Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

وداع الأوهام

كنت قد قطعت وعداً على نفسي ألا أكتب عن الرئيس بوش مطلقاً. وكان بوسعي الوفاء بهذا الوعد لولا أنه أصر على مواصلة نهجه الإيهامي المثير للغضب حتى آخر لحظة من لحظات رئاسته المنقضية. ففي خطابه الوداعي الأخير الذي ألقاه ليلة الخميس الماضي، مضى إلى تأكيد عقيدة "المحافظين الجدد" التي طالما آمن بها، مفصلاً إطارها العام من جهتين، بالقول أولاً بتلازم ظاهرتي "الخير" و"الشر" في عالمنا، وإنه لا مجال للتوفيق بينهما بأي حال. ومن جهة أخرى أن تحرير البشرية من القهر والقنوط، هو من جليل الأفعال وعظائم الأمور التي تكتسب صحة أبدية مطلقة. ثم مضى بوش بعد ذلك إلى تأمل تطبيقه العملي لهذه المبادئ، بإبداء ملاحظته على أن عالمنا يخوض صراعاً بين نظامين يختلفان عن بعضهما بعضاً اختلافاً جوهرياً. أولهما تشكله عصبة صغيرة من المهووسين والمتطرفين، تطالب الآخرين بالخضوع المطلق لأيديولوجية قهرية تعتنقها. أما النظام الآخر فيؤمن بأن الحرية هبة إلهية كونية، وبأنها والعدالة مصباحان ينيران طريق السلام. والحق أن هذا الخليط المشوش الغريب من المعتقدات والأفكار التي آمن بها بوش إيماناً أيديولوجياً أعمى، هو الذي شكل سياساته الخاصة بعالم ما بعد 11 سبتمبر. وبسبب ذلك الإيمان الأيديولوجي الأعمى، واصل رفضه الاعتراف بالأخطاء والإخفاقات، وأصر على تجاهل حقائق الواقع حتى أيامه الختامية الأخيرة.

فإلى اليوم يصر بوش على نعت أفغانستان بأنها دولة تمكنت من الانتقال من مرتع طليق للإرهابيين، إلى ديمقراطية فتية ناشئة، تدفع ببناتها وفتياتها إلى المدارس. أما العراق فقد وصفه خطاب بوش الأخير بأنه انتقل هو الآخر من ديكتاتورية وحشية باطشة، إلى ديمقراطية نامية في قلب منطقة الشرق الأوسط. وفي الواقع فقد أثيرت هذه التصريحات والأوصاف في وجه تنامي خطر التمرد في أفغانستان، إلى جانب المصاعب الفعلية الكبيرة التي تواجهها الفتيات الأفغانيات إلى اليوم في الذهاب إلى المدارس. وفي العراق، أدت حالة الفوضى وموجة العنف إلى تطهير عرقي لما يعادل خمس سكانه، إما قتلاً أو تهجيراً إلى خارج الحدود، أو نزوحاً جماعياً داخلياً، بينما لا تزال نتائج استطلاعات الرأي العام الأميركي تشير إلى استياء الأميركيين ونقمتهم على الحرب. غير أنه لا مجال للاعتراف بالفشل والأخطاء، بل لا مجال حتى لمجرد الشك، في عالم بوش الذي تقبر فيه الأيديولوجيا الواقع وتنفي وجوده! وأكثر ما يلفت النظر في تجاهل بوش للواقع إلى خطابه الأخير، عدم ذكره حتى لمجرد وجود نزاع إسرائيلي/ فلسطيني، دعك من الحديث عن التطورات والتداعيات التي بلغت ذروتها اليوم في العدوان على قطاع غزة.

وفي الختام، فقد كانت هذه هي نتيجة الرفض التام للواقع والانسياق الأعمى وراء اليقين الأيديولوجي المطلق. وهذه هي تجليات حالة الفوضى العارمة التي سيرثها أوباما تمثل أمام عيوننا. إن عجز بوش حتى عن رؤية سوء هذه الفوضى التي سيخلفها وراءه، هو ما استفزني ودفعني إلى وصفه بالضلال والإيهام. فما أن تلقي بنظرة من حولك إلى عبثية هذه الفوضى، حتى يقشعر بدنك وتصاب بحالة من الغضب الشديد


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز