عرب تايمز - خاص   ......

فرانكفورت - من أسامة فوزي

باستثناء جناح الشيف رمزي في القاعة السادسة التي خصصت اطرافها لاجنحة وزارات الاعلام العربية في معرض فرانكفورت للكتاب لن تجد ما يلفت النظر غير صور الحكام العرب والشيوخ تتصدر واجهات الاجنحة التي تعكس حالة التردي العربي بكل ما في هذه الكلمة من معنى ولم اجد في الاجنحة كلها في تلك القاعة ما يستحق التوقف والتأمل عير جناح الشيف رمزي وكتب الطبيخ اللبناني التي عرضت بشكل لائق بحضور الشيف

ورغم ضخامة المعرض ومشاركة مئات الدول فيه الا انك لن تجد صور الحكام والرؤساء مبروزة الا في اجنحة العرب .... وفي الجناح الليبي لن تجد الا الكتاب الاخضر وشروحاته وقصص الاطفال المستوحاة منه كما ستجد كراريس سيئة الطباعة تحمل وجهة نظر العقيد في مشروعه الاسراطيني .... جناح موريتانيا يتضمن اربعة عناوين فقط والمسئول عن الجناح فركها بعد ساعة من الافتتاح ولا يعادله في الهزالة الا الجناح القطري اما الجناح الاماراتي فلنا معه عودة مطولة ولا ابالغ حين اقول ان لدى دائرة الكتب في عرب تايمز عشرة اضعاف العناوين المعروضة في جميع الاجنحة العربية بما في ذلك الجناح المصري رغم ان الجناح كان الاكثر تنظيما ولفتا للنظر بين اجنحة العرب ووزارات الثقافة والاعلام ولعلي اعطي كردت لمكتبة الاسكندرية التي لفتت الانظار بعروضها الالكترونية البانورامية عن مصر وحضاراتها

وكان غيرهارد شرويدر المستشار الألماني الذي افتتح المعرض رسميا قد استغل المناسبة للدعوة الى التعاطف والتسامع مع العالم العربي، مشيداً بدور الجامعة العربية في تعزيز الروابط مع الغرب.وأشار شرويدر إلى أن معرض فرانكفورت للكتاب يركز في دورته الحالية على العالم العربي قائلا إن الحرب على الارهاب يجب ألا تتسبب في بث روح العداء بين المسلمين والمسيحيين.
وقال المستشار الالماني في كلمة الافتتاح سيكون من المستحيل دق إسفين بين العالم العربي والغرب إذا سادت روح التفاهم والصدق والتسامح ووجدت عقول متفتحة.وأضاف الذين يحاولون دق إسفين بين الاسلام والمسيحية سيجدوننا نقاومهم بشدة.

ومن بين الدول الاثنين والعشرين الاعضاء في الجامعة العربية أرسلت 17 دولة وفودا رسمية أو أسهمت بالمشاركة في عروض خاصة في فرانكفورت.وكتب الكلمة الادبية الافتتاحية الاديب المصري نجيب محفوظ (92 عاما) الحاصل على جائزة نوبل للاداب لكنه لم يشارك بالحضور بسبب حالته الصحية

وفيما يلي النص الكامل لكلمة نجيب محفوظ التي القيت عنه بالنيابة - القاها محمد سلماوي -

لا أستطيع أن أبدأ كلمتي إلا بتوجيه التحية لألمانيا مخترعة الطباعة, فبدونها ما عرفنا الكتاب, وما اجتمعنا حوله هنا اليوم.

قد يقول قائل ان الكتاب قد يختفي قريباً من حياتنا أمام تطور وسائل الاتصال الحديثة, ويصبح الكتاب الالكتروني هو المصدر الأول للمعرفة, لكن الحقيقة أن وجود الكتاب بين يدي القارئ, أو الى جوار سريره لا يمكن أن يعوضه التصاق المرء بشاشة الكومبيوتر ساعات متصلة لقراءة كتابه المفضل.

ومع ذلك فإن فضل آلة الطباعة لا يمكن انكاره حتى وإن انتهى عهدنا بالكتاب المطبوع, فلمدة 500 عام ظلت الآلة التي اخترعها يوهانس غوتنبرغ عام 1450 وسيلتنا الأولى للطباعة دون أن يطرأ عليها تغيير كبير حتى القرن العشرين.

على أن تحيتنا لألمانيا لا تخلو أيضاً من سبب آخر مهم, وهو اختيار معرض فرانكفورت الدولي للكتاب العالم العربي كضيف شرف الدورة الحالية لأول مرة في تاريخ هذا المعرض الذي هو أكبر معارض الكتاب في العالم. ان العالم العربي صاحب ثقافة وحضارة عريقة, وقد كان من الغريب ألا يقع عليه هذا الاختيار من قبل, خاصة وقد جمعت بينه وبين ألمانيا علاقات تاريخية تعود الى مئات السنين. فقد اهتمت ألمانيا عبر الكثير من كتّابها بالعالم العربي, كما اهتم العرب بألمانيا وثقافتها, وهناك من كتّابنا من تأثر بأعلام الأدب والفكر الألماني من غوته وتوماس مان الى نيتشه وشوبنهاور.

هل كان من الضروري ان تحدث تلك المواجهة المؤسفة بين الغرب والشرق العربي الإسلامي حتى نتنبه الى أهمية مواصلة العلاقة في ما بيننا؟ هل كان يجب أن يشعر الغرب بأن الشرق يهدد أمنه حتى يسعى لاعادة اكتشاف حضارته الإسلامية وثقافته العربية؟ وهل كان يجب أن يشعر العرب بأن صورتهم يتم تشويهها يومياً في وسائل الإعلام الغربية حتى يسعوا لتقديم أنفسهم بأنفسهم؟

أياً كانت الأسباب فها نحن قد وصلنا الى محطة لقاء أخرى في تاريخنا علينا ان نستفيد منها لصالح الجانبين, ودعوني أبدأها بالرد على السؤال الذي أتصور ان الزائر لمعرض فرانكفورت سيأتي بحثاً عن اجابته, وهو: ما هي الثقافة العربية وما هي مصادرها؟

ان مصادر الثقافة العربية المعاصرة ثلاثة:

أولاً: الحضارات القديمة التي عرفتها المنطقة العربية, وبشكل خاص المصرية القديمة, وحضارة بين النهرين في العراق, بالإضافة للحضارة التي قامت في اليمن والحضارة الآشورية والأكادية وغيرها.

لقد كانت الحضارة المصرية القديمة من أكثر حضارات العالم القديم انسانية, فهي كانت تقدس الحياة الإنسانية لدرجة انها لم تعرف نظام العبيد الذي عرفته حضارات أخرى, ولا عرفت نظام القرابين البشرية.

ولقد وصل حب الحضارة المصرية للحياة وتقديسها لها أن صورت الحياة الأخرى على شاكلة حياتنا هذه, ومن يتمعن في النقوش الجدارية في المقابر المصرية القديمة يدرك على الفور ان تلك لم تكن حضارة تقدس الموت - كما يبدو لغير المتعمقين فيها - وانما هي حضارة تقدس الحياة, فتلك الجدران تصور الأشياء التي ستنتقل مع المتوفى الى العالم الآخر, وهي لا تخلو من مباهج الحياة الدنيا, من أشهى أصناف الفاكهة الى أجمل الراقصات وأرق آلات الموسيقى.

وإذا كنا نوجه التحية اليوم لألمانيا مخترعة أول آلة للطباعة في القرن الخامس عشر بعد الميلاد, فإن حضارة بين النهرين كانت أول من اخترع الأبجدية قبل الميلاد بعدة آلاف من السنين, ومما يؤسف له أن تكون بقعة الحضارة هذه مسرحاً الآن لمواجهة دامية بين الشرق والغرب, وهي مواجهة يمكن أن يكون لقاؤنا هنا هو علاجها الأكيد.

أما المصدر الثاني لحضارتنا في العالم العربي فهو الإسلام, ذلك الدين السمح العظيم الذي منح الشعوب العربية منظومة القيم التي صاغت هويتنا الحالية ومنها الحرية, فمقولة "لا اله إلا الله" التي هي أساس شهادة المسلم انما تعني انه لا عبودية إلا لله وحده, وليس لأي انسان على إنسان, ومنها أيضاً المساواة, فالبشر جميعاً في الإسلام سواسية أبيضهم وأسودهم وأصفرهم, لأنهم جميعاً أمة الإسلام أياً كانت أصولهم العرقية, ومنها أيضاً التسامح, فالدولة الإسلامية عاش وانتعش فيها العلماء والفلاسفة من المسيحيين واليهود, كما تولوا مناصب كبيرة في الدولة وصلت الى رئاسة الوزراء في الأندلس, ومنها أخيراً العدالة التي هي أساس الملك, وتراث الإسلام مليء بالروايات التاريخية التي طبق فيها الحكام العدالة على أقرب الناس اليهم.

أما المصدر الثالث لحضارتنا العربية فهو حضارتكم الغربية ذاتها التي صارت اليوم أحد أهم المؤثرات في حضارتنا الحالية, ليس فقط في السياسة وفي العلوم, وانما أيضاً في الآداب والفنون.

وقد كان من نتيجة هذا الثراء ان ظلت الحضارة العربية تفرز حتى اليوم نوابغ فردية هنا وهناك على رغم ما تعانيه من صعاب باعتبارها احدى مناطق العالم النامية, فهناك من العرب من برزوا على الساحة الدولية في مختلف المجالات من الأدب والسينما والفنون الى الطب والرياضيات وعلوم الفضاء, وقد حصل بعضهم على أرفع الأوسمة الدولية.

من هنا يتضح أن ذلك الآخر العربي الذي يهدف لقاؤنا اليوم للتعرف على حقيقته ليس غريباً تماماً, فهو قد يتمايز في جانب أو آخر من حضارته عن حضارتكم الغربية, لكنه يشاركها في الكثير من القيم الإنسانية والمبادئ السامية. ولا عجب في ذلك. فمثلما تؤثر اليوم الحضارة الغربية في حضارتنا العربية, فقد سبق أن أثرت الحضارة العربية في عصور سابقة في الحضارة الغربية, لأن الحضارة الإنسانية تتعدد ثقافتها لكنها في النهاية كل لا يتجزأ.