالتالي:

1) ان من وقع صك التنازل عن 78% من فلسطين التاريخية هو ياسر عرفات في 09/09/1993، وكان حينها قائداً عاماً لحركة فتح، ومسيطراً تاماً على قرارها ومقدراتها، خارقاً ميثاق الحركة والمنظمة التي كان يترأسهما، وقبل أن يثور من يعبدون الأحياء والأموات، هذا هو نص بيع فلسطين بالحرف والنقطة والفاصلة:

 من الرئيس ياسر عرفات

 إلى إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل

 السيد رئيس الوزراء

 إن التوقيع على إعلان المبادئ يرمز لعصر جديد في تاريخ الشرق الأوسط. ومن منطلق إيمان راسخ أحب أن أؤكد على التزامات منظمة التحرير الفلسطينية الآتية:

 1 - تعترف منظمة التحرير بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن جديد، وتقبل المنظمة قراري مجلس الأمن رقمي 242 و338.

 2 - إن المنظمة تلزم نفسها بعملية السلام في الشرق الأوسط وبالحل السلمي للصراع بين الجانبين، وتعلن أن كل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة سوف يتم حلها من خلال المفاوضات.

 3 - وتعتبر المنظمة أن التوقيع على إعلان المبادئ يشكل حدثاً تاريخياً ويفتتح حقبة جديدة من التعايش السلمي والاستقرار.. حقبة خالية من العنف. وطبقاً لذلك فإن المنظمة تدين استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وسوف تأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بذلك من أجل تأكيد التزامهم ومنع الانتهاكات وفرض الانضباط لمنع هذه الانتهاكات.

 4 - وفي ضوء إيذان عصر جديد والتوقيع على إعلان المبادئ، وتأسيساً على القبول الفلسطيني بقراري مجلس الأمن 242 و338، فإن منظمة التحرير تؤكد أن بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنكر حق إسرائيل في الوجود وبنود الميثاق التي تتناقض مع الالتزامات الواردة في هذا الخطاب، أصبحت الآن غير ذات موضوع ولم تعد سارية المفعول، وبالتالي فإن منظمة التحرير تتعهد بأن تقدم إلى المجلس الوطني الفلسطيني موافقة رسمية بالتغييرات الضرورية فيما يتعلق بالميثاق الفلسطيني.

 المخلص

ياسر عرفات

رئيس منظمة التحرير الفلسطينية

 2) القول بأن منظمة التحرير هي من وقع وليس فتح لا يزيد من يتقول بهذا القول الا غباء واستهزاء: منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت الاتفاق بحسب ما يحلو للبعض التذكير به هي الإطار العام الذي يجمع تحته من وافق على الاعتراف، بمعنى أن فتح وباقي الفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية أقرت وبصمت ووافقت على هذا الاعتراف، وهو ما لم ترفضه صراحة ولم تقم بالانسحاب أو تجميد أو تعليق العضوية من هذه المنظمة، فالعام "م ت ف" يلزم الخاص "فتح"، خاصة أن فتح هي من يسيطر على المنظمة ويحركها.

3) لم يعلن أي فرد أو عنصر أو قيادي أو أي كان في حركة فتح تنصله من هذا الاعتراف بشرعية الاحتلال

4) لم يحوّل ياسر عرفات للمحكمة الحركية لخرقه ميثاق ومباديء حركة فتح، والتي بحسب التصريحات المتتالية لم وترفض الاعتراف ب"اسرائيل"، هذه المحكمة الحركية التي حّول اليها العشرات بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة لترشحهم بشكل مستقلن فهل جريمة هؤلاء أكبر من بيع فلسطين؟ أم أن عرفات كان قديساً لا يجوز محاكمته وان باع فلسطين؟

5) لم تطرد فتح من صفوفها من اعترف بشرعية المحتل ووقع الاتفاقات معه، بل تدرج جميعهم في مناصب الحركة القيادية

6) لم تصدر حركة فتح ولا حتى بياناً رسمياً واحداً ترفض فيه الاعتراف ب"اسرائيل"، رغم تشدق كل قياداتها المختطفة لقرارها بذلك

7) كل قادة الأجهزة الأمنية الذين نسقوا وينسقون مع المحتل دون استثناء هم من حركة فتح

8) كل وزراء الداخلية في الحكومات التسع الأولى، حكومات التنسيق الأمني، ودون استثناء كانوا من حركة فتح

9) الوفود "المفاوضة" مع المحتل غالبيتها الساحقة من حركة فتح، وهي لا تكتفي بالتفاوض، بل بالعناق والتقبيل وتبادل الزيارات والطبخ العائلي والسبحة المشتركة مع قيادات الاحتلال، دون اعتراض فتحاوي واحد

10) من صوت على الغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني في سيرك غزة هم نواب حركة فتح في المجلس الوطني الفلسطيني الذين سمح لهم وحدهم دخول غزة لاتمام هذا السيرك

الأطر الرسمية لفتح صادقت على الاعتراف ب"اسرائيل" من خلال مجلسها الثوري و لجنتها المركزية، وهو ما أعلنه في بيان رسمي حكم بلعاوي في 06/12/2008.

11) عبّاس الذي قال وفي أكثر من مناسبة أنه يضمن أن أي حكومة فلسطينية ستعترف بالاحتلال لا زال رأس حركة فتح وزعيمها الذي يصطف خلفه الجميع من أدعياء وشرفاء على حد سواء

12) اليوم تحديداً وعلى ما يسمى تلفزيون فلسطين ظهر المناضل سابقا حسين الشيخ بطل التنسيق حاليا مع مستنكراً عدم اعتراف حماس باسرائيل واصفاً هذا المطلب بأنه مش (رأس كليب) ، فهل يا ترى ستتم محاكمته حركياُ أو طرده، أو التغاضي عما قاله ويقوله غيره لأنه واقع الحركة المختطفة؟

 حركة فتح معترفة من راسها لأخمص قدميها ب "اسرائيل"، وما تحاول القيام به هو جر الجميع الى ذات مربع السقوط السياسي والأخلاقي.

 ان ما يتردد من نغمة الالتزام باتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية هو أخطر من الاعتراف، لأنه يتجاوز الاعتراف الى التنسيق الأمني، وملاحقة المقاومين، والمشاركة في الحصار والعدوان، والتحالف الاقليمي، وتجريم شعبنا، وغيرها مما أفرزته تلك الاتفاقيات المخزية، من يرفض الاعتراف عليه حتماً أن يرفض الاتفاقات الأخطر من الاعتراف، وفي ذلك لا يوجد فصال.

 أما الحديث عن المتغيرات، فكنا نتمنى أن يستوعب من يختطفون حركة فتح تلك المتغيرات، وأن ينجحوا بعد عقدين من الزمن من مجاراة تلك المتغيرات وأن يعقدوا مؤتمرهم السادس ليغيروا ما تغير من المتغيرات، وهو المؤتمر الذي نؤكد أنه لن يٌعقد في السقف الزمني المقرر له بعد عشرة ايام.

 "ما دامت هذه التجربة قد فشلت فلا يجب تكرارها وتضييع الوقت"، هذا ما قاله عزام الأحمد في تصريحه السابق، وليته ومعه قيادات حركة فتح المختطفة يقتنعون بذلك، ليعلنوا أن أوسلو فشلت، وأن نهجهم فشل، وأن برنامجهم فشل وسقط، وأن الاستمرار فيه هو المضيعة الحقيقية للوقت.

 اتفاق مكة الذي سوقت قيادة فتح لدى المملكة العربية السعودية أن الحكومة الفلسطينية انقلبت عليه، وهو السبب الرئيسي وراء توتر العلاقات بين المملكة وحماس تحديداً، اليوم تعلن فتح أنه لا يصلح وفشل، كما سبق وأعلنت أن ويثقة الوفاق التي كادوا أن يستفتوا الشعب عليها لم تعد تصلح، وهو مصير كل ما وقعوه من اتفاقات والتزامات تنصلوا منها بعد ذلك.

 حركة فتح اليوم على مفترق طرق حقيقي، فقد انكشف أمر قياداتها التي تختطف قرارها وتمارس الاستغباء السياسي على كوادرها قبل غيرهم، وهي تسير من فشل إلى فشل أكبر خاصة ما يتعلق بعقد مؤتمرها السادس، فتح اليوم مريضة بمرض عضال، ما زالت تبحث له عن ترياق!

 نختم بالتذكير بما سبق وتحدينا فيه من يدافعون عن نهج القيادة المنحرف سياسياً في حركة فتح، ولم نسمع رداً واحداً يتيماً، نذكر به عله يوقظ بعضاً مما تبقى من تاريخ مشرف لحركة قادت النضال الوطني الفلسطيني لعقود من الزمن، قبل أن تتحول إلى وكيل حصري للدفاع عن المحتل والترويج له.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز