* عرب تايمز ... المترجم الخاص لصدام حسين والذي يعمل حاليا في محطة الجزيرة يشكك في الرواية الامريكية عن اعتقال صدام حسين

نشرت مجلة اسبوعية تصدر عن جريدة الاهرام المصرية حوارا مع المترجم الخاص بصدام حسين شكك خلاله بالرواية التي اوردتها القوات الامريكية عن اعتقال صدام ... وقالت المجلة ان لأكثر من عشر سنوات كان الدكتور سامان عبدالمجيد عبدالرحمن مترجما خاصا للرئيس العراقي السابق صدام حسين شهد معه‏..‏ لقاءاته ومباحثاته مع زواره الأجانب وأحاديثه الصحفية لوسائط إعلام غربية‏,‏ اقترب منه‏,‏ وكثيرا ما كان يربت علي كتفيه ويسأله عن أحواله ويبدي اهتماما به بل يتأسف له لأن اللقاء طال بعض الشيء‏..‏
لكن د‏.‏ سامان لم يرد علي خاطره قط أن يكون مترجما للحظة النهاية لسقوط صدام حسين في قبضة أخطر أعدائه والذين أنفقوا مليارات الدولارات من أجل أن يشهدوا هذه اللحظة شديدة المأساوية التي أخرجوها بالأسلوب الهوليوودي‏,‏ وذلك عبر المؤتمر الصحفي الذي عقده قيصر العراق الأمريكي بول بريمر وبجواره قائد جيوشه في بغداد في شهر ديسمبر المنصرم‏,‏ وكان قد بدأ لتوه العمل مترجما فوريا بقناة الجزيرة الفضائية‏.‏ يا لها من مفارقة ووجع وذهول وصدمة مروعة انتابته في تلك اللحظات‏..‏ لكنه تمالك مشاعره الخاصة‏,‏ وأدي واجبه في الترجمة باقتدار‏.‏
‏ هل تتذكر آخر مرة التقيت فيها الرئيس صدام حسين؟
كان ذلك خلال الحديث الذي أدلي به لقناة سي بي آي الأمريكية وإن لم تخني الذاكرة فقد جرت وقائع هذا الحديث في‏15‏ فبراير‏2003‏ بعد ذلك كانت تجري اتصالات معه بحكم موقعي الوظيفي كمدير عام بمكتب السكرتير الصحفي بديوان رئاسة الجمهورية إلي جانب كوني مترجما خاصا للرئيس وإن كان بشكل غير مباشر وإنما عن طريق مراسل كان حلقة الوصل بيننا وبينه‏.‏
‏‏ في هذا اللقاء الأخير هل انتابك إحساس بأن الرئيس صدام‏..‏ من خلال متابعتك لنبرات صوته لملامحه‏..‏ لنظرات عينيه‏..‏ لطريقة ردوده علي الأسئلة بأنه يوشك علي السقوط هو ونظامه
لا‏.‏ حتي آخر اللحظات‏..‏ لم ألمس لا‏,‏ أنا أو غيري ممن التقوا الرئيس صدام في الأشهر والأيام الأخيرة لا في نبرة صوته أو في نظراته أي شعور بأنه موشك هو أو نظامه علي السقوط‏..‏ والانهيار أمام الأمريكيين كان ثمة شعور طاغ بالثقة لديه أنه سيتمكن علي نحو أو آخر من تجاوز هذه الأزمة وأن العراق سيخرج منها دونما أضرار كبيرة‏.‏
وألفت الانتباه هنا إلي أن الصحفي الأمريكي الذي أدار الحوار مع صدام واسمه دان زازر قال له بصراحة‏:‏ هذه آخر مرة نلتقي فيها فنهايتك قريبة وقابل صدام ذلك بابتسامة خفيفة ثم علق‏:‏ إن كانت ذاكرتك قوية فانك رددت العبارة ذاتها قبل حرب‏1990‏ وأؤكد لك أننا سوف ننتصر هذه المرة أيضا وسوف أدعوك لمقابلة معي في هذه القاعة ذاتها‏.‏
في مقابل تلك الثقة كان لدي صدام حسين نوع من الرضوخ للإرادة الإلهية‏..‏فكثيرا ما كان يردد‏:‏ لقد فعلنا كل ما بوسعنا لتجنب الحرب فإن فشلت جهودنا وهو ما لا نتمناه فإن ذلك يعني أن لله إرادة فيها وهو يريد أن يختبرنا ولا مرد لإرادة الله وهو ما بدا لي أنه بات لديه نوع من الاستسلام لمقاديره‏.‏
ولعلك تتذكر أنه عندما تيقن بأن الولايات المتحدة عازمة علي شن الحرب ضد العراق بدأ الرئيس صدام في تقديم التنازلات رويدا رويدا ابتداء من القبول بعودة فرق التفتيش‏..‏ ثم موافقته علي قيام الطائرات الأمريكية بدون طيار بالتحليق في أجواء العراق كجزء من عمليات التفتيش التي تقوم بها الأمم المتحدة‏.‏
وعندما بدا أن صدام حسين يقدم التنازل تلو الآخر وهو ما يمكن أن يجهض المبررات الأمريكية لشن الحرب لجأت واشنطن إلي وضع شرط تدرك تماما أنه لن يقبل به والمتمثل في التخلي عن السلطة ويغادر العراق إلي منفي يختاره‏.‏
‏‏ هل كان رفض صدام لهذا الخيار ناتجا عن شعور بتضخم الذات دفعه للتشبث بالسلطة أم تجسيدا للكرامة الوطنية به؟
أستطيع أن أقول إن السببين معا كانا وراء موقف صدام الرافض لمغادرة السلطة فلا شك أنه كان لديه شعور بالكرامة الوطنية والقومية وهو ما جعله يرفض الرضوخ للمطلب الأمريكي في هذا الشأن لكن في الجانب الآخر فإن صدام علي الصعيد الشخصي كان يتسم بالقدرة علي التحدي‏,‏ ويرفض أن يفرض عليه أمر‏.‏
‏‏ من خلال قراءتك لشخصية صدام حسين هل كنت تتوقع أن يتم اعتقاله في هذه المساحة الضيقة وبالصورة التي بدا عليها‏..‏ وكيف كانت مشاعرك عندما رأيته في هذا المشهد الذي ظهر به؟
لم يخطر ببالي قط أن تكون نهاية صدام حسين بهذه الصورة‏..‏ لقد كنت علي قناعة قوية ومازلت بأن صدام حسين لا يمكن أن يقع أسيرا بين أيدي أعدائه أيا كانوا‏.‏ كنت علي ثقة بأنه يحتفظ في جيبه بالطلقة الأخيرة التي يوجهها لرأسه قبل أن يسقط في قبضة خصمه أو عدوه‏.‏ لذلك كان لدي يقين بأنه سيقاتل للنهاية حتي ولو ظل وحيدا‏.‏‏‏

صدام حسين
أين كنت عندما أعلن عن اعتقال صدام؟
ثمة مفارقة في الموقف‏..‏ فقد كنت في هذا اليوم الذي اعتقل فيه صدام المترجم المناوب في قناة الجزيرة الفضائية القطرية والتي التحقت بالعمل بها قبل حوالي ستة أشهر‏..‏ وتم تكليفي بنقل المؤتمر الصحفي لبريمر وقائد القوات الأمريكية بالعراق‏.‏
وعندما استمعت لأول عبارة أطلقها بريمر في المؤتمر الصحفي وهي‏wegothim.‏ والتي تعني صدناه انزعجت كثيرا لكنها لم تصدمني بيد أن ظهوره علي النحو الذي ظهر به أصابني بالذهول‏..‏ وتمكنت من السيطرة علي مشاعري فأنا مترجم محترف ولا يليق أن تنعكس أي مشاعر خاصة علي في تلك اللحظات التي مرت علي كدهر‏..‏ وهنا تكمن مفارقة المقادير فأنا الذي أمضيت السنوات مترجما خاصا‏..‏ لصدام أتولي الآن ترجمة واقعة سقوطه شخصيا في قبضة أعدائه والمدهش في الأمر أنني لمحت صورتي إلي جانب صدام وأنا أقوم بالترجمة له مع وفود وشخصيات أجنبية في بعض اللقطات التي كانت الجزيرة تذيعها في الفترة التي سبقت نقل المؤتمر الصحفي لبريمر‏.‏
ولا أخفيك أن هذا اليوم انطوي علي صدمة وترويع بالغين لي‏..‏ علي المستوي الشخصي‏.‏
‏‏ لكن كيف تفسر اعتقال صدام بهذه الطريقة بينما كان يؤكد أنه لن يسقط في قبضة أعدائه حيا؟
إن تفسيري الوحيد لهذه الواقعة أنه تم مباغتة صدام إما تخديره بطريقة ما‏..‏ أو وضع شيء له في طعامه بحيث يتم إلقاء القبض عليه وهو فاقد الوعي وأحسب أن المعلومات التي أعلنت أخيرا عن قيام أحد مرافقيه الشخصيين بالإبلاغ عنه تؤكد ذلك والمؤكد وفق تقديري أنه من المستحيل أن يتم اعتقاله وهو في حالة وعي‏..‏ أما فيما يتعلق بمسألة الحفرة التي قيل إن صدام كان يختبيء بها فإنني علي قناعة كاملة بأنها مشهد هوليوودي بارع فلا أعتقد أنه كان في هذه الحفرة ولو فكر المرء مليا لن يجد مبررا منطقيا لوجود صدام بها حتي فيما يتعلق بمظهره الذي بدا به‏..‏ كان ضمن هذا المشهد الهوليوودي فصدام معروف عنه احترامه الشديد لقيمة النظافة وكان حريصا إلي أقصي حد علي أناقته ولا أعتقد أنه يقبل أن يكون بهذا المنظر‏..‏ وليس من المعقول أن يظل كل هذه الفترة غير قادر علي تنظيف شعر رأسه أو لحيته خاصة ان المنطقة التي ذكروا أنه كان مختبئا فيها تحتوي علي آبار مياه أو فروع للنهر‏..‏
إن شعر رأسه الذي ظهر به يوم اعتقاله ينبيء بأن صدام لم يستخدم المشط منذ أكثر من شهر وهو ما يعني أنهم تدخلوا في إبرازه كشخص أشعث اغبر بهدف إثارة الاشمئزاز وبث الشعور بالإذلال‏..‏ في الآن ذاته‏.‏
ثمة أمر آخر‏..‏ في هذا السياق فإنه كان معروفا أن صدام يصبغ شعره بحيث يبدو أسود اللون فكيف بدا شعره يوم اعتقاله باللون الأسود إن قناعتي أنهم صبغوه بهذا اللون حتي لا يبدو بلونه الأبيض الحقيقي والذي يثير بطبيعته الإشفاق علي الرجل وهم لا يرغبون في أن يحظي صدام بأي قدر من الإشفاق‏.‏
‏‏ لو عدنا إلي أول أيام الحرب أعلنت الولايات المتحدة عن توجيه ضربة لمجمع كان يجتمع فيه صدام مع أركان نظامه ولكنه غادره قبل الضربة بفترة وجيزة ما معلوماتك عن هذه الواقعة وهل كان صدام بهذا المجمع بالفعل؟
باديء ذي بدء أؤكد أنه لم يكن أحد من العاملين بديوان عام رئاسة الجمهورية علي علم بتحركات صدام حسين حتي الملاصقين له ممن يطلق عليهم خط الحماية الأول كانوا لا يعلمون أين سيقضي ليلته‏..‏ وفي العادة في آخر لحظة يختار هو المبيت بأحد المنازل المجهزة لاستقباله في أي وقت والتي كانت تتراوح بين ستة أو سبعة منازل‏..‏ في أنحاء مختلفة من بغداد‏.‏
وأحسب أن إعلان القيادة المركزية عن هذه الضربة يتوافق مع المنهج الهوليوودي الذي يحكم المنطق الأمريكي‏.‏
‏‏ لكن ألم تكن ثمة خيانة وربما أبلغت عناصر القيادة العليا الاستخبارات الأمريكية عن مكان وجود صدام في هذا الوقت؟
كما ذكرت لك لم يكن أحد يعلم أين يقضي صدام حسين ليلته حتي بما في ذلك وزير الدفاع أو قائد الحرس الجمهوري أو غيرهما‏.‏ من القيادات وأشير هنا إلي أن الأمريكيين صنعوا قنبلة خاصة لضرب المكان الذي يوجد فيه صدام واطلقوا عليها اسم القنبلة الكبيرة وهي قنبلة عملاقة واستخدموها بالفعل في منطقة التاجي بأقصي شمال بغداد في أواخر الحرب بعد أن تلقوا معلومات عن وجود صدام بها بينما تبين أنه كان موجودا في أقصي غرب بغداد بمنطقة الغزالية‏..‏ أي أن معلوماتهم كانت مغلوطة بنسبة‏%100‏
‏‏ هل كان صدام حسين بالفعل في أيام الحرب يتخفي في أشكال عديدة لتجنب الإمساك به؟
دعني أقل لك إن صدام حسين أصيب في الآونة الأخيرة بما يسمي علميا جنون العظمة وباتت لديه قناعة بأنه يمتلك قدرات خارقة وسمعته بنفسي يؤكد لمعاونيه أنه خبير في التنكر‏..‏
وتواترت روايات عديدة في هذا الشأن بعد وصوله للسلطة أو في أثناء الحرب‏.‏
وما رصدته في السنوات الخمس الأخيرة من حكم صدام أنه أصبح أكثر شعورا بتضخم الذات وفي المقابل بدت لديه نزعة صوفية فكان كثير الإشارة إلي الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة فضلا عن اتساع اهتمامه بالكتب الدينية وبالذات ما يتعلق منها بالتراث الإسلامي‏..‏ وما لفت انتباهي أنه طلب قبل الحرب كتاب الزعيم الفيتنامي الراحل هوشي منه حرب الشوارع ويبدو أن ذلك كان مؤشرا لقناعته بأن الحرب مع أمريكا ستنتهي إلي حرب شوارع‏.‏
‏‏ أين كانت القيادات العراقية بما في ذلك الرئيس صدام حسين يوم التاسع من إبريل؟
واصلت قيادات الدولة العمل حتي يوم الثامن من إبريل من المواقع البديلة‏..‏ فلم تكن هناك أي من الوزارات أو المؤسسات قي مواقعها المعروفة لأنها كانت أهدافا محددة للقصف الأمريكي‏..‏ وتوزعت هذه الوزارات والمؤسسات في أنحاء مختلفة في بغداد في بيوت تابعة للرئاسة أو مؤجرة وبالنسبة للمكتب الصحفي كان في منطقة سكنية تدعي الحارثية وكنا نحاول قدر الإمكان ألا نظهر أننا ننتمي لمؤسسة حكومية وكان الرئيس حسب علمنا علي بعد بضعة شوارع بينما كان مكتب سكرتير مدير مكتب الرئيس الفريق عبده حمود بنادي الصيد وكنت أتوجه إليه في بعض الأحيان‏.‏
‏‏ بماذا تفسر غياب المقاومة الشعبية للقوات الأمريكية لدي دخولها بغداد؟
مع الأسف شهدت السنوات الأخيرة فجوة واسعة بين نظام صدام حسين والشعب وأصبح هذا النظام في واد والشعب بهمومه وأوجاعه في واد آخر‏..‏ لذلك لم يخرج الشعب طواعية للدفاع عن هذا النظام‏*