* عرب تايمز ...  شركة ايلون ونسيبة للتنازلات عن حق العودة المقدس

كتب : زهير اندراوس

انا من قرية ترشيحا في شمال فلسطين, ولدت بعد 12 عاما من النكبة, اهالي بلدتي شردتهم العصابات الصهيونية من وطنهم فتحولوا الى لاجئين في سورية ولبنان والاردن, فماذا ساقول لهم عندما سيعلمون ان حق عودتهم اسقط, كيف ساوافق على اعادتهم, كما تنص وثيقة ايلون-نسيبة, الى الضفة الغربية المحتلة او قطاع غزة, فابن ترشيحا, اللاجئ في مخيم برج البراجنة سيبقى لاجئا اذا سمح له بالعودة الى الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967

المتتبع للشؤون الاسرائيلية يلاحظ ان حكومات الدولة العبرية المتعاقبة منذ اقامة اسرائيل ضمت دائما عددا من الوزراء الذين خدموا سنوات طويلة في الاذرع الامنية المختلفة: جيش الاحتلال وشعبة الاستخبارات التابعة له، جهاز الموساد، المسؤول عن المخابرات الخارجية، وجهاز الامن العام(الشاباك)، ولان المجال لا يتسع لعرض الوزراء الذين وصلوا الى السياسة من الاجهزة الامنية المختلفة، نكتفي في هذا السياق بالتذكير بان رئيس الوزراء الحالي، اريئيل شارون، كان جنرالا في الجيش، ووزير البناء والاسكان المستقيل افي ايتام ، المعروف بمواقفه العنصرية ضد العرب، خدم في جيش الاحتلال سنوات طويلة, واشتهر في اثناء الانتفاضة الاولى باعمال التنكيل والتعذيب والاهانة والاذلال التي قان بها وجنود الكتيبة التي كان مسؤولا عنها, ضد البناء الشعب العربي الفلسطيني التي احتلت في العام 1967.
الحالة الاسرائيلية التي نحن بصددها تشير حسب كل الدلائل الى ان عدد الجنرالات الذين تحولوا الى وزراء هو كبير للغاية، الامر الذي دفع العديد حتى من كتاب المقالات في الصحافة العبرية الاسرائيلية الى توجيه سهام النقد لهذه الظاهرة، التي تذكر بدول رجعية وشمولية، ولا نبالغ اذ نقول بان اسرائيل، هي دولة يحكمها الجيش والمخابرات، حتى يخيل لك انها مخابرات تملك دولة وليست دولة تملك مخابرات.
من ناحية اخرى، نلاحظ ان العديد ممن خدموا في الاجهزة الامنية وتبوأوا مناصب رفيعة جدا اكتشفوا بعد انهائهم الخدمة انه من غير الممكن حل النزاع الاسرائيلي- الفلسطيني بالقوة، وان العملية السلمية هي الكفيل الوحيد لحل النزاع الدموي، الذي بدأ قبل اكثر من مائة عام، هذه الحالة تنطبق على الجنرال المتقاعد، عامي ايلون، رئيس جهاز الشاباك السابق وقائد سلاح البحرية الاسبق في الجيش الاسرائيلي، ايلون، يعتبر اليوم في اسرائيل حمامة سلام، بعد ان "اكتشف" بعد انهاء مهامه الامنية انه لا يمكن حل النزاع الاسرائيلي بقوة السلاح، وان الحل يمكن ان يتم فقط عن طريق المحادثات السلمية بين الطرفين. ولكن هذا الامر لم يمنعه ان يصرح هذا الاسبوع بان منح افراد الشرطة الفلسطينية الاسلحة يشكل خطرا جسيما على امن الدولة العبرية, لانه لا يمكن التاكد من انهم لن يستعملوا هذه الاسلحة ضد جنود الاحتلال, كما فعلوا في العام 1996, على حد قوله.
قبل حوالي السنتين بدأت الاتصالات بين الجنرال المتقاعد ايلون وبين الدكتور سري نسيبة، مسؤول ملف القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي تسوقه وسائل الاعلام الاسرائيلية بانه معتدل جدا، وبراغماتي، الاتصالات بينهما اثمرت وقام الاثنان باعداد وثيقة لحل القضية الفلسطينية بالطرق السلمية، هذه الوثيقة التي سميت فيما بعد وثيقة ايلون- نسيبة.
في هذه الايام يقوم الثنائي الاسرائيلي- الفلسطيني بحملة دعائية مكثفة لاقناع الرأي العام الاسرائيلي وفي المناطق المحتلة بالانضمام اليهما والتوقيع على الوثيقة، ويعلنان ان الهدف هو جمع مليون توقيع مؤيد لوثيقتهما.
تكمن خطورة هذه الوثيقة في الحل المقترح، اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، القدس- الغربية والعربية- المحتلة تبقى مفتوحة للجانبين، والاخطر من ذلك ان السيد نسبية،ابن العائلة الفلسطينية الارستقراطية، يسقط حق العودة المقدس من اجندة الشعب الفلسطيني، وهو بذلك من حيث يدري يوافق على الموقف الاسرائيلي الذي يجمع عليه اليمين الاسرائيلي، مرورا باحزاب المركز وانتهاء بما ما يسمى اليسار الصهيوني، فاسقاط حق العودة يحوز على اجماع صهيوني- اسرائيلي كامل. لا نعرف من منح السيد نسيبة حق التفريط بحق العودة الذي نصت عليه الشرعية الدولية في قرارها رقم 194، والذي وافقت عليه حتى الولايات المتحدة الامريكية، ولكننا نعلم ان هذه التصرفات الفردية تصب في نهاية المطاف في الصالح الاسرائيلي الذي يستغل افكار السيد نسيبة المعتدل لكي يسوق ذلك الى العالم عبر وسائل الاعلام التي تقع تحت سيطرته،،وبالتالي لا نستبعد ان يتحول اي فلسطيني يصر على عودة اللاجئين الى ديارهم الى ارهابي ومخرب يريد ان يضع العراقيل في عجلة العملية السلمية.
ان موقف السيد نسيبة يمس مسا سافرا باللاجئين الفلسطينيين الذين يذوقون الامرين في مخيمات الصفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات الشتات في الاردن ولبنان وسوريا، ونحن نسأل متى زار السيد نسيبة مخيمات اللاجئين الذين اسقط حقهم المقدس؟ وسؤال اخر: انا من قرية ترشيحا في شمال فلسطين, ولدت بعد 12 عاما من نكبة شعبي, اهالي بلدتي ترشيحا شردتهم العصابات الصهيونية في العام 1948 المشؤوم من وطنهم فتحولوا الى لاجئين في سورية ولبنان والاردن, فماذا ساقول لهم عندما سيعلمون ان حق عودتهم اسقط, كيف ساوافق على اعادتهم, كما تنص وثيقة ايلون-نسيبة, الى الضفة الغربية المحتلة او قطاع غزة, فابن ترشيحا, اللاجئ في مخيم برج البراجنة سيبقى لاجئا اذا سمح له بالعودة الى الاراضي الفلسطينية التي احتلت في عدوان الرابع من حزيران ( يونيو ) من العام 1967.
المأساة تكمن في ان العديد من ابناء شعبنا يجتهدون لابتداع حلول هدفها غير المعلن الالتفاف على حقوق اللاجئين والمس بهم وبمشاعرهم، بالاضافة الى ذلك, لا ندري لماذا لا تتم اقالة السيدنسيبة من منصبه، فالرئيس عرفات، الذي عينه، لم يتنازل عن حق العودة ولم يتنازل عن المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، ولم يطالب باقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، كما تطرح وثيقة ايلون- نسيبة، حتى ولو قامت هذه الدولة، فانها ستكون رهينة لاسرائيل، التي تملك اعتى جيش في العالم.
نعتقد انه في ظل هذه المبادرة الايلونية-النسيبية، يتحتم على اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات اعلان رفضهم القاطع والجازم لهذه المبادرة الخطيرة، التي تريد تحويلهم من لاجئين في البقعة واليرموك وبرج البراجنة الى لاجئين في الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح التي يتحدث عنها الدكتور نسيبة.
عمليا،علينا التحرك لاطلاق مبادرة فلسطينية للتشديد على رفضنا المطلق التفريط بحقوق اللاجئين، على الشرفاء من ابناء شعبنا العربي الفلسطيني، وهم كثيرون ان يباشروا بحملة جمع تواقيع تؤكد انه لا حل للقضية الفلسطينية بدون الاعتراف بحق العودة، فاذا كان ايلون ونسيبة يتكلمان عن جمع مليون توقيع لتأييد مبادرتهم، فنحن على يقين باننا نستطيع جمع ملايين التواقيع المعارضة لمبادرتهما، وهذا هو الحل الانسب والعملي لقطع الطريق عليهما وعلى مبادرتهما، ونحن على ثقة بان شعبنا على قدر كبير من الفهم والمسؤولية, وهذا الشعب الجبار الذي قدم عشرات آلاف الشهداء الذين عطر دمهم الغالي تراب الوطن الزكي, وعشرات آلاف الجرحى والسجناء من اجل حريته لن يبخل بالتوقيع على عريضة تندد بكل من يفرط بحق العودة،وتطالبه بالكف عن تقديم الخدمات المجانية لصالح الاسرائيليين الذين شردوا شعبنا.
خلاصة القول: اللاجئون، وفقط اللاجئون، هم الذين يقررون مصيرهم وليس رئيس الشاباك الاسرائيلي السابق ورفيق دربه السيد نسيبة.

كاتب فلسطيني ورئيس تحرير صحيفة "كل العرب" الصادرة في الناصرة