في مقاله الافتتاحي كشف الصحفي المخضرم فهد الريماوي في جريدة المجد علاقة علي ابو الراغب بالصحافة الاردنية بشكل خاص والعربية بشكل عام ونظرا لان ابو الراغب هو الذي اتخذ قرار منع موقع عرب تايمز في الاردن بعد نشر الموقع لرسائل توجان فيصل المفتوحة التي تتحدث عن فساد ابو الراغب وشركة التأمين التي سجل اسهمه فيها باسم ابنته قبل ان يضاعف اسعار التأمين على السيارات فقد ارتأينا ان ننشر هذا الجزء من مقال الريماوي لانه وثيقة هامة جديرة بالاهتمام .

يقول فهد :

في العهد البائد والبائس لحكومة ابو الراغب، جرى التعامل مع الصحفيين وفق ثنائية العصا والجزرة .. الاغراء والاملاء .. الترغيب والترهيب، فنال بعضهم ما تيسر من الاكراميات والاعطيات والامتيازات، فيما نال بعضهم الاخر ما تعسر من العقوبات والملاحقات والضغوطات، بدءاً من التوقيف في سجن الجويدة، وانتهاء بالرقابة المسبقة وغير القانونية او الاخلاقية على الصحف في المطابع.

ومع ان الكثير من رؤساء الحكومات قد مارسوا تلك العادة السرية في الاعطيات الصحفية منذ زمن طويل، الا ان تلك العادة المحدودة والمحصورة في اضيق الحدود، واضأل المبالغ، قد تحولت على يد حكومة ابو الراغب الى ظاهرة خطرة وسريعة التأثير والانتشار، حيث تحولت بعض الاقلام والمنابر الى محض ابواق دعائية لا تجيد سوى الاشادة بسياسات وممارسات " الجنتلمان " وحكوماته المسرطنة .

حين ورثت حكومة الفايز اعالي الدوار الرابع، وباشرت انفتاحها المعروف على سائر مؤسسات المجتمع المدني، وفي طليعتها الصحافة .. راودتنا الأماني والآمال بتحقيق نقلة نوعية في العلاقة " الخاصة " بين الرئاسة والصحافة نقلة تهيل التراب على العلاقة السابقة القائمة على البيع والشراء، والمحكومة بمنطق العصا والجزرة .. وتؤسس بالمقابل لعلاقة حضارية واخلاقية جديدة تقوم على الثقة والمودة والاحترام المتبادل، والتعاون غير المشروط، والاحتكام الى الصالح الوطني العام.

غير ان هاتفاً سرياً جاءنا بعيد عيد الاضحى الماضي يؤكد ان رئاسة " حليمة " قد رجعت الى عادتها القديمة، وان الرئيس الفايز قد اقتدى بسلفه ابو الراغب، وان الاعطيات والرشوات الصحفية قد تجددت وتعددت في العهد الوزاري الراهن، رغم انه يرفع رايات النزاهة والشفافية ومحاربة اوكار الفساد ومراكز القوى.

من هنا جاء ما نشرته ( المجد ( في عددها السابق، وفي زاوية ( من النافذة ) وتحت عنوان ( كوبونات الفايز ) وبصيغة تساؤل استفهامي سرعان ما اجاب عليه الزميل رمضان الرواشدة، المستشار الاعلامي لرئيس الوزراء، الذي هاتف ( المجد ) مؤكداً ان الرئيس الفايز لا يعترف بثنائية العصا والجزرة، ولا يريد لنفسه استزلاماً من احد، ولا يعترف بمنطق الرشاوي والاعطيات، وان ما جرى فعلياً ليس اكثر من شذرات مالية محدودة ومحكومة بحالات انسانية بحتة لا علاقة لها بالمواقف او الولاءات او المبايعات السياسية والاعلامية.

هذا الرد الذي نعتبره اميناً، يعيدنا الى مربع الرغبة في قيام علاقة صحية وعلنية محترمة بين الرئاسة والصحافة .. فالصحافة هذا الأوان في امس الحاجة الى عون الرئاسة وعنايتها، سواء على الصعيد المادي او المعنوي .. على صعيد الامكانات المالية او الحريات المهنية.

فعلى الصعيد المالي، تعاني الصحافة الاردنية - باستثناء جريدتي الرأي والدستور - من اوضاع بالغة الصعوبة تحول بالمطلق دون تطور الاداء الصحفي وتقدمه وانطلاقه نحو افاق ارحب تضعه في مصاف الصحف العربية والعالمية المهمة والمعروفة .. بل كثيراً ما يؤدي شح الامكانات المالية لدى صحفنا، الى تعثر ادائها، وتعذر بقائها، واستحالة ارتقائها، واضطراب اوضاعها بما يحول دون انصرافها الكلي لاداء دورها الوطني، وتحقيق رسالتها القومية.

تستطيع الرئاسة، في هذا الصدد، ان تخصص دعماً مالياً علنياً وقانونياً وغير مشروط للصحف المحتاجة، اسوة بما يجري الحديث عنه بشأن دعم الاحزاب السياسية .. ولن يضير الرئاسة تقديم مثل هذا الدعم مادام علنياً ومحكوماً بالقانون، ولن يضير الصحافة تقبل مثل هذا الدعم مادام غير مشروط، ولا يؤثر على حرية قرارها وخيارها وتعبيرها.


تستطيع الرئاسة ايضاً ان تعيد تنظيم الموارد الاعلانية، وبالذات الحكومية منها، بحيث يذهب جزء يسير من هذه الموارد الى الصحف الفقيرة والمحتاجة والمطحونة تحت وطأة الاحتكارات الاعلانية المعروفة، او حتى تحت وطأة المزاجيات الرسمية التي كثيراً ما توظف الاعلان لشراء الولاءات الصحفية لشخص معالي الوزير، او عطوفة المدير، او حتى سعادة السكرتير .

حين قام الصديق والزميل ابراهيم عز الدين، مشكوراً بزيارة مكاتب ( المجد ) منذ عامين، اقترحت عليه ان يتولى المجلس الاعلى للاعلام تحصين حرية واستقلالية الصحف، بتوفير الدعم المالي المشروع لها، الى جانب تحصينها بالتشريعات القانونية العادلة والعصرية التي يعتزم المجلس ( اآنذاك) خوض غمارها، والعمل على اقرارها.

وبالنظر الى ان حكومة ابو الراغب، صاحبة ثنائية العصا والجزرة، هي التي كانت تحتل يومها اعالي الدوار الرابع، فقد اقترحت على الاخ ( ابو يوسف ) ان يتولى اقناع جريدتي الرأي والدستور بتخصيص مبلغ زهيد من ارباحهما السنوية، لغايات دعم واسناد الصحف الصغيرة والمتعثرة، تحت اشراف المجلس الاعلى للاعلام، ونقابة الصحفيين، وبما يحقق وحدة وسلامة وتكاتف البيت الصحفي الاردني.

اما على الصعيد الادبي او المعنوي المتصل بحقوق الصحافة وحرياتها، فتستطيع الرئاسة الحالية التي سبق ان اوقفت بدعة الرقابة المسبقة على الصحف، ان تتبنى بشجاعة وحماس مشروع قانون المطبوعات الجديد الذي فرغ من اعداده المجلس الاعلى للاعلام، اضافة الى تعديل قانون العقوبات الذي يجيز حبس وتوقيف الصحفيين، والذي سبق ان تعرض للتغليط والتشديد ايام الحكومة السابقة، وبما اتاح لها الزج بعدد من الصحفيين والسياسيين في السجون لاتفه الاسباب، واوهى المخالفات والخلافات.

بعد اليوم .. وبعد ان اتخذت مصر قرارها التاريخي الباسل بالغاء عقوبة الحبس والتوقيف في سائر القضايا الصحفية، لم يعد مقبولاً من اي حكومة اردنية، او حتى عربية، الابقاء على مثل هذه العقوبة في قوانينها وتشريعاتها .. فقد دارت عقارب الساعة الصحفية الى الامام، وكانت مصر هي الرائدة والمبادرة رغم انها لم تتخلص بعد من قوانين الطوارئ .. فهل يعقل ان نقبل بعد اليوم بوجود تشريعات اردنية دون ذلك ؟؟

ندعو الرئاسة الى الاقتداء بالمبادرة المصرية، فذلك افضل كثيراً من انتظار المبادرة الشرق اوسطية المجوقلة والقادمة خلال شهر حزيران المقبل، من خلف البحار، وعلى متن الرغبات الاورو امريكية في نشر الحريات المزعومة، والديموقراطيات المسمومة، والمصالحات التاريخية الموهومة.

كما ندعو الرئاسة الى المساهمة في تكبير الصحافة الاردنية، وتعظيم شأنها وشهرتها، من خلال خصها بالاخبار والاسرار، ورفدها بالمقابلات والمعلومات، بدل ايثار الصحف العربية والاجنبية عليها، شأن ما درجت عليه العادة منذ عشرات السنين، حيث يؤثر المسؤولون الاردنيون اجراء اللقاءات، وتسريب الاخبار والمعلومات الى وسائل الاعلام الخارجية، بدعوى انها الاكثر حضوراً، والاوسع انتشاراً.

فاذا كانت حكومة الفايز جادة فعلاً في تحقيق " التنمية السياسية " وليس تكتيكات ( الكاميرا الخفية )، فلسوف يقع بند " التنمية الصحفية والاعلامية " على رأس اولوياتها وافضلياتها .. فقد اصبح الاعلام في زمن العولمة، سلاحاً خطيراً وفتاكاً يجري استخدامه على اوسع نطاق لخوض معارك ضارية باتساع الكرة الارضية، بدءاً من تسجيلات ابن لادن القابع في مغاور تورا بورا، وانتهاء بمصفوفات فضائية " الحرة " المنطلقة من حدائق فرجينيا، ومروراً بهذا السيل الجارف من الصحف والاذاعات والفضائيات ومواقع الانترنت التي تعمل جميعها على مدار الساعة، ولم تعرف البشرية لها مثيلاً في التاريخ.

في وقت سابق، كان الساسة والعسكر والمخابراتيون والاقتصاديون، هم سادة الموقف، واصحاب الكلمة العليا والقول الفصل في تسيير دفة العالم .. اما اليوم فقد تقدم العلماء والاعلاميون كل الصفوف، وقبضوا على اعنة كل الامور، وتسلموا دفة القيادة والريادة، وتولوا تسيير وتوجيه عجلة التاريخ.