ادلى المناضل الفلسطيني عبد الجواد صالح عضو المجلس التشريعي بتصريحات صحفية هامة حول عرفات والجدار والفساد في السلطة الفلسطينية نشرتها جريدة المجد الاسبوعية الاردني المستقلة التي يحررها الصحفي المخضرم فهد الريماوي ...

فيما يلي بعض ما ورد في هذا الحوار الذي اجرته معه حنان عساف
لدى زيارته الى عمان مؤخراً، التقته (المجد) في حوار مطول رفع فيه الصوت عالياً ضد فساد السلطة، وجرائم الاحتلال معاً.. وهذه هي التفاصيل..
- في البداية، ما هي اسباب حضورك الى عمان هل هي اسباب شخصية ام عامة بصفتك عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني ؟
قدومي الى عمان جاء في طريقي الى باريس للاجتماع مع رئيس البرلمان الفرنسي، اضافة الى لقاءات مع البرلمان الاوروبي وقادة احزاب اوروبية، اما في عمان فقط كان لي لقاء مجاملة مع رئيس البرلمان الاردني.
- نشر قبل ايام خبر دعوتك للحديث امام احدى لجان الكونغرس الامريكي حول موضوع الفساد في مؤسسات السلطة، ما مدى دقة ذلك، وموقفك من هذه الدعوة ؟
بمجرد تلقي اتصال هاتفي بغية دعوتي لجلسة استماع امام اللجنة المالية في الكونغرس الامريكي رفضت الدعوة دون تفكير، وعندما سألتني ناقلة الدعوة عن السبب اجبتها بانك تتحدثين مع ارهابي فكيف يستقيم هذا الوضع ؟ وعندما قالت باننا نعرفك، قلت لها انا اعرف نفسي لكني غير مستعد للشهادة امام مؤسسة من اشد اعداء الشعب الفلسطيني، فهي تعادي طموحاته الشرعية وتسمي نضاله بالارهاب، فابلغتني انها سترسل الدعوة تاركة فسحة للتفكير في الامر، فكان نتاج تفكيري بيان اصدرته باسمي اعلنت فيه رفض الدعوة وكشفت فيه عن دعم الادارة الامريكية للفساد في صفوف السلطة الفلسطينية بل وفي العالم اجمع .. فانا على قناعة ان الولايات المتحدة قد شكلت غطاء للفساد في السلطة الفلسطينية، كما فعلت وتفعل في مواقع كثيرة اخرى من هذا العالم، فهي ليست معنية بالديمقراطية او بمصالح الشعوب بل تستخدم كل هذه الادوات فقط في محاولة ابتزاز القيادات ومن ضمنها صنائعها من القيادات، وهذا ليس موقفاً جديداً، فقد سبق ان نشرت في صحيفة "لاهرام ويكلئ" عام 1999 موضوعاً تحدثت فيه عن اساليب دعم الولايات المتحدة للديكتاتورية والفساد في السلطة الفلسطينية.
- هل هذا الدعم والتشجيع للفساد يتم لاستخدامه لاحقاً كورقة ابتزاز وتهديد للحصول على مزيد من التنازلات من قبل السلطة ؟
ليس هذا فحسب، بل ان تشجيعهم وتغطيتهم للفساد والديكتاتورية يتمان على امل ان يؤدي هذا الفساد والديكتاتورية الى التنازل عن القضايا الاساسية للشعب الفلسطيني.


- هذا الفساد، كيف يتمثل في اداء السلطة ؟
اهم جانب يظهر في الموازنة العامة المعدة عن الفساد المالي والاداري والتنموي حيث يغيب عنها موضوع التمويل الذاتي، وكذلك القروض الضخمة التي تجاوزت المليارات وصرفت على مشاريع غير انتاجية وبعضها غير معلن، والباقي دفع كرواتب ومخصصات واعطيات، وهذا ترك وسيترك في المستقبل مصاعب جمة امام شعبنا وخاصة الشرائح الاكثر فقراً من حيث التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية .. اما الجانب الاخر للفساد فيتمثل في اساءة استخدام المال العام فاي وزير او موظف كبير في اي وزارة يستطيع ان يتصرف بالاموال العامة دون رقابة، وكما يقال - المال السائب يعلم الناس السرقة وهناك وزراء اصبحوا في اقل من عامين من اصحاب الملايين.


هذا الوضع انعكس على اصحاب الاموال الفلسطينيين في الخارج، وبدلاً من ان تشكل السلطة عامل جذب لهم كما كنا نحلم، اصبح هذا الوضع عامل طرد لهم، وكأنهم يريدون غرس مفهوم عدم المطالبة بحق العودة في عقول وقلوب الانسان الفلسطيني في الشتات.


- اين موقع ودور رئيس السلطة الفلسطينية من هذا الواقع ؟
انه المسؤول الاول والرئيسي عن ذلك، وهو ما ذكرناه بالاسم في بيان (لعشرين)، لاشك ان الفساد موجود في اي مجتمع بشري، لكن المجتمعات والحكومات التي تعمل لمصلحة شعبها تواجه ذلك وتحاربه وتحاكم من يسيء التصرف بالمال العام، اما مصيبتنا فتكمن بان الفاسد تتم ترقيته بمزيد من المناصب ولاعلى المواقع، واكثر ما اخشاه ان يصبح ذلك جزءاً من ثقافتنا، بما يعنيه من نهاية للمجتمع الفلسطيني، ولهذا نحن نحارب الفساد في ظل الاحتلال واعادة الاحتلال والقمع والتدمير الاسرائيلي، لادراكنا انه في سبيل تعبئة شعبنا في مواجهة الاحتلال نحتاج لمعركة نظيفة لا تقوم على معادلة واحد يستشهد ونقيضه يسرق ... فكلنا يجب ان نعاني معاً ونموت معاً ونحيا معاً


- هل تعتقد ان عرفات يترك الامور تسير في هذا الاتجاه ليستمر في الامساك بزمام الامور والسيطرة على المنحرفين وتحريكهم كما يشاء ؟
اذا صحت المعلومات القادمة من باريس حول قضية اموال حوّلت لزوجة عرفات فإن ذلك يقدم موشراً نوعياً جديداً، فقد كنا نعتقد حتى الان انه لا يستخدم هذه الاموال لمصلحته الشخصية، منطلقين من تقشفه الظاهر الى ابعد الحدود، ومن انه يستخدم هذه الاموال لعمليات شراء ذمم وولاء الناس، وفي رحلتي الى باريس ساحاول تقصي الموضوع واذا ثبتت صحته، فاننا نكون امام مؤشر جديد لاساءة استخدام المال العام.


- منذ سنوات قليلة طرحت مبادرة (العشرين) التي شارك فيها اعضاء في المجلس التشريعي حول الفساد في دوائر السلطة، ما مصير هذه المبادرة ؟
النواة الصلبة لبيان العشرين هم اعضاء من المجلس ولازالوا يناضلون لمواجهة الفساد وبدء عملية الاصلاح، لكن المؤسف ان ما يتم من نقاش وصراع داخل المجلس التشريعي لا يعلن عنه خارج جدران المجلس مما خلق اعتقاداً بان المبادرة قد انتهت، فيما انه لا يمر اجتماع او لقاء للمجلس التشريعي دون معارك على هذا الصعيد.


- ما السر وراء عدم معرفة الناس بما يجري داخل المجلس التشريعي في هذا الصدد ؟
المؤسف ان مكاتب الفضائيات تنأى بنفسها عن نشر ما يجري ولا اعلم ان كان ذلك ناجم عن تواطؤ مع النظام الفاسد ام هو خوف منه، لكن المعارك التي نخوضها داخل المجلس لا تجد لها مكاناً على الفضائيات او حتى الصحف اليومية الفلسطينية، فكل ما نطرحه معتم عليه تماماً .. فعلى سبيل المثال فان بياني الاخير لم يتم نشره في الصحف اليومية، بل ان صحيفة القدس رفضت نشره حتى كاعلان مدفوع الثمن .


- تم طرح وتداول اسماء محددة بالفساد، هل تملكون وثائق تتناول هذا الموضوع ؟
بصفتي عضواً في لجنة الرقابة العامة، اقول لك اننا قد انجزنا مؤخراً تقريراً حول قضية بنك فلسطين الدولي، وقد كشفنا دور مدير البنك، ورئيس سلطة النقد .. فنحن كلجنة لا نتحدث بالعموميات بل نشير للاخطاء واصحابها ونطالب بمحاسبتهم.


- وردت سابقاً اسماء وزراء ومسؤولين متهمين بالفساد، ما مصير التحقيق في هذه المعلومات ؟
لقد ورد ذكر بعض الاسماء في التقرير الاول للمجلس التشريعي حول الفساد، لكن المؤسف ان اسماء هؤلاء الوزراء تمت احالتها الى الرئيس بصفته صاحب السلطة التنفيذية لاتخاذ الاجراءات، ويبدو ان الرئيس وضع هذا الملف على الرف .


- اثارت احدى الصحف الاسرائيلية فضيحة امتلاك رئيس الوزراء الفلسطيني الحالي لمصنع اسمنت في القدس يقوم بتوريد جزء من انتاجه للمستوطنات وربما للجدار الفاصل ؟ ما هي حقيقة ذلك ؟
هذا المصنع مملوك لاقرباء ابو العلاء وليس له شخصياً، وقد حاولت التحقق من الموضوع واستخدمت صحفياً اجنبياً لمتابعة الامر، وقيل ان هناك شريط فيديو يصور العملية، وعندما طلبنا الشريط قيل لنا انه يصور فقط سيارة المصنع محملة بالاسمنت ولا يصور خط سيرها، وبالتالي نحن كلجنة رقابة لم نأت على ذكر موضوع هذا المصنع، انما تطرقنا لمصنع اسمنت عائد لشركة اخرى ؟


- من هو صاحب هذه الشركة الاخرى ؟
احد اصحابها وزير حالي.


- هل يقوم فعلاً بتوريد الاسمنت للجدار الفاصل ؟
هناك لجنة توجهت للقاهرة للتحقق من الموضوع، وعادت بوثائق وسيتم الاعلان عن ذلك بعد انتهاء لجنة الرقابة في المجلس من عملها.


- امام تضاؤل فرص اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ما تعليقك على الطرح الذي استخدمه احمد قريع كتهديد في المطالبة بدولة واحدة بقوميتين ؟
كان هذا شعار منظمة التحرير منذ بدء تأسيسها، كما قامت فتح على اساس دولة ديمقراطية علمانية، لكن الحركة الصهيونية تعتبر هذا مسمى آخر لتدمير اسرائيل وبالتالي في اعتقادي ان رئيس الوزراء طرح هذا الموضوع بشكل استفزازي مفاده انه اذا لم تسيروا في طريق تحقيق الدولة الفلسطينية، فاننا سنسير في الطريق الاخر، ولكن قريع لم يلبث ان تراجع عن تصريحه بسرعة، بل ان احد وزرائه نفى صحة التصريح، ولم يكن الامر سوى مجرد عملية دعائية.


- ما رأيك شخصياً بهذا الطرح ؟
اعتقد انه الحل الوحيد المستقبلي للقضية الفلسطينية، فقد غدا واضحاً انه من الاستحالة قهر الشعب الفلسطيني وهزيمته، وهذا ما توصل له حتى شارون نفسه، بينما نحن لا نطرح طرد اليهود خارج فلسطين، اذن فانا ارى ان الحل الديمقراطي هو الحل الانساني الحضاري على المدى البعيد، لكن ذلك لا يمكن تحقيقه دون تخلص اسرائيل من الرؤيا العنصرية التي ترفض المساواة بين اليهودي وغير اليهودي.


- استلمت موقع وزير الزراعة في مرحلة من المراحل، ما الذي استطعت انجازه ؟ وهل انت نادم على مشاريعك في السلطة التنفيذية لفترة معينة ؟
قبل مشاركتي في الوزارة، وعندما كنت رئيساً للبلدية عملت على شراء (تراكتورات) لمساعدة المزارعين، ونفذت اعمالاً تطوعية لمساعدتهم ووضعهم في موقع تنافسي مع الانتاج الاسرائيلي الذي يمنح للمزارع الاسرائيلي مساعدة قيمتها 25% من انتاجه، فيما الفلاح الفلسطيني لا يلقى اي مساعدة .. منطلقاً في ذلك من قناعتي ان صراعنا مع اسرائيل هو صراع على الارض، وكلما رسخنا عملنا في الارض كلما اقتربنا من ساعة التحرير اكثر
وعلى الصعيد الشخصي وبمجرد عودتي للوطن بعد عشرين عاماً من المنفى اشتريت تراكتوراً وبعض المواشي والدواجن، منطلقاً من ذات التصور والهدف، ولاثبات ان خلاصنا يكمن في العمل بالارض ليس باعتباره مجرد شعار وطني او سياسي بل له جدوى اقتصادية.


اعتقد ان نجاحي في عملي في البلدية كان وراء حصولي على اعلى نسبة من الاصوات في الانتخابات، فلم اكن اسعى لموقع بل كان شرطي الوحيد للقبول بالعمل الوزاري هو موقع وزير الزراعة، وقد حاول ياسر عرفات اعطائي منصباً وزارياً آخراً ولكني رفضت، فاما وزارة الزراعة او عدم المشاركة في الوزارة.


- لماذا حاول منحك موقعاً وزارياً آخر وليس ما تريد ؟
لم يكن للزراعة في البداية موقع وزير كامل وكانت تتردد اقاويل حول وجود شرط اسرائيلي بعدم قيام وزارة للزراعة، مما زاد من اندفاعي بهذا الاتجاه وانا فخور بما استطعت انجازه اثناء قيامي بمهمتي ولست نادماً اطلاقاً، فقد استطعت اولاً خلق وضع مؤسسي حيث لم يفز احد بوظيفة الا بقرار لجنة تم تشكيلها لتأخذ قراراتها وفق الكفاءة واستناداً لمعايير محددة واستكملت ذلك بتأسيس نظام اداري بترقية الاكفاء وانهاء عمل غير الاكفاء.


وانجازي الثاني كان عندما استلمت الوزارة وهي لا تملك فلساً واحداً وتركتها بمخزون مالي مقداره مائة مليون دولار منها اكثر من مليوني دولار نقداً، واثناء وجودي في الوزارة امتدت عمليات استصلاح الاراضي الزراعية الى قمم الجبال من الخليل جنوباً الى نابلس شمالاً، وترافق ذلك مع تنظيم عمل المزارعين حيث عملت ليل نهار على تشكيل جمعيات تعاونية هدفها توحيد وتنظيم عمل الفلاحين.


وقد تم كل ذلك رغم العراقيل التي كان يضعها ياسر عرفات في طريقي، فقد قام بتعيين وكيل وزارة همه الوحيد اعاقة العمل، ووكيل مساعد يعيق عمل الوكيل، ومدير عام يعطل عمل الاثنين وهكذا .. وقد حولتهم جميعاً للقضاء.


- اين وصل التحقيق معهم ؟
اوقفهم جميعاً ابو عمار، لكنني استطعت تجميدهم بالرغم من رسائله لي بان هذا ليس من اختصاصي كونه عينهم شخصياً.


- لو عرض عليك الان منصب وزاري جديد، هل ستقبل به ؟
لقد تم عرض الوزارة عليّ لمرتين ورفضت، فلن اعمل بعد اليوم مع هذا الرئيس عرفات.


- انت فاقد الثقة بالسلطة الحالية، فما هو البديل ؟ وألا يمكن ان يكون العمل من الداخل اكثر جدوى ؟
احاول مع اخرين ترسيخ معارضة، وترسيخ دور المجلس التشريعي في هذا العمل، واعتبر في ذلك امكانية التعويض عن جزء مما يجري في السلطة التنفيذية.


- اعلن مؤخراً عن استقالة 400 عضو في حركة فتح، هل ترى في ذلك دليلاً على تفسخ السلطة التي تمثل فتح عمودها الفقري ؟
بالعكس، فعلى الرغم من عدم توفر صورة واضحة امامي عن خلفية هذه الاستقالات، الا انني اعتبرها مظهراً صحياً، فاذا كانت هذه الكوادر غير راضية عما يجري فانها تجسد بذلك ظاهرة ايجابية.


- عاد تعبير التوطين والوطن البديل يطلان برأسيهما من جديد، ما هي قراءتك لهذا الوضع ؟
لا اريد التدخل في الشأن الاردني، لكني اعتقد ان الاتفاقية الاردنية الاسرائيلية لم تكن في صالح الاردن، وارى ان مصلحة الاردن تكمن في خلق وتهيئة الظروف للتخلص من شروط هذه الاتفاقية، كما اعتقد ان اهم معارك الاردن للحفاظ على نفسه تتمثل في دعم الشعب الفلسطيني وانتفاضته، فمن ينسى ولو للحظة واحدة ان هدف شارون والليكود هو الترانسفير، وان الاردن هي فلسطين يكون لا يفقه شيئاً في السياسة، ولا يعرف كنه الصهيونية.


اعتقد ان اسرائيل تخطط لتحقيق هذا الترانسفير كونها تقوم على عدم بقاء اي عربي على ارض فلسطين، منطلقة من شعار نقاء الدولة اليهودية، وللاسف فان الاغبياء من القادة والسياسيين الفلسطينيين الذين ايدوا مفهوم الدولة اليهودية عبر تصريحاتهم او اتفاقية جنيف، قد فتحوا باباً خطيراً على الشعب الفلسطيني والامة العربية من الصعب اغلاقه، بحيث اصبح الحديث عن الترانسفير مبرراً للحفاظ على الدولة اليهودية، واليوم يتجرأ نتنياهو للحديث عن فلسطينيي 1948 وليس فقط عن فلسطينيي الضفة والقطاع.