* عرب تايمز .... محمد المشاط صمت دهرا ونطق كفرا

هل تذكرون الدكتور محمد المشاط ؟

نعم انه سفير صدام في واشنطن حلال حرب الكويت والذي كان يدافع عن الاحتلال بيديه ورجليه ويطل على المشاهدين في البرامج التلفزيونية ليمدح صدام ... وبعد حرب الكويت تقاعد واقام في كندا بعد ان تبين انه يحمل اقامة فيها .... ومن يومها لم نسمع منه .... الى ان عاد يوم امس الى الاضواء من خلال مقال نشره في جريدة الشرق الاوسط شتم فيه صدام والفلسطينيين واتهم صدام بالعمالة لاسرائيل .... ويقال ان المشاط اراد بهذا المقال ان يعود الى الاضواء لعلهم يعينوه سفيرا في كندا او وزيرا في الحكومة الجديدة

فيما يلي مقال المشاط نقلا عن جريدة الشرق الاوسط
د. محمد المشاط*
من الأمور المحزنة جداً أن نجد شريحة كبيرة من العرب وبضمنهم بعض الفصائل الفلسطينية ما زالوا يعتقدون بأن صدام حسين كان يعمل للقضية الفلسطينية ويهمه خير العرب ووحدتهم. والحقيقة الدامغة أن صدام حسين قد استعمل القضية الفلسطينية كدعاية رخيصة يحتمي وراءها لخدمة إسرائيل. وأما سياسته العربية فإنه كان يتكلم بالوحدة وبالتنسيق العربي ولكنه في واقع الحال كان يعمل على إبعاد العراق عن النهج الوحدوي وفي خدمة أمريكا سواءً كان ذلك بالحرب التي أعلنها على إيران وبدفع من أمريكا أو في قيامه بغزو الكويت مما مكَّن الأساطيل الأمريكية وجيوشها من الدخول وبشكل سافر، ليس فقط في الخليج العربي ولأول مرة، وإنما غطت جيوش أمريكا دول الخليج العربي بأكملها.
إن الوقائع التي سأسردها والمتعلقة بأفعاله لا بأقواله، لا بد أن تثبت للذين ما زالت في عيونهم غشاوة والذين لم يكن لهم مصلحة شخصية مع النظام أو لم يتسلموا الرشاوى منه بأن صدام قدم أكبر خدمة لإسرائيل ولأمريكا. نعم، إن الوقائع التي سأسردها والتي عشتها خلال عملي داخل العراق وخارجه ستظهر بشكل لا يقبل الشك بأن سياسة صدام وقراراته وتوجيهاته كانت تصب في النهاية لمصلحة إسرائيل وأمريكا.
أفعال صدام فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والوطن العربي:
* كان صدام ينادي بالقضية الفلسطينية بالقول فقط وليس بالفعل. وبالعكس فإن أفعاله وسياسته كانت على الضد من الحق الفلسطيني. تعالوا نستعرض سوية ما قام به منذ تسلمه رئاسة الجمهورية في 17 تموز/يوليو 1979:
أ ـ كان أول عمل قام به هو اغتيال الرئيس أحمد حسن البكر وذلك بزرقه حقنة دواء إضافية من (الإنسولين) لمرض السكري الذي كان يعاني منه البكر والتي أودت بحياته فجأة.
ب ـ سارع صدام في اغتيال عدد من أعضاء قيادة حزب البعث الذين كانوا نشطين في تنفيذ اتفاق الوحدة مع سوريا، ذلك الاتفاق الذي تم توقيعه في بغداد بين الرئيس الراحل أحمد حسن البكر والرئيس الراحل حافظ الأسد. لقد شمل الإعدام كلا من غانم عبد الجليل وعدنان حسين الحمداني ومحمد عايش وعبد الحسين الشمري ومحمد محجوب. وكان هؤلاء أعضاء في القيادة القطرية لحزب البعث والذين كانوا يؤيدون الرئيس البكر في نهجه الوحدوي ورغبته في الإسراع بإعلان الوحدة العراقية ـ السورية في أواخر أيام رئاسته للجمهورية، إذ لو قدر لها الظهور على المسرح السياسي لما تجرأت إسرائيل على الاستمرار في عدوانها على الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني ولما استمرت في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
* في الوقت الذي كانت أدبيات حزب البعث تعتبر القضية الفلسطينية العمود الفقري لنضال الحزب وأساس قضية العرب، أقدم صدام على غزو إيران والدخول في حرب طاحنة دامت ثماني سنوات، تلك الحرب التي استنزفت القسم الأعظم من طاقات العراق العسكرية والاقتصادية والبشرية. وبالتأكيد فإن هذه الحرب لم تصب بأي شكل من الأشكال في صالح القضية الفلسطينية، ولم يستفد منها سوى إسرائيل، لأن هذه الحرب أضعفت وأهدرت طاقات العراق لسنوات طويلة.
* بعد توقف الحرب العراقية ـ الإيرانية والتي دامت ثماني سنوات، أقدم صدام على غزو الكويت بدلاً من الانصراف إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب. فماذا كانت نتيجة هذا الغزو؟ لا شك إن القارئ يتذكر كيف كان هذا الغزو قد أدى إلى شق الصف العربي وأدى إلى قيام أمريكا بالتمركز في جميع دول الخليج العربي وأدى أيضاً إلى قيام بعض الدول العربية إلى الاصطفاف بجانب أمريكا حيث أرسلت بعض هذه الدول بعض من جيوشها إلى الخليج بغية إخراج العراق من الكويت ويتذكر القارئ أيضاً أن قرارات مجلس الأمن الدولي بعد قيام العراق بغزو الكويت قد طالبت العراق بالانسحاب من الكويت وعندما رفض صدام الانصياع أقر مجلس الأمن حصاراً على العراق لم يسبق له مثيل، إذ لم يكن بالإمكان استيراد أو تصدير أي شيء من وإلى العراق بما في ذلك تصدير النفط واستيراد أي شيء من المواد العسكرية (والتي كان يعتمد عليها خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية) أو المواد الاقتصادية أو المعيشية، إذ كان العراق يستورد من المواد الغذائية قبل غزو الكويت بما يزيد على ملياري دولار سنوياً.
وفي فترة الغزو واحتلال الكويت قام صدام ليس بنهب البنوك وأرصدة الكويت المخزونة من الذهب فحسب وإنما أصدر توضيحاته إلى الوزراء بضرورة الذهاب إلى الكويت وأخذ ما يحتاجونه من أجهزة ومواد لوزاراتهم، أي أنه أمرهم بنهب الكويت، إضافة إلى السماح لأتباعه بنهب المخازن والبيوت الكويتية. كل هذا يحدث وصدام يدعي أن الكويت هي المحافظة رقم 19 بعد أن قرر ضم الكويت إلى العراق. تسائل القارئ إذا كانت الكويت هي المحافظة رقم 19، فلماذا أصدر قراره بنهبها بهذا الشكل؟ إن التفسير المنطقي يقول إن صدام كان ينوي الانسحاب من الكويت. ولكنه لم ينسحب حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن المرقم 678 في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1990 والذي منح العراق مدة شهر ونصف للانسحاب من الكويت تنتهي في 1990/1/15. وفي حالة رفضه الانسحاب حاول مجلس الأمن استعمال القوة لإخراج العراق من الكويت. ولكن صدام لم ينسحب خلال فترة الشهر والنصف بالرغم من النصائح التي قدمت له من الاتحاد السوفيتي وفرنسا والأمين العام للأمم المتحدة خافير ديكويليار بضرورة الانسحاب لتجنب العراق الكوارث المتوقعة.
ومن ناحيتي كسفير في واشنطن وما يفرضه عليّ واجبي وحرصي على تجنيب العراق أهوال الحرب كنت أبرق بضرورة الانسحاب، لأن العراق سيدمر إذا لم ينسحب قبل 1991/1/15 ولكن صدام لم يكترث برأيي هذا.
وعندما سنحت لي الفرصة أثناء اجتماع السفراء العراقيين المعتمدين لدى دول مجلس الأمن مع صدام حسين وذلك في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 1990، عرضت رأيي بكل صراحة بالقول بإن المستهدف هو العراق أي أن العراق سيدمر إذا لن يتم الانسحاب قبل 1991/1/15. اشتط صدام غضباً عليّ وقال بالحرف الواحد دكتور... إذا كان للأمريكان جرأة في ضرب العراق فهذا العراق أمامهم... إن أم المعارك ستدمر أمريكا ومعها ستتساقط الأنظمة العربية الموالية لأمريكا. إن النصر سيكون لأم المعارك وهذه ستكون بداية لنهضة العرب. وهذا يعني أن صدام كان مصراً على المضي في المعركة ويعلم علم اليقين بأن الخسارة ستكون حتمية وستكون النتيجة تدمير العراق وهذا الذي حصل كما هو معلوم.
إن أمريكا وحليفاتها قاموا بتدمير كل شيء بالعراق، البنى الاقتصادية والعسكرية ووسائل الاتصالات والمواصلات ولم تسلم من القصف الشامل حتى منشآت تنقية المياه ومنشآت صرف المياه القذرة sewage treatment plant مما أدى إلى تسريب القاذورات إلى نهر دجلة. وعندما تم تدمير منشآت تنقية مياه الشرب، اضطر سكان العراق إلى شرب مياه دجلة بدون تصفية والمليئة بالقاذورات، الأمر الذي تسبب في انتشار الأمراض المعوية وغيرها.
لقد صرَّح الأمريكان بأنهم أرجعوا العراق إلى القرون الوسطى بتدميرها جميع الصناعات والبنى التحتية، أي أن نتيجة رفض صدام الانسحاب، خلال الفترة التي حددها مجلس الأمن، من الكويت أدت إلى تدمير العراق من شماله إلى جنوبه ومن ثم تعرض الشعب العراقي بعد توقف الحرب إلى حصار اقتصادي شديد وشامل أدى ليس فقط إلى إفقار الشعب العراقي وإنما إلى تدمير بنية المجتمع وقيمه. أما خارج العراق فقد عانى عشرات الألوف من الفلسطينيين في الدول العربية حيث تم إخراجهم من الكويت وبعض الدول العربية.
* أليس من المحزن حقاً أن تنطلي بعض قرارات صدام على بعض العرب وعلى الفلسطينيين بشكل خاص ومن ذلك عند قيام صدام بإرسال صواريخه لضرب إسرائيل والشيء الغريب لم يتبادر إلى ذهن هؤلاء أن هذه الصواريخ لم تحتو على أية متفجرات. وكانت النتيجة أن دفع العراق مئات الملايين من الدولارات إلى إسرائيل كتعويض عن هذا القصف الكاذب.
* إن زيف صدام في دفاعه عن القضية الفلسطينية قد أصبح مكشوفاً بعد تعييني سفيراً للعراق في واشنطن عام 1989، إذ قبل مغادرتي إلى العاصمة الأمريكية استدعاني طارق عزيز وكان وقتها وزيراً للخارجية ليبلغني توجيهات صدام حسين وقال بالحرف الواحد عليك أن لا تتطرق إلى مشكلة فلسطين وذلك بانتقاد إسرائيل وقال أيضاً بما معناه عليك أن لا تتحرش بإسرائيل، والإشارة إلى الأعمال التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين. ثم أشار إلى أن توجيهات الرئيس صدام حسين تقضي بالتغاضي عن القضية الفلسطينية والامتناع عن انتقاد إسرائيل. هذا وإن السيد نزار حمدون الذي كان يشغل منصب وكيل الوزارة آنذاك، استدعاني وقدم لي قائمة بأسماء بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي وطلب مني بضرورة الاهتمام بهم ولقائهم باستمرار وتمتين العلاقة بهم مع ضرورة عدم التطرق إلى موضوع إسرائيل خلال أحاديثي معهم. كما أكد عليّ بضرورة الامتناع كلية عن توجيه أي انتقاد لها, هذا وكانت الأسماء التي قدمها لي هم من الموالين جداً إلى إسرائيل كما اكتشفت ذلك بعد وصولي إلى واشنطن بأسابيع قليلة.
* لقد كان صدام وراء تأسيس منظمة فلسطينية جديدة أسماها جبهة التحرير العربية، إذ لو كان صدام مخلصاً للقضية الفلسطينية لعمل كل ما في وسعه لتوحيد المنظمات الفلسطينية لا أن يقوم بتأسيس منظمة أخرى. لذا فإنني أعتقد جازماً بأن الهدف من خلق جبهة فلسطينية جديدة هو الإمعان في شرذمة النظام الفلسطيني وإضعاف دور منظمة فتح. إنني على يقين بأن صدام كان يستخدم القضية الفلسطينية لإشباع غروره الشخصي وتحقيق طموحاته القيادية الواهية. إن المساعدات المالية التي قدمها صدام لبعض الفلسطينيين كان الهدف منها بناء شعبية له في صفوف الفلسطينيين وفي صفوف بعض العرب. وفي نفس الوقت كان صدام يدمر نسيج المجتمع العراقي ويبدد ثروات العراق لإشباع نزواته الفردية في بناء القصور وفي شراء الضمائر والذمم لبعض العرب والأجانب لتلميع صورته في الخارج، سواء كان من رجال الإعلام أو السياسيين في الوقت الذي كان فيه الشعب العراقي يعاني من الجوع والمرض بسبب الحصار الاقتصادي الذي استعمله صدام لإحكام سيطرته على رقاب الشعب العراقي.
* أليس من الانحراف الكبير أن يقوم صدام وهو القيادي الأول في القيادة القطرية لحزب البعث وأحد أعضاء القيادة القومية بإصدار أوامره إلى السفارات العراقية بضرورة طرد كل المستخدمين من العرب والأجانب وإحلال العراقيين محلهم، وكانت الغالبية العظمى من المستخدمين العرب هم أعضاء في حزب البعث وقد تسبب هذا القرار الغريب الذي أدى إلى تعطيل أعمال السفارات بشكل كبير جداً علماً بأن دور العرب كان أساسياً إذ أنهم كانوا يضطلعون بالترجمة والطباعة والسكرتارية. لقد أحدث هذا القرار بلبلة كبيرة أدى إلى انحسار أعمال السفارة خاصة إذا علمنا أن هؤلاء العرب الأعضاء في الحزب كانوا يتقنون اللغات الأجنبية بسبب تحصيلهم العلمي في هذه البلدان. لقد أبلغت الخارجية العراقية جميع السفارات بأن قرار الرئيس صدام مبني على خطته في تعريق السفارات أي جعل جميع العاملين فيها وبضمنهم جميع القائمين على الخدمات المساعدة كقيادة سيارات السفارة وأعمال إدامة السفارة ومنشآتها بما في ذلك الأعمال الخدمية من العراقيين. إن تعريق السفارات أي جعلها عراقية صرفة بدون الاستعانة بغير العراقيين وشمول ذلك العرب أعضاء حزب البعث فيه انحراف خطير عن المبادئ الأساسية لحزب البعث العربي الإشتراكي الذي جعل الوحدة العربية أول وأساس مبادئه. لقد أوردت الخارجية العراقية تفسيراً مكملاً لهذا الإجراء وذلك بالقول إن الناحية الأمنية كانت احد العوامل التي أنتجت قرار التعريق. ومعنى هذا إن الشك قد دب في أذهان الرئيس صدام وبطانته بأن استخدام العرب يكون خللاًً أمنياً على أعمال السفارات. علماً بأن جميع السفارات التابعة للدول العربية وسفارات دول العالم أجمع تستعين بالمستخدمين المحليين عدا بعض الدول كالصين.

* سفير العراق في واشنطن سابقاً