Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

من بلفاست إلى القدس

في مقر الكونجرس بـ"الكابيتول هيل" اجتمعت مؤخراً لجنة لمناقشة الدروس المستفادة من التجربة الإيرلندية، وبحث إمكانية تطبيقها على الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني. وخلال اجتماع اللجنة قيل إن هناك عاملين أديا إلى نجاح عملية السلام في إيرلندا: الأول أن الكتلة الكبرى من الأطراف المتحاربة كانت قد توصلت إلى قناعة مفادها أن الاستمرار في العنف وبقاء الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك على حالها أصبح أمراً مستحيلا. والثاني: أن هذا الاقتناع في حد ذاته قاد بدوره زعماء معظم الأحزاب إلى الإيمان بأن الحوار والمفاوضات يمثلان طريق الخلاص الوحيد.

والحال أن الأمر في ذلك الوقت احتاج إلى قدر كبير من المرونة بدليل أن هناك العديد من أحداث العنف التي وقعت في عقد التسعينيات بالمخالفة للاتفاقيات، ولكن لم يسمح أبداً لتلك الأحداث بإخراج العملية السلمية عن مسارها السليم.

واتفق معظم الحاضرين في الاجتماع على أن اللاعبين الخارجيين قد لعبوا دوراً حيوياً في ذلك الوقت سواء في تأجيج نيران الصراع عبر تاريخه الطويل، أو في إطفاء تلك النيران عندما اتفقت بريطانيا وجمهورية إيرلندا بموجب ما عرف بـ"إعلان داونينج ستريت" على فصل تيار العنف عن معظم المجموعات المتنافسة في إيرلندا الشمالية، وتهيئة المسرح للمحادثات حتى تلعب دورها في التهدئة. وفي ذلك الوقت كان مهماً وحاسماً تغير الموقف والنهج الأميركي في التعامل مع طرفي الأزمة الإيرلندية على قدم المساواة. وساهم هذا النهج من جانب كلينتون، ومبادرته بعد ذلك بإرسال مبعوثه الخاص جورج ميتشل للإشراف على المفاوضات في تيسير عملية السلام، في إنقاذها من عراقيل صعبة في أوقات حرجة.

وخلال المناقشة أشار المشاركون إلى عدة أوجه للشبه بين الصراع في إيرلندا والصراع في الشرق الأوسط، منها: الروايات المتناقضة التي يقدمها طرفا الصراع والتي يحاول كل طرف فيها إظهار نفسه بمظهر الضحية. والميل إلى شيْطنة الطرف الآخر وهو ما يجعل بناء الثقة بينهما أمراً متعذرا. والدور الذي تلعبه العناصر الخارجية في إدامة الصراع، وذلك الإحساس السائد، بتعقد الصراع، وصعوبة التوصل إلى حل له مما ينشر إحساساً عاماً باليأس.

لكن ذلك لم يحل دون حل الصراع في إيرلندا في نهاية المطاف. وقد يكون من الملائم هنا أن نقرأ ما كتبه ميتشل الذي اضطلع بدور مهم في حل هذا الصراع: "لا يوجد هناك شيء اسمه صراع غير قابل للانتهاء، فالصراعات تخلق وتُخاض، وتستمر من طرف بشر. وبالتالي فإنها يمكن أن تنتهي أيضاً بمساعي بشر كذلك" ولعل هذا الكلام البليغ يكون هو أهم الدروس التي يمكن لبلفاست أن تقدمها إلى القدس.

وهناك بالطبع أوجه اختلاف عميقة بين الحالتين، منها أن طرفي الصراع لم يصلا إلى مرحلة التعب أو الملل من الحرب بعد، وأن كليهما يعتقد أن العنف قد ينجح في تغيير الموقف لصالحه. وأن إسرائيل لا تزال تواصل بناء المستوطنات بمعدل مفزع، والفارق الأخير بين الأزمتين هو أنه في الوقت الذي وفرت المحصلة النهائية للأزمة الإيرلندية نوعاً من الالتباس الخلاق الذي يسمح للأجيال اللاحقة بتحديد ما إذا كانت ستظل جزءاً من بريطانيا أم ستختار طريق الاستقلال، فإن ذلك لا ينطبق على الصراع في الشرق الأوسط الذي يقع فيه عبء تقرير ما إذا كان ترسيخ حل الدولتين -وهو الحل الأكثر ترجيحاً حتى الآن- سيقع على عاتق الأجيال الحالية.

وعلى رغم تلك الاختلافات فإن كلمات ميتشل تبدو صادقة حقاً، فالصراعات يخلقها ويديمها البشر ويمكن إنهاؤها أيضاً من قبلهم. ومعنى ذلك أن المهمة التي كلف بها ميتشل هي مهمة على مقاسه تماماً، وبالتالي فإنه إذا ما ظل أوباما ملتزماً بالتوصل إلى محصلة نهائية إيجابية، وملتزماً باستخدام قدرته على الإقناع في تغيير الديناميكيات السياسية للصراع، كما فعل كلينتون، فإن درس بلفاست يمكن أن يرسم طريقاً للخروج من الأزمة في الشرق الأوسط


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز