يقول العرب الأمريكيون أن محطة راديو وتلفزيون العرب (art) عرفت من أين وكيف يؤكل (كتف) المهاجر العربي الذي حن إلي إطلالة عربية علي الشاشة الأمريكية الصغيرة، واستغلت الـ (إي أر تي) تراجع محطة الـ (ana) التي كانت تبث برامجها للعرب الأمريكيين من عاصمة القرار واشنطن وخلو الساحة من أي فضائيات عربية تطرق باب العائلات العربية الأمريكية فدخلت بقوة لتبث لهم محطة تحت اسم (إي أر تي أمريكا) تتنوع برامجها لتشمل كل شيء إلا العرب الأمريكيين الذين لا تتذكرهم سوي أول الشهر عندما يحين موعد سداد فاتورة الاشتراك الشهري، وتعتبر فضائية راديو تلفزيون العرب ـ تقريبا ـ الفضائية العربية الأولي التي دخلت منازل العرب الأمريكيين بحملة إعلانية مكثفة لكنها سرعان ما انقلبت عليهم فجأة عندما أساءت تقدير عقلية المشاهد العربي الأمريكي وعاملته كإنسان سقطت منه كل القيم التراثية والعربية وحسبته مجرد مشاهد نزق يركض وراء الحفلات الراقصة والفيديو كليب والأغاني والبرامج الهابطة رغم أن العرب الأمريكيين يدفعون ثمن هذه البرامج الهابطة دولارات يقبضها القائمون علي المحطة من كل العواصم (بيروت، القاهرة، روما..) إلا واشنطن.
والمحزن في الأمر أن كاميرات الفضائية التي تطير في مشارق الكرة الأرضية ومغاربها لتصور حفلة في ناد ليلي تحت اسم (خيمة رمضانية) أو تغطي احتفالاً راقصاً هنا أو هناك لا نجدها ـ أي الكاميرات ـ حاضرة في أنشطة الجالية العربية الأمريكية الحقيقية وتعزل نفسها عن الجالية ولا تعيرها أي اهتمام أو تبذل أدني مجهود لتخصص لهم برامج حتي أيقنت المؤسسات العربية الأمريكية الناشطة أن الـ (إي أر تي) تعمل وفق أجندة خاصة!
وحيث أن الشيء بالشيء يذكر، ينبغي لي أن أذكر حادثة طريفة وغريبة حدثت هنا في هيوستن (تكساس) عندما استضاف المركز العربي الأمريكي للثقافة والتراث الشاعر الدكتور الإماراتي ووزير الطاقة السابق مانع سعيد العتيبة لحضور حفل افتتاح المركز العربي السنوي قبيل اندلاع الانتفاضة الأخيرة، وكانت الإعلامية المصرية د. هالة سرحان والتي كانت تقدم برنامج (يا هلا) في فضائية الـ (إي أر تي) في ذلك الوقت. وأتذكر تماما عندما وقفت في مطار (بوش انتركونتننتال) لاستقبال هالة سرحان وفريقها الفني قبيل وصول الدكتور مانع سعيد العتيبة بساعات، وقد تزامن وصولها مع موعد انطلاق أول مظاهرة ومسيرة في هيوستن عبر فيها العرب الأمريكيون عن إدانتهم للجرائم التي يقوم بها الجيش الصهيوني في فلسطين رافعين صورة الشهيد محمد الدرة الذي كان دمه حارا ولحمه طريا وقتذاك...ورأيتها فرصة عظيمة تتمثل في وجود كاميرات وفنيين والدكتورة هالة سرحان التي تستطيع أن تأخذ مشاهد للغاضبين من العرب ومن الأمريكيين والذين طالبوا حكومتهم بوقف دعمها لإسرائيل. المهم، د. هالة سرحان نفت أن يكون لها أي اهتمام بنقل مشاهد من المسيرة وأكدت أن زيارتها ثقافية فنية ولن تتطرق إلي السياسة...بعد أيام وبعد أن انقضي الحدث الثقافي وقبل أن تغادر سرحان عائدة إلي القاهرة طارت من هيوستن إلي نيويورك لتنقل مشاهد من مسيرة متظاهرين احتشدوا أمام مقر الأمم المتحدة بل وذرفت الدمع وبكت مع الباكين وكادت أن تشتبك مع رجال الأمن، الأمر الذي يلمح إلي وجود أجندة يسير وفقها إعلاميو الـ(إي أر تي) الذين تضاءلت مهنيتهم أمام (عملقة) البترودولار والأجندات الخفية!!
وقد فشلت فضائية الـ (إي أر تي) في التعبير عن الجالية العربية الأمريكية أو الدخول في المجتمع العربي الأمريكي من (الباب) فدخلت من (الشباك) من خلال مكاتبها وممثليها في الولايات مثل مكاتب لوس أنجلوس، ديترويت ونيويورك...وقد تحولت هذه المكاتب إلي مكاتب تسويقية ومراكز لتعهد الحفلات ، ففي الوقت الذي تتأزم فيه الأمور في الشرق الأوسط وتشهد الأمتان العربية والإسلامية منعطفاً تاريخياً خطيراً تركز هذه المكاتب علي دعم الحفلات الغنائية والمهرجانات التي يرقص فيها أصحابها علي جراح الشعوب المقهورة في العراق وفلسطين والقهر الذي ألجم لسان الشوارع العربية وألزمها الصمت.
وهذا الأمر لم يخفه السيد إيلي كوكباني مدير مكتب (إي أر تي) في لوس انجلوس الذي ألمح في مرات عديدة إلي أن المكتب لن يدعم أي نشاط سياسي أو ثقافي أو أي تجمع غير فني...فالـ (إي أر تي) حريصة علي أن تجمِّع الجالية علي (الواحدة والنص...) لهذا استنكفت الفضائية المذكورة عن دعم أو حضور أو تغطية أنشطة مؤسسات عربية أمريكية عريقة مثل مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، ولجنة مكافحة التمييز وكان جل اهتمامها هو حفلات أي نجم عربي يجول الولايات ويقبض ثمن جولته مقدما من متعهديه قبل أن يربط حزام الأمان في الطائرة التي ستحمله إلي أرض الأحلام الأمريكية!!
الأجندة التي حمَّلتها إدارة الـ (إي أر تي) لمكاتبها في أمريكا تضمنت إلي جانب تهميش الأنشطة الثقافية والسياسية والاجتماعية الهادفة، عملية استقطاب لبعض الصحف العربية الصادرة في أمريكا وذلك من خلال حملات الإعلان المكثفة التي تغدق بها تلك المكاتب علي بعض الجرائد التي تحمل توجهات واضحة بعيدة عن المهمة الحقيقية التي تحملها الصحافة العربية المهاجرة أو الصحافة العربية المهجرية علي حد سيان، ولم تنسَ تلك الأجندة غير المعلنة مقاطعة الصحف التي تغرّد خارج السرب ولا يردد أصحابها ما يقوله (عازف الأوركسترا) وقد أسرّ لنا موظفون من مكاتب (ريش ميديا) المسؤولة عن تسويق الـ (إي أر تي) أن التعليمات تقضي بعدم التعامل مع أي صحيفة تنتقد السعودية أو الفضائية المذكورة، الأمر الذي يدعونا إلي التساؤل عن دور تلك المكاتب وعلاقتها بالحكومة السعودية التي تدعي جديتها في محاولات الإصلاح ومحاربة الفساد وتعزيز الممارسة الديمقراطية.... فهل يسوء تلك الحكومة (الديمقراطية) أن توجه جريدة مهجرية خلف الأطلسي نقداً بناء للحكومة السعودية..؟ وأين هو الإصلاح؟
البرنامج الوحيد الذي استبشرنا فيه خيراً كان برنامج السيد نهاد عوض رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) والذي كان يستضيف فيه مفكرين ومسؤولين عرب وأمريكيين ويتناول فيه قضايا تهم المسلمين في أمريكا وحاول من خلاله توعية العرب الأمريكيين علي الطرق الأمثل للمشاركة في صناعة القرار الأمريكي وتحسين صورة الإسلام في أمريكا وتجسير العلاقات بين المسلمين في أمريكا وغيرهم وخصوصاً من تولدت لديهم فكرة سيئة عن الإسلام كنهج حياة وتشريع سماوي ...ولكن سرعان ما انقطع هذا البرنامج وأوقفته فضائية الشيخ صالح كامل وعندما سألنا عن الدوافع الحقيقية لايقاف هذا البرنامج علمنا أن الفضائية طلبت من عوض أن يجلب إعلانات لبرنامجه، الأمر الذي يؤكد لنا أن إدارة محطة الـ(إي أر تي) تنظر إلي مشتركيها من العرب الأمريكيين كغنيمة سهلة وصيد ثمين.
الطريف بالأمر أن الاعتبارات والقيم العربية التي تختفي في برامج تافهة ترعاها المحطة المذكورة مثل برنامج (عالهوا سوا) وبرامج ما يطلبه (المشاهدون) تظهر قبيل صلاة الفجر بقليل لتنقل المحطة صلاة الفجر عندما يكون عرب أمريكا في (سابع نومة) والأطرف من ذلك هو تلك الأغنية (الكليب) التي تبثها المحطة بعدد الصلوات الخمس كل يوم حول حقوق الطبع والنسخ بعنوان (امسك حرامي) مشيرة كلمات الأغنية إلي ضرورة مراعاة الرزق الحلال بعدم نسخ برامج الإي أر تي دون أن يكون لأصحاب المحطة نصيباً فيها...أما (المشاهد الإغرائية الساخنة) علي مدار الساعة فهذا حلال 100% والعلم عند الله.
وأكبر دليل علي فشل محطة الـ (إي أر تي) هو عدم نجاح شركة الكيبل الأمريكية في تسويقها كمحطة اختيارية باشتراك شهري عندما رفضتها الجالية العربية وسبب انتشارها الوحيد الآن هو وجودها ضمن باقة معتبرة من الفضائيات القيمة التي نرفع قبعاتنا لها احتراما مثل الجزيرة، النيل دراما، دبي، اللبنانية، المستقبل و أم بي سي ضمن خدمة تقدمها شركة الـDish Network .
ولو كان الاختيار مفتوحاً أمام العرب الأمريكيين المشتركين في باقة القنوات العربية مع الشركة المذكورة لاختفت محطة راديو وتلفزيون العرب من منازل الأمريكيين لتخرج من الشباك مرة أخري... والله من وراء القصد
نضال زايد
عن جريدة القدس.
صحافي أردني مقيم في تكساس