* عرب تايمز .... جريدة الشعب تهاجم القرضاوي بسبب تهجمه على سيد قطب

نشرت جريدة الشعب المصرية مقالا بعنوان " عتاب للقرضاوي " كتبه جمال سلطان شكك فيه بنوايا القرضاوي الذي تهجم على سيد قطب وحاول التقليل من قدره ... وجاء في المقال :

أخذني العجب الشديد من عالم كبير بحجم الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله- وهو يكتب عن الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- سواء في مذكراته أو بعض مقالاته وكذلك في كتبه؛ إذ كان ملاحظا ذلك الإلحاح الغريب من قبل الشيخ على اتهام سيد قطب بأنه كان "تكفيريًّا"، متطرفًا يكفر المسلمين جماعاتٍ وأفرادا، حكومات ومحكومين، دولا وشعوبًا، وخاصة في مرحلته الأخيرة (مرحلة المعالم)، حيث يقسم الشيخ حياة سيد قطب الفكرية إلى مرحلتين: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومرحلة: معالم في الطريق.

وعلى الرغم من أن الشيخ يوسف قدم الكثير من التبجيل والتوقير والإجلال لسيد قطب وعطائه وتضحياته في تلك الكتابات.. فإنها كانت أشبه بمقدمة اعتذار عن القسوة اللاحقة في الكتابة عن الرجل وتاريخه وفكره، ولقد تعجبت كثيرا من إجهاد الشيخ يوسف نفسه -مع كثرة مشاغله وأعبائه- لكي يثبت للقارئ أن سيد قطب كان تكفيريًّا، ويأتي بنصوص كثيرة مطولة من كتاباته، خاصة مما يتحدث فيه عن الجاهلية والكفر والردة التي رآها انتشرت في جنبات الأرض في العصر الحديث، ويطالب القارئ بأن يتأمل بعض العبارات والمصطلحات، ويحرص حرصا مثيرا على وضع خطوط تحت كلمات وألفاظ بعينها ***، لكي يلفت ذهن القارئ إليها ويستحثه على تأمل تطرفها وروح التكفير فيها، ويدقق لكي يثبت له أن الرجل ليس كاتبًا معتدلا أو حادًّا في عبارته فقط، وإنما كان كاتبًا تكفيريًّا، وبالتالي متطرفًا.

الشيخ لم يذكر -للأمانة- صفة التطرف أو الإرهاب، ولكن الأمر لا يحتاج إلى كثير شرح لكي يطبق القارئ الذي يرى الشيخ يوسف -على قدره- يثبت له ويحاصره بالشواهد والسقطات التي تؤكد أن الرجل كان تكفيريًّا، أقول: لا يحتاج القارئ كثير جهد لكي يطلق صفة "المتطرف" على سيد قطب، ومن ثم "الإرهابي" بالضرورة. هل هذا هو المآل الذي يقصده الشيخ يوسف من جهده المتتالي والمتكرر من أجل إثبات أن سيد قطب كان تكفيريًّا يكفر المجتمعات والحكومات والأفراد والشعوب؟ الأمر محير للغاية.

ثم ما هي القيمة العملية التي يمكن أن يحصلها الشيخ القرضاوي أو قارئه من هذا الجهد المضني الذي يثبت به -بكل سبيل- أن سيد قطب كان تكفيريًّا؟ هل هو تحذير القارئ من كتابات سيد قطب، والنظر إلى كتاباته بحذر وريبة، والتشكك في كل سطر يقرؤه له، ولا يدع مجالا لحديثه أن يصل إلى قلبه ووعيه؟ هل المقصود هو تنفير المثقف المسلم من كتب سيد قطب ودعوته إلى الارتياب في كتاباته والتحقير من رشده الدعوي ومكانته في الفكر الإسلامي؟ هل هذا هو المطلوب؟

أنا لا أتصور أن الأمر فيه من حظوظ النفس أو ما يعرف بالغيرة بين العلماء من القبول الواسع لأحدهم دون سواه، وذلك أنه على الرغم من البون الكبير بين الرجلين، والحضور المهيب لسيد قطب في أجيال الإسلاميين على مدار نصف قرن كامل.. فإن الشيخ القرضاوي أيضا له مكانته الكبيرة في قلوبنا وقلوب أبناء الحركة الإسلامية والمثقفين الإسلاميين بغزارة إنتاجه وعلمه وسعة أفقه؛ فما هو السبب إذن الذي يجعل الرجل يُجهد نفسه وقارئه كل هذا الإجهاد من أجل أن يثبت له أن سيد قطب كان تكفيريًّا؟

هل هي بقايا التوتر الحزبي القديم بين الفصيل الذي انتمى إلى سيد قطب من الإخوان المسلمين، والفصيل الآخر الذي انتمى إلى الشيخ مصطفى مشهور -رحمه الله- ومجموعة التنظيم الخاص، وهي التوترات التي بدأت في المعتقلات وتفجرت في أوائل السبعينيات الميلادية بعد الخروج من سجون عبد الناصر؛ حيث سرت موجة غامضة بين الفصيل الثاني من أجل تحقير سيد قطب وشأنه ومكانته وقيمته؟ وأذكر أن حوارًا دار بيني وبين شخصية كبيرة في ذلك الفصيل، كان يعمل أستاذا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ورأيته يحقر بشدة من سيد قطب وقيمته ومكانته، ويصر على تكرار وصف "شخص عادي جدا في الإخوان، لم يكن له أي دور قيادي أو توجيهي"، وأدركت يومها أن هناك مرارة شديدة مرجعها إلى آفة الحزبية البغيضة، نفست عن نفسها في الطريق الخطأ؛ إذ إن سيد قطب لا يمكن قياس قيمته ومكانته بالمقاييس الحزبية أو التنظيمية، كما أنه حتى بذلك القياس فمن الصعب أن نتصور أن الرجل الذي اختارته قيادة الجماعة كمسئول أول عن الدعوة والتوجيه يكون شخصا مريبا أو لا قيمة له، كذلك الشخص الذي تختاره الجماعة رئيسا لتحرير صحيفتها الرئيسية أيضا لا يمكن التهوين من أمره تنظيميا، لكن المسألة -كما قدمنا- أبعد من هذا المقياس ضيق الأفق.

والمؤسف أن هذه الروح المريضة تسللت إلى كتابات عديدة ممن حاولوا التأريخ لتجربة الإخوان من أبنائها، وعفا الله عن الأستاذ محمود عبد الحليم في كتابه "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ" أتى بالأعاجيب من أجل إهانة سيد قطب وتشويه صورته؛ فقد ذكر -على سبيل المثال- أن سيد قطب كان في السابق من الدعاة إلى العري والإباحية، ولكي يستدل على هذا الكلام الموجع والفاحش ادعى أن سيد كتب مقالاً في جريدة الأهرام قديمًا ذهب فيه هذا المذهب، ودعا فيه إلى الإباحية والعري، ودافع عن الحرية في ذلك، ومنذ ذكر عبد الحليم هذه الفرية المؤسفة، ونشط عدد من الباحثين يبحث عن هذه المقالة المذكورة فلم يعثر لها على أثر، وهو أمر مدهش.

إن هذا الأمر لو كان حدث بالفعل من أحد في مرحلة ما قبل التزامه، فإنه بلا شك أمر يشينه كمسلم وحتى كإنسان عربي ذي مروءة، بعيدا عن الالتزام الشرعي، وبالتالي فنبل المؤرخ أن يتحاشى مثل هذه السوءات وأن يسترها إن وجدت، خاصة أنها لا قيمة لها أبدا في سياق تسجيل تطور تاريخ الرجل؛ لأن له كتابات وكتبا أخرى شهيرة تقول بأنه كان أديبا يميل إلى المذهب الرومانسي ونحو ذلك وكان من مدرسة العقاد. أما أن يذهب الباحث "الأمين" لكي ينقب في قمامة التاريخ الأدبي لكي يخرج بما يشين الرجل -إن كان حقيقيًّا بالفعل- فهذا ما يصعب تبريره أو فهم أسبابه، فكيف -والأمر كله كذب وافتراء- يليق بباحث "إسلامي" ينتمي إلى جماعة كبيرة، ويسجل تاريخها أمام الرأي العام؟

الأمر الذي يزيدك حيرة أن الشيخ القرضاوي يصر هو الآخر على ذكر هذه الفرية وتكرارها أمام القارئ بدون أي مبرر، وهو لا يعرفها، وإنما يحكيها منسوبة إلى محمود عبد الحليم، إلا أنه يحاول التشكيك فيها، ويؤكد أن أحدا لم يعثر على مثل هذه المقالة المزعومة، فلماذا -وهي على هذا القدر من التفاهة والقبح- تصر على ذكرها، وتنقلها عن باحث غير حصيف، ولا أقول غير ذلك تأدبا. لماذا يعيد الشيخ القرضاوي ذكر هذه الحكاية الكاذبة والترويج لها حتى لو كان يذكر تشككه فيها بعد ذلك؟ هل ضاق بنا الكلام فيما هو ثابت ومسجل وشهير، لكي ننقب في قمامة التاريخ الأدبي والشاذ فيه والعجيب؟

إن الشيخ القرضاوي -حفظه الله- كتب وأكد على قيمة تراث سيد قطب وأهميته وعلوه، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه حتى لو وقعت شبهة في الأسلوب قد يخطئ فهمها أحد من الشباب فينزع إلى التطرف أو التكفير؛ فإن الحكمة أن ننبه الشباب إلى خطأ مثل هذا الفهم، وأن نوجهه إلى أفضل ما يمكن فهمه -في هذا الجانب- من كتابات سيد قطب، وأن الرجل عند حديثه عن الكفر والردة والجاهلية ونحوها إنما كان يصف أفكارا وسياسات ونظما شاذة ومعادية للدين حقيقة، ويصف حالاً من الجهالة الحقيقية كانت منتشرة في مجتمعات المسلمين، توارثت الإسلام دون بذل جهد متجدد لإحياء جوهره وروحه، وهو مفهوم شائع لدى كثير من أهل العلم في تلك الأوقات، وتكررت عبارة أن "الناس اتخذت العبادات عادات"، ولكن سيد قطب لم يكن يكفر أشخاصًا أو أعيانا، وهو أمر لا يختلف كثيرا عن وصف حالات القبوريين وهم بالملايين في العالم الإسلامي بأنهم يقعون في وجه من أوجه الشرك والجاهلية، من غير أن نصف أعيانا بالشرك والجاهلية.. فتلك قضية أخرى.

ولو كان الأمر أمر تحذير للشباب من شبهات التطرف ومخاطره فهناك أكثر من أسلوب وطريق لتحذير الناس من الغلو والتطرف والتفسير المغلوط للكتابات، مهما كانت الشبهة فيها، وهناك كثيرون ممن كتبوا وعلقوا على كتابات سيد قطب بحب وأمانة وإخاء وفقوا في هذا الجانب وأعادوا تفسير بعض عباراته مضمومة إلى أخرى لتنفي عنها شبهة تكفير الأعيان. وللتأكيد على أن الأسلوب الأدبي الذي كتب به سيد قطب من الخطأ التعامل معه بعيدا عن "روح" النصوص الأدبية، ومثل هذا التأويل ليس عسيرا على عالم بحجم الشيخ القرضاوي، عهدنا فيه التماس الأعذار والتأويلات للاجتهادات القديمة والجديدة سواء، ولكنه -مع الأسف- الأمر الذي غاب عنه عندما نظر في كتابات سيد قطب، ولو كان المجال متسعا لبسطت النصوص التي أوردها من كلام قطب رحمه الله، وكشفت سهولة تأويل النص بما يدفع عن الرجل شبهة التكفير، وأيضا بما يحمي شبابنا من الوقوع فريسة للتأويلات المتطرفة التي تدفع بهم في اتجاه التكفير والتطرف، ولكن حسبنا الإشارة إلى خطأ منزع التشهير بالرجل، وخطورة التأسيس لمثل هذا المبدأ الذي يجهد فيه العلماء أنفسهم من أجل إثبات ضلال الآخرين لتحذير الناس منهم.

وإنه من جانبي كقارئ ومثقف مسلم يدين بالكثير لسيد قطب وتراثه وكتاباته، ولم أجد في ضميري ووعيي منها أي صدى لنزعات تكفير أو تطرف، أقول: إنني ما أزال أؤكد على ما كتبته من قبل وأفضت فيه: يخطئ من يتصور أن مشروع سيد قطب قد انتهى، أو أن واقعه وزمانه قد تجاوزه عالم الواقع وعالم الفكر. ومن يتصور ذلك لا يبعد كثيرا عن فهم الغلاة في سيد قطب، الذين حولوه إلى مجرد نصوص ودلالات فقهية أو عقدية، وليس هكذا مشروع سيد قطب؛ فمشروع الرجل هو تجديد إيمان المؤمن بدينه، وشحذ هممه نحو نهضة أمته وصناعة مستقبل أفضل لها وللبشرية، والتحذير الدائم من الخضوع لنمطية الواقع، أو التقولب في عصر من العصور البائسة، وإنما العصر الحقيقي هو "عصر الجيل القرآني"، هو عصر الإسلام الذي يؤسس لحضارة جديدة يظللها شرع الله وهديه.

فكر سيد قطب ثورة متجددة في عالم الفكر وعالم الواقع، وهي تزهر في عقول ووجدانات من قرؤوه ويقرؤونه على مر الأيام، ولا يوجد أديب إسلامي من بعده، ولا مفكر إسلامي، ولا داعية إلا وكان للرجل بصمته في فكره وفي مواقفه، حتى من تكلف مخالفته أو التحفظ على بعض كتاباته، ومن ثم يبقى مشروع سيد قطب مشروعًا مستقبليا تجديديًّا، يلهم الأجيال الجديدة بروح العطاء للإسلام والعمل على نهضة أمته، ويجعل نفوسهم مفعمة بالهمم العالية المستعلية على ضغوطات الواقع وتحديات الطريق، وموصولة بمسيرة التاريخ الفذ والأمة الواحدة منذ آدم عليه السلام وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولذلك لا يعيد القارئ لكتاب الظلال على سبيل المثال قراءته الآن إلا ويجد فيه الروح ذاتها التي وجدها منذ سنوات بعيدة، يقرؤها الشيخ أو الكهل فيستحضر بها مشاعره وهو شاب متدفق الحماسة والإقبال، وتنفعل بها نفسه من جديد، وهذه خصيصة يصعب حضورها في أية كتابات فكرية أو أدبية أخرى.

وللأمانة فإن توالي الأحداث الجديدة في العالم، وانكشاف مواقف السياسات الدولية ومعها الأخلاق والطموحات عارية مفضوحة بصورة لم تشهدها البشرية من قبل.. هي من الأمور الواضحة التي تعيد الاعتبار لسطور سيد قطب عندما عرى هذه المعاني كلها قبل أربعين سنة مضت، في الوقت الذي كان ينظر الكثيرون -حتى من أهل الإسلام- إلى ما يقوله نظرة شفقة واستهتار.