للاسبوع الخامس على التوالي تضرب مجلة " المشاهد السياسي " التي تصدر في لندن العائلة الحاكمة في السعودية تحت الحزام من خلال " موضوع غلاف " يتناول الصراع على الحكم في المملكة ... فبعد العدد الماضي عن خطف الامير سلطان ابن تركي من جنيف واتهام ابن الملك فهد بالاشتراك في عملية الخطف خصص المجلة عددها الجديد للحديث عن الوضع الداخلي في السعودية من خلال حوار مطول مع سعد الفقية المعارض السعودي المقيم في لندن ... والذي تحدث عن صراع خفي بين الاميرين عبدالله وسلطان

وكانت مصادر صحافية قد ذكرت ان وزير خارجية قطر اشترى الملجة من محطة بي بي سي التي اصدرتها اولا باسم هنا لندن ثم تحولت الى اسم المشاهد السياسي وكانت المحطة قد باعت فضائيتها الى شيوخ قطر الذين سموها " الجزيرة "

ومجلة المشاهد السياسي لخصت مسيرتها في العدد الماضي بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيسها وجاء في الافتتاحية :

" فهذه المطبوعة العريقة لم تولد حديثا وانما هي امتداد متطور لمجلة ولدت من رحم خلاّق في مهنة العمل الصحفي هي هيئة الاذاعة البريطانية التي مازال يصح القول بانها أكبر امبراطورية اعلامية في التاريخ الحديث. فـ >المشاهد السياسي< عمر مديد آخر لمجلة >المستمع العربي< التي أصدرتها الهيئة قبل عدة عقود واقتصر أغلب محتواها في البداية على برامج الاذاعة البريطانية بالاضافة الى تقارير مراسلين في كل العالم وعندما تطورت (بي بي سي) غيرت عنوانها الى >هنا لندن< بعد ان دخل البث التلفزيوني مجال الخدمة الاعلامية ثم >المشاهد< في عصر الفضائيات ثم >المشاهد السياسي< في عصر الشراكة العربية البريطانية لتكون اول تجربة عربية دولية في مجال الصحافة المكتوبة. ولم يقف سباق التطور في عهد المجلة الجديد. فعلى مدى السنوات التسع الماضية، تطور العالم وتطورت معه >المشاهد السياسي< بعدما ارتدت حلة العصر وتزينت بمفاهيم العمل الاعلامي الواقعي المتميز عن اعلام العالم العربي برمته. فتسنى لها ان تخوض في غمار يصعب على سواها الخوض فيها وولجت الى ساحات يصعب على الكثيرين الولوج إليها.
وهي اليوم غير ما كانت عليه في أي وقت. مواكبة للحدث. موضوعية في الطرح. صادقة في التوجه والاهداف. شاملة في الخدمة. وقبل هذا وذاك الاكثر جرأة وصراحة في تحمل متطلبات المهنة وامانة النقل. تعرف ان للكلمة ثمناً وللصراحة ثمناً وللمصداقية ثمناً وللنجاح ثمناً. وفي البداية اقتضى الامر تواصلا في شراكة العقل الاعلامي العربي المتطلع الى المصداقية والبحث عن الحقيقة والتجرد من الوصاية والتوجيه والمعفي من الرقابة مع ادبيات واسس الخبرات الصحفية البريطانية العريقة. فدخلناها مبتدئين ليس بالمهنة ولا عاصين على خلقها واخلاقها وانما بمفردات حرم منها سوانا ممن عمل في الداخل العربي فاحتكم وارتهن لارادة القرار الذي اوقع الامة فيما هي فيه الآن. او صدر في الخارج وأسس او انضم الى صحافة المهاجر لكنه لم يقو على مواجهة الحقيقة. فظل ينظر الى العالم بما فيه من خير وشرور بعين واحدة نصف مفتوحة ويستقي معلوماته من أوامر يجهل اصحابها خطورة ما يجري في العالم من تقدم وتطور نحو الاحسن. دخلناها مبتدئين برسالة اعلامية حرم العالم العربي منها طوال عقود القرن الماضي.
وهكذا ولدت هذه المجلة في ظروف عربية ودولية كان فيها العالم يمر بمرحلة مخاض توجب ظهور صحافة صحيحة تتمتع بمؤهلات الخدمة بافضل مستوياتها ولا تتورع عن الخوض في المحظور طالما انه يخدم الواقع والمستقبل. فتوافقت ارادة مستثمرين عرب وجدوا في عالم الاعلام مجالا خصبا لخدمة رسالة امتهم، وبين (بي بي سي) التي كانت قد توسعت آفاقها ونمت اختصاصاتها وتنوعت وسائل الخدمة الضخمة التي تقدمها لمئات الملايين من البشر في كل مكان في العالم.
وعلى مدى تسع سنوات ماضية لم يكن هناك خيار آخر امام >المشاهد السياسي< التي تصدر من لندن كما شأنها منذ تسع سنوات ونيف وتوزع في كل العالم العربي باستثناء من يريد الحؤول دون وصولها الى المتضررين من سياساته، غير قول الحقيقة على مرارتها وقسوتها و فداحة ثمنها. قدمناها كما هي دون انتقاص منها او استخفاف بالعقل العربي. تعاملنا خلالها مع القراء والباحثين بالمنظور الغربي الاصلاحي والتوافقي. فهي تتعاطى مع السياسة الدولية بلغة الغرب وتكتب وتحلل للعالم العربي بلغة التحضر والتقدم

تتابع المجلة افتتاحيتها بذكر اسماء الذين تولوا تحريرها من الصحفيين فتكشف النقاب ان اول رئيس لتحريرها كان الصحافي الاردني المقيم في بريطانيا نصر المجالي كما تذكر اسم الصحافي السوري تمام البرازي المقيم حاليا في منطقة واشنطن كما تولى ادارة التحرير الصحافي اللبناني القدير سامي الحاج الذي تولى من قبل ادارة تحرير مجلة سوراقيا وشهدت المجلة في عهده ازهى سنواتها

وتضيف المجلة في الافتتاحية :".وعلى مدى العمر الجديد للمجلة، مرت كوكبة من رؤساء التحرير ونخبة من المحررين و المبدعين فنيا. فقد تناوب على رئاسة التحرير في البداية عدد من الزملاء اولهم نصر المجالي. ثم تلاه حسن ابو العلا، خليل فهمي وبعده جيرالد بت. في حين كان الزميل سامي الحاج اول مدير للتحرير وعمل معه الزملاء تمام البرازي، ماجد سرحان (يرحمه الله)، نوري الجراح، عبد الرحيم الشيخلي، سمير حواش قبل ان ينضم اليهم والى اليوم هشام الديوان، زكي الاسطة، وسمير ناصيف ومنير اسكندراني.
وفي البداية ولفترة محدودة، تولى اسعد ابو قاعود الجانب الفني الذي سرعان ما انتقلت مسؤوليته بالكامل والى اليوم للزميل علي شاهين وعاونه في ذلك الزميل محمد شاهين وتولى عماد دوغلاس طوال الفترة السابقة مهمة المونتاج وفرز الصور والالوان والمساعدة في الطباعة.
ومن الجانب البريطاني كان للسيد كين وتنغهام الدور الاكبر في المساعدة في الانتقال السلس من عهد >هنا لندن< الذي تحول الى >المشاهد< اولا ومن ثم الى >المشاهد السياسي< في العهد الجديد. فيما كان ومازال للزميل كيث بونسلز من البداية وحتى اليوم دور خاص في اكثر من مجال.
وخلال السنوات الاولى من عمر >المشاهد السياسي< لم يبخل السيد غيمون مكميلان المدير السابق للقسم العربي في هيئة الاذاعة البريطانية ومصطفى انور بتقديم المشورة والمواد المهمة والاسهام في المراجعة ورسم السياسات. في حين عمل عدد آخر من الزملاء في اوقات مهمة اخرى من عمر المجلة مثل حسين الصاوي، همبار نركيزيان، سونيا الكساندريان، زكريا تامر، جورج شامي، كمال سنو وكثيرون آخرون أسهموا او عملوا فيها وباتوا الآن في مراكز مهمة وحساسة ووظائف مرموقة في دولهم واماكن أخرى تحول دون ذكرهم بالاسم. في حين كتب الزميل يسري فودة بعض مشاهداته وذكرياته لفترة محدودة قبل ان يهب كل وقته لقناة (الجزيرة). وطوال فترة صدور >المشاهد السياسي< والى الآن ابتدأ الزميل وليد دعاس مهمة الاشراف على التوزيع.
ها نحن ندخل سنتنا العاشرة عالمين عارفين متيقنين من ان طريق صاحبة الجلالة سيمر في سنواته المقبلة بمنعطف أكبر. أكثر خطورة وأكثر تضحية. بعد ان داهمت العالم موجة عنف تضع القتل قبل الانسانية. والتخلف قبل التقدم. فقد تغير العالم نحو الاحسن وان كان هذا الاحسن غير مثالي كما يفترض او تتمنى البشرية، لكنه افضل بكثير مما يكتنف العالم العربي ومما ينتظر المواطن العربي.
في عددها الجديد خصصت المجلة موضوع الغلاف لحوار مع سعد الفقيه نشرته تحت عنوان :" آل سعود يضحون بكل شيء إلا رضا أميركا عليهم و لو ضغطت واشنطن لقبل النظام بالعلمانية بدل الإسلام وجاء في الحوار ان هناك صراعات داخلية بين الامراء بخاصة بين الاميرين عبدالله وسلطان ... وتضيف المجلة :"

تعيش المملكة العربية السعودية منذ مدة ليست قصيرة على واقع صدى اختلاط جديد في القيم وتضارب حاد في الإرادات والرؤيا وبما يهدد واقع ومستقبل الحكم ووحدة المملكة. وهو صراع لم يعد سرا، بين ما يريده حكامها من محافظة على امتيازات تقترب من الهيمنة والاستحواذ المطلق على المال والقرار والسلطة بكل أمجادها وأبعادها وتبعاتها وبين مؤسسة دينية انشأها الحكم لاستخدامها وسيلة لتحقيق أهداف لا حدود لها، فأناط بها مشروع نشر الدعوة فيما استُغلت في حقيقة الأمر ذراعا يسعى على الدوام، وفي ظل كل الظروف، الى تنمية عامل الولاء المطلق والقناعة الأبدية لدى العامة، بصحة وجدوى وصواب سياسات وقرارات وأحكام وأهواء واجتهادات العرش وفروعه وأنسابه ورجاله، وبين الهلاميات والخيوط التي سببت الظلمة لوقت طويل في الشارع والذاكرة والمحفظة السعودية وبدأت تتساقط بعد تغير التحالفات واستفحال الخلافات وتبرئ الأصدقاء والشركاء من التبعات.
فالمؤسسة الدينية التي أُلقي عليها اللوم في نشوء ظاهرة التسبب بخلل كارثي كوني في طبيعة فهم البعض للإسلام ودوره في الحياة وعلاقته مع أبنائه ومع الغير (بعدما قادت الممارسات والتبعية العمياء للحكم الى حدوث مواجهات بين الحضارات) تجد نفسها مجبرة اليوم على التضحية بالكثير من الأساسيات التي اعتُبرت في السابق في حكم الأمر الواجب. وهناك أيضا الشعب السعودي الذي جبل على احترام رجال الدين وتصديقهم والإيمان بفتاواهم. وتعود تبعا لذلك على الولاء غير المحدود للأسرة المالكة والقبول بكل ما تريده وتراه.
وبين متغيرات الحياة وموقف المجتمع الدولي الذي تعرف على الاسلام فقط من خلال عيون وفهم وتصرفات وافعال من يخاصمهم اليوم بعد ان كان يحمي عوراتهم وسقطاتهم ونزواتهم من قبل، فعرفه ناقصا غير مكتمل، غير معصوم من زلات وهفوات ارتكبت من قبل باسم ديانات أخرى، فتحول موقف الغرب تبعا لذلك الى نوع من الحروب الدينية غير المعلنة والمواجهات الاممية التي لم تعد مستترة.
هذه الحالة السعودية الخطيرة، لم تكن مستبعدة الحدوث ولا بعيدة عن حسابات من تابع وقرأ واسترشد بتجارب الغير، بل انها جاءت في نظر الكثيرين قبل أوانها، لا لسبب إلا لأن الكثير من الاقنعة سقطعت بعد احداث الاعتداءات على برجي مركز التجارة في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن، وما سبقها وتلاها من هجمات واعتداءات هنا وهناك. وهي امور يتحمل الحكم السعودي مسؤوليتها الاولى لانها نتاج قيم ومفاهيم زرعت التكفير الذي اتاح قتل واهدار دم كل من لا تنطبق عليه مواصفات الاسلام الذي يرونه بمقاساتهم ووفقا لمصالحهم واعتقاداتهم. هذه المعادلات التي لم تعد تتفق والتطور المدني والحضري والانساني للبشرية، اوقع الحكم والمؤسسة الدينية في مأزق من شأنه ان يقود الى تخلي احدهما عن الآخر وتضحية المنتفع بالضعيف بعدما تنبه العالم كله الى مخاطر الغفلة عن رعاية انظمة ظالمة تستتر وراء الاديان.
وفي الثالث والعشرين من شباط (فبراير) الماضي ناشد نحو 900 من دعاة الاصلاح في المملكة العربية السعودية ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز بوضع جدول زمني للاصلاح السياسي في المملكة. وفي رسالة موجهة له أشاد الموقعون بالتزام الامير العلني الحذر بالاصلاح، مضيفين انه قد آن الاوان للبدء في تنفيذ الوعود.
وقالوا في خطاب بتاريخ يوافق أول أيام العام الهجري الجديد: اننا واثقون من الشروع في تحويل هذه التوصيات الى واقع عملي ملموس وفق جدول زمني محدد حسب درجة الاهمية.
وتعرضت الاسرة الحاكمة في السعودية لضغوط من الداخل والخارج لتحرير الاقتصاد وفتح الباب امام مزيد من المشاركة السياسية. وتحارب السعودية موجة من اعمال عنف المتشددين، كما تواجه تحديات اقتصادية صعبة. وبدأ الامير عبد الله حوارا وطنيا في العام الماضي، فيما وعدت الحكومة باجراء انتخابات محلية هذا العام. ولم تكشف اي تفاصيل عن الانتخابات، كما لم يعلن المسؤولون عما اذا كانوا سيسمحون للنساء بالتصويت. ودعا الموقعون على الخطاب الى وضع جدول زمني لتنفيذ ما اسموه بتوصيات الحوار الوطني بما في ذلك تسريع عملية الاصلاح السياسي وتوسيع المشاركة الشعبية وانتخاب مجلس الشوري والمناطق.
كما دعا الخطاب لتأسيس نقابات و مؤسسات المجتمع المدني الاخرى ومحاربة التطرف وضمان حرية التعبير وتعزيز دور المرأة في المجتمع. وقال علي الدوميني الشاعر من شرق السعودية: لا تزال توصيات الحوار مجرد توصيات لم تنفذ بعد.
وقال ان 880 اكاديميا واستاذا جامعيا ومهندسا وربة منزل من السنة والشيعة من جميع ارجاء المملكة وقعوا على الخطاب. غير ان أحد أبرز مؤيدي الاصلاح انتقد ارسال الخطاب في الوقت نفسه الذي تطالب فيه واشنطن بقدر اكبر من الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط. وقال الكاتب تركي الحمد: التوقيت غير مناسب بسبب مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي تطرحه الولايات المتحدة. يبدو كدعوة للولايات المتحدة للتدخل في السعودية .ورفض الموقعون على الخطاب انتقادات الحمد وقالوا ان دعوتهم للاصلاح ترجع الى حرب الخليج في عام 1990. وقال محمد المحيسن: لا يعني مجرد ان امريكا قد دعت الان الى الاصلاح انه ينبغي علينا رفض الدعوة.
وقبل ذلك بثلاثة أيام قال منشق سعودي بارز ان حكام المملكة المحافظين يعرقلون مناقشة التغيير السياسي وان أي اصلاحات حقيقية ستعني نهاية الملكية. وذكر سعد الفقيه زعيم الحركة الاسلامية للاصلاح السعودية ومقرها لندن أن أي اصلاح حقيقي لا يتماشى مع بقائهم في الحكم . ورفض الفقيه الحوار الوطني الذي بدأه ولي العهد السعودي الامير عبد الله لرفع المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية قائلا ان الوفود لا يمكنهم التحدث بحرية.
وأبلغ الفقيه برنامج هارد توك الذي تبثه هيئة الاذاعة البريطانية أن الحوار يدور داخل أربعة جدران مغلقة بين اناس اختارهم النظام ووجههم للحديث عن موضوعات معينة. وقال الفقيه الذي نظمت جماعته مظاهرة نادرة من نوعها في شوارع الرياض العام الماضي فرقتها الشرطة ان هناك حاجة لحوار أكثر انفتاحا في السعودية. وأضاف: الحوار الملائم يكفل للجميع حق الحديث وطرح أي موضوع... في المحافل العامة. هذا هو الحوار الحقيقي وليس الحوار الذي يجرونه والذي لا يجدي نفعا.
وقال الفقيه ان جماعته لن تتيح منبرا لأي جماعة تدعم العنف. وأضاف: هناك ما يكفي من السبل السلمية (للتغيير). وتابع: فور أن يتمكن الناس من الاتصال ببعضهم بعضا وادراك الاشياء وعندما يتعلمون كيفية التعامل مع مشكلات القمع والفساد والسرية ستكون هناك وسائل وأدوات كافية.
لذلك وعند الحاجة للحديث عما يجري في السعودية، لن يكون هناك من هو أصدق من السعوديين والمتدينين منهم في شرح أبعاد الازمة في بلادهم وفي بيان حقيقة العلاقة بين الحكم والمؤسسة الدينية. ود. سعد الفقيه الذي اختار بريطانيا منفى اختياريا له بعد ان يئس من احتمال تحقيق الاصلاح في بلاده ودفع الحكم الى الأخذ بالنصيحة دون ان يكون ثمن ذلك شبيها بما تعرض له عدد من العلماء المشايخ السعوديين الذين جاهروا بدعوات من هذا النوع دون ان يكون لهم طموح في الحكم او في اسقاط النظام. الدكتور الفقيه الذي يشكل اليوم ظاهرة يصعب على الحكم في المملكة التقليل من شأنها او تجاهل ثقلها وأثرها في توجيه الشارع السعودي نحو طريق أفضل بقدر أقل من الالغام والمتاهات، من خلال قيادته للحركة الاسلامية للاصلاح، لديهم منابر عدة يتحدث منها على الهواء مع ملايين السعوديين. هذه المنابر تتم عبر البريد الالكتروني والنشرات المكتوبة والبرامج التلفزيونية والاذاعية التي تبث عبر الانتر نت. وكاد نشاطه هذا ان يتسبب بالحاق الاذى به عدة مرات قبل ان يتعرض لمحاولة اختطاف اقتصرت فيما بعد على اعتداء بدني قاده الى المستشفى لبعض الوقت. ومن هم على شاكلة الفقيه، قد لا يرون في الدنيا افضل من الثواب والاجر وارضاء الله لكن بطريقة متحضرة تحرم ايذاء الغير وتبتعد عن المتاجرة بالشريعة والعقيدة طمعا في اي منفعة غير رحمة من ربك ترجوها:
< هل هناك خلاف حقيقي بين المؤسسة الدينية السعودية والحكم في المملكة؟
> لا خلاف حقيقيا و على أي مستوى بين المؤسسة الدينية والحكم في السعودية. لكن هناك خلاف حقيقي بين اجنحة الحكم. فالامير سلطان يستقدم المشايخ ويقول لهم شوفوا العلمانيين يعقدون مؤتمرا برعاية عبد الله. ويصوّر لهم ان مثل هذا الامر لا يجب ان يتم وان كانت هناك ضغوط من اميركا على الحكم. ويطلب منهم اصدار بيان لتحسيس السعوديين بالضغوط الاميركية. والبيان يصدر لكنه يدين عبد الله وحتى المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد قبل شهرين تقريبا فقد رعاه ودعا له الامير عبدالله لكنه اي المؤتمر والقائمين عليه والمشاركات فيه لم ينجوا من النقد والاتهامات. ومع انه لم يصدر بيان من هيئة العلماء لكن كان هناك ضغط واضح. وسلطان تظاهر لهم انه بريء منه.
< لكن ما هو وضع الجهاز الديني الرسمي، هل تطور وضعه هل استوعب المتغيرات التي تجري في العالم والضغوط التي تمارس على الرياض، هل لديه استعداد لتفهم الأوضاع المستجدة على مستوى العالم، هل يعيش أفراده وقادته في هذا العصر معنا؟
> الجهاز الديني الرسمي ليس له اي توجه. توجهه تابع للدولة مائة بالمائة. وهو لا يمثل جهة مستقلة اصلا حتى يكون متفقا او مختلفا مع الدولة. بل انه جزء من اجهزة الدولة.
< فهل يصح القول أن المؤسسة الدينية تتبع الدولة وهابية المذهب وهي لا تختلف عنها ولا تدفع بها الى تبني هذا المذهب؟
> الدولة وهابية. ووفق هذا المبدأ فان الحاكم رب. والذي يخالف الحاكم يرمى بالسجن او يقتل. وهذا المذهب انا شخصيا ضده. فالمؤسسة الدينية الرسمية لم يحصل قط ان اجتمعت دون تعليمات من الدولة. وكل خطواتها وقراراتها ومواقفها ليست اكثر من ترجمة لارادة وقرارات الدولة. وحتى ما يصدر عنها من قرارات انما هي وردت مكتوبة من الديوان الملكي او من وزارة الداخلية ومن ثم تطبعها المؤسسة الدينية وتنسبها اليها. فقط يتولون تعديل وتهذيب الصياغة وإلباسها الطابع الديني.
< في الديوان الملكي، من هو صاحب الاختصاص الذي يتولى إصدار مثل هذه التعليمات والأوامر؟
> هناك جهات متخصصة تتولى تنفيذ الارادة الملكية في هذا المجال.
< وهل صحيح أن إحدى زوجات الملك هي التي تقف وراء ذلك؟
> لا هذا غير صحيح مع احترامي لمن يقول ذلك.
< فمن أين يستمد أصغر أنجال الملك قوته ونفوذه إذن؟
> عنده سعد البريك وعايض القرني ولديه مجموعة اخرى من رجال الدين الاقوياء الذين يدعمونه وهناك من هم اقوى من هؤلاء ممن يعملون منذ القدم في الديوان الملكي. وأحدهم يقال له الشثري. وفي بعض القضايا المهمة فان اناسا اكثر خبرة بالعمل الاسلامي يتولونها مثل عبد الله التركي وسواه. اما الكلام النهائي في هذا المجال فيتولاه رجل واحد هو صالح اللحيدان وهو اذكى واكثر حنكة ودهاء من المفتي.

التحول
< هل حدث شرخ في طبيعة العلاقة بين الحكم والمؤسسة الدينية؟
< بعد ان توفي الشيخ محمد الابراهيم في منتصف الستينيات انشأ الملك فيصل هيئة العلماء التي هي في حقيقتها ليست اكثر من حيلة لتخفيف دور العلماء او اختصاص وسلطات المفتي الاكبر في المملكة وهو الشخص الذي يتربع على رأس المؤسسة الدينية السعودية. وهي كذلك حيلة للخروج من هيمنة آل الشيخ في المجال الديني. فآل الشيخ تمتعوا بالمصداقية بسبب الارث الديني التاريخي للعائلة من خلال الحلف الذي ترسخ بين عائلتي آل سعود وآل الشيخ من أيام محمد بن عبد الوهاب. فجاءت خطوة الملك فيصل بمثابة تهميش لدور هذه العائلة في الهيمنة على القرار الديني.
< كيف تم تهميشهم؟
> اولا عُين بن باز على رأس المؤسسة الدينية التي أنشأ لها هيئة للعلماء. وقد خف تأثير آل ابراهيم في المجال الديني بالفعل، وان كانت شخصية بن باز لا تقارن على الاطلاق بشخصية محمد الابراهيم. ثم ان بن باز لا ينتمي الى عائلة قبلية ذات ثقل في الساحة السعودية والظاهر ان هذا التوجه كان مقصودا في اطار السعي لاضعاف دور المؤسسة الدينية. ومنذ ذلك الحين والمؤسسة الدينية لا تمثل اي شكل من اشكال تقاسم السلطة ولا تمثل ذراع حكم. بل انها تحولت الى اداة تطويع الناس للدولة من جانب واحد وموقف هيئة كبار العلماء في الشوون السياسية لم يكن في يوم من الايام موقفاً مستقلاً في اي مجال من مجالات المبادرة الذاتية النابعة من موقف الدين من قضايا العصر او متطلبات مواجهة المستجدات.
< هل تعني أنها مصادرة الرأي والموقف في كل المجالات؟
> في المجال السياسي والديني. لكنها احتفظت ببعض الدور وهامش المبادرة في المجال الاجتماعي وهي غير ذات أهمية تذكر مقارنة بالدورين الديني والسياسي. فهي ناشطة فيما يتعلق بالتبرعات و اضافة المزيد من اصوات الجماعة.
< لكن الشكل الواضح للمؤسسة الدينية ظل على الدوام يوحي بالقوة؟
> كيف يعني قوية في الشارع، ماذا تقصد أنت بذلك؟
< اقصد ان المطاوعة كانوا يمسكون بالشارع السعودي ويسيرونه ودورهم في هذا المجال ظهر وكأن لا احد يستطيع ان ينافسهم فيه، أليس هذا صحيحا؟

مصداقية
> لم تكن لهيئة العلماء مشكلة مع الدولة. ولم يكن موضوع اظهار هيئة العلماء على نحو يمنحها المصداقية الكاملة امام الشارع السعودي، يشكل أي ازعاج او اضرار بالنسبة إلى الحكم. بل كان مطلوبا جدا من قبل الحكم ان تكون هناك مصداقية لاعضاء هيئة العلماء وايضا للقضاة العاملين في مجال الشريعة. ولغاية السبعينيات خف دور الهيئة وبدأت بوادر دورة من التغريب المستعجل في الدولة.
< فهل يعني ذلك بدء مرحلة جديدة من التحول في دور المؤسسة الدينية وفي أي اتجاه، الانفتاح أم زيادة النفوذ والتشدد؟
< التغريب المستعجل سمح بظهور سينمات في النوادي تعرض افلاما فيها الكثير من الخلاعة غير المقبولة حتى في دول أخرى وصور في التلفزيون لم يكن مسموحا بظهورها من قبل وصور واخبار كانت محرمة وسمح بنشرها او النقاش فيها في الصحافة المطبوعة. وقد تسبب ذلك في ردة فعل عنيفة قادت الى حادثة تمرد جهيمان العتيبي في الحرم المكي في عام 0891. ووقتها اكتشف الملك فهد ان حركة التغريب هذه ذهبت بعيدا فاعاد شيئا من المصداقية الى العلماء واوقف التغريب المباشر واستبدله بنوع من برنامج التغريب البطيء ولم يكن للعلماء أي دور في ذلك لا في الضغط على الحكم لايقاف البرنامج ولا في الاستبدال. بل انها ردة فعل شعبية عنيفة ترجمت بما قام به جهيمان. و قد سبب عمل جهيمان حرجا كبيرة للحكم خصوصا في الخطبة التي القاها في الحرم وتطرق فيها الى حركة التغريب.
< فماذا حصل بعد ذلك؟
> بعد السبعينيات والثمانينيات والتي كرست دورا حكوميا بحتا للهيئات الدينية وبعد ان فرضت الدولة الاحترام اللازم على الناس لمؤسساتها وهيئاتها الدينية وبعد الدعم الحكومي الكبير للعلماء.
< ما هو نوع الدعم الذي تقصده؟
> رواتب عالية ومراكز حكومية رسمية عالية وتقدير حكومي على مستوى الدولة لهيئة العلماء وبرنامج زيارات رسمية يقوم به الملك شخصيا للعلماء في المناسبات والاعياد.
< كل هذا مقابل ماذا؟
> مقابل ان لا يكون لهيئة العلماء دور في السياسة. بل ان المطلوب منهم هو دعم وتأييد سياسة الدولة أيا كانت هذه السياسة. غير ان دورهم الهامشي في النشاطات الاجتماعية لم يتوقف وكذلك دورهم في طبيعة علاقة دور الرجل بالمرأة ولا تنظر لا في نظام اقتصادي ولا تنظر في اللوائح والانظمة او العلاقات والامور الخارجية إلا اذا طلبت منها الدولة ان تصدر فتوى او ان تتحدث عن رأي في هذا الموضوع او ذاك. ففي ايام الناصرية والقومية جرى زج المؤسسة الدينية في الصراع لصالح الحكم في السعودية الى أبعد حد بينما في كل الامور المهمة الاخرى التي سادت المنطقة والعالم لم نسمع رأيا واحدا للعلماء في الامور السياسية. هذا قبل أزمة الخليج.
< هل استمر ذلك بعد منعطف تطورات أزمة الخليج أيضا؟
> بعد ازمة الخليج انقسمت المؤسسة الدينية الى مؤسستين واحدة مستقلة والثانية حكومية. قبل ذلك كان المشايخ في اذهان الناس بمثابة شيء واحد لكن الانقسام حصل بعد عام 0991. الناس كانت تحترم العلماء وحتى الذين لم يكونوا مرتاحين او لم يستسيغوا فتاوى بن باز فانهم كانوا يحترمونه ويحاذرون معارضته او المساس به. فالمؤسسة الدينية ككتلة واحدة تمتعت على الدوام بنوع من المصداقية. بعد ذلك وبعد ان بدأت النخبة المتدينة تنتج شبانا واعين مثل الشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي بدأ هؤلاء الشباب الواعون يتحدثون بلغة مختلفة عن لغة المؤسسة الدينية بنسبة مائة وثمانين درجة. كانت هناك اشارات واحاديث ومواقف جديدة ترفض قيام الحاكم بالاستعانة بالكفار وكان هناك مليون شخص من هؤلاء الذين اسموهم الكفار قد دخلوا الى المملكة بحجة حمايتها او حماية الحكم من صدام. وكان دخول وبقاء هؤلاء دون شروط. والشيخ بن باز الذي كان يفتي في ايام عبد الناصر بعدم جواز الاستعانة بالكافر حتى للضرورة غير رأيه وصار يقول ان الاستعانة بالكافر واجبة!.لم يقل جائزة وانما واجبة! لذلك بدأ الناس يعيدون النظر في مصداقية وشرعية هيئة العلماء او المؤسسة الدينية خصوصا وان داعية مثل سفر الحوالي كان يعتبر ان وجود الجيوش الاميركية والاجنبية في المملكة مؤامرة معدة ومجهزة بينما المؤسسة الدينية تشاطر الحكم القول في انه دعم ونجدة من اصدقاء في مواجهة شقيق مسلم لكنه عدو.

الأولى
< هل هي الهزة الأولى لمصداقية المؤسسة الدينية؟
> نعم على الرغم من ان حرب الخليج ومواقف الحكم من الوجود العسكري الاجنبي او الاستعانة بالكفار لم تكن السبب الوحيد لمثل هذا الموقف من قبل الناس. والصحيح ايضا ان الاهتزاز وتراجع المصداقية كان خطره وأثره على النظام اكثر من المؤسسة الدينية فالنظام السعودي هو الذي استجار بالوجود العسكري الاجنبي وهو الذي دفع هيئة العلماء لاصدار فتاوى تناسب مصلحته وتتجافى وتتعارض تماما مع الموقف الشرعي. وهناك سبب آخر يعود الى ظهور فئة دينية متنورة ومتحدثة بشكل جيد ومتمنطقة بنفس المنهج والاستدلال بالسلف لكنها تتعارض ومبدأ المؤسسة الدينية في جواز الاستعانة بالاجنبي ضد المسلم. هذه المجموعة الجديدة أكثر معرفة وافضل منطقا واوسع مصداقية لانها اقرب الى فهم الشارع للامور الدينية والسياسية وليس الدينية فقط.
< فهل أنتم وأقصد أنت والدكتور محمد المسعري الذين شكلتم لجنة الإصلاح من ضمن المجموعة الجديدة الأكثر ثراءا ومصداقية في مواقفها وفهمها وفتاواها؟
> لا. نحن لم نكن قد ظهرنا بعد وكان الحوالي والعودة ومعهم نفر من العلماء والباحثين الطيبين قد سبقونا في ذلك.
< فهل أدى ظهور مختلفين أو منافسين من المشايخ الشبان الأكثر تحضرا وفهما الى تحفيز وتثوير المؤسسة الدينية التلقليدية التي يطلق عليها هيئة كبار العلماء؟
> بل ان دور المؤسسة الدينية قد تردى بعد ذلك و تحولت الى تجريم كل من يخالف النظام حتى وان كان مسلماً حتى وان استخدم نفس منهج كبار العلماء وهو المنهج السلفي. ولذلك لو تتبعت البيانات التي صدرت من الهيئة منذ ازمة الخليج وحتى الآن لن تجد غير بيانات الدفاع عن الحكم وتجريم من يختلف معه. وهناك بيان معروف صدر في عام 1991 ضد اصحاب خطاب المطالب المشهور الذي وقعت عليه اربعمائة شخصية. بيان صدر بعد ذلك عام 2991 ضد موقعي مذكرة النصيحة وبيان ثالث صدر عام 3991 ضد لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية. ورابع صدر عام 4991 ضد سلمان العودة وسفر الحوالي وسمح للدولة باعتقالهم وتعذيبهم والتحقيق معهم. تصريحات متتابعة في تحريم وتجريم وتكفير سعد الفقيه والمسعري وبن لادن وغيرهم ثم تتابعت البيانات في تجريم الانفجارات وهي انفجارات الرياض والخبر والعجيب ان هناك انفجارا وقع في البيشة وهو في مسجد وقتل فيه 051 شخصاً من المصلين ولم يصدر بشأنه أي بيان من هيئة كبار العلماء! الانفجار وقع بين ألفي مسلم من المصلين وداخل المسجد ولم يصدر بشأنه ولا تصريح صغير. الاستنتاج هو ان المؤسسة الدينية تحولت الى اداة حكومية ميئوس منها تعاني من نفس امراض الهيئات الحكومية الاخرى.

المحرك
< ما الذي يحرك المؤسسة غير الأوامر الحكومية؟
> وصلت القضية الى ذروتها في عام 4991 حينما اودع العودة والحوالي في السجون. ففهم الناس ان العالم المستقل يرمى في السجن. وما دام العالم مستقلاً فان له مصداقية ومعنى ذلك انه طالما على خصام مع الدولة فان الدولة غير شرعية وما دام العالم الرسمي خسر مصداقيته فان الشرعية الحكومية التي اضفت عليه منصبه ووجوده، قد تضعضعت. لكن بقي شيء من الشرعية والمصداقية لهيئة العلماء من خلال شخصي بن باز وبن عثيمين.
< لماذا؟
> لن استطيع اجابتك لانها قضية معقدة. وفي نظري انه وباستثناء تواضع بن باز وبن عثيمين ومعرفة الناس بهما على اساس انهما لا يبيعان الفتاوى فان لا شيء حسناً آخر يمكن ان يذكر عن أي أحد. لانه حتى في داخل هيئة كبار العلماء هناك من هو اعلم منهما اي من بن باز وبن عثيمين. واوعى مثل بن منيع وبن غذيان، فهما اكثر علما من بن باز وبن عثيمين واعرف باصول الفقه واعرف بالواقع اما العلماء الشباب فهم قطعا اعلم من بن باز وبن عثيمين فهم علماء واقصد المشايخ الشباب جبابرة في الشرع. لكن كون الدولة قدمت بن باز وبن عثيمين واعطته هالة فقد اصبحت لديه مصداقية لمجرد ان لديه إرثاً و ليس في سجله انه مناضل في مواجهة عبث واهواء الحكام كما فعل ابو حنيفة واحمد او الامام مالك. فكلهم قد عذبوا لانهم واجهوا الطغاة. فليس في سجل بن باز ولا بن عثيمين اي شيء من هذا. بالعكس ان في سجله انه يثني على الحكام ويمجدهم ويقدسهم والى درجة انه يقول عنهم انه قد جاء على يديهم من النعم ما لم يستطع احد ان يفعله إلا الله.
< فكيف تواصل احترام الناس لهم في ظل كل هذا؟
< نعم ومع هذا ظل لهم قدر من المصداقية العالية في اوساط التيار الكلاسيكي وهو التيار الرئيسي في البلاد. وعندما توفي بن باز في عام 8991 ومن ثم تبعه بن عثيمين بعد ذلك بعام واحد. ووفاة هذين الشخصين كان حدثا مهما في البلد لان هيئة كبار العلماء لم يتبق لها اي قدر من المصداقية إلا من خلال هذين الشخصين. ومصداقيتهما لم تكن من قوة نضالهما في مواجهة ارادة الحكام وانما من كونهما قد تميزا بالنظافة. كانا يطيعان الحكام لكنهما لم يبتذلا نفسيهما مقابل المال. فلم يبق بالتالي إلا اللحيدان وابن الشيخ. والثاني معروفة قصوره واملاكه وهكذا فان هالة ابن الشيخ لا تقترب ابدا من هالة بن باز واما اللحيدان فان سمعته عند الناس معروفة وهو أحن وأقرب الى هوى الحاكم وأكثر مضيا في تجريم خصوم الحاكم من سواه ربما. وهذا الرجل ليست عنده مشكلة في ان يبادر في ذلك دونما الحاجة الى التعليمات والاوامر.

أيلول
< فماذا حصل بعد احداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 1991 هل استمرت الأمور على هذا المنوال أم تغيرت؟
> عندما جاءت أزمة ايلول (سبتمبر) أحرقت النظام بهذا التوازن الغريب. فالدولة كانت تستفيد من هؤلاء العلماء عن طريق خلق وتنمية نفوذهم داخل البيئة الاجتماعية حتى يؤمنوا لها الغطاء اللازم للشرعية والحقيقة ان تأمين البيئة الاجتماعية ليس من أجلهم هم اي العلماء وانما من اجل توثيق قدر عال من المصداقية لهم هم اي الحكام ولتصرفاتهم عند الناس.
< ألهذا السبب لم يكن للمال العام رب يحميه أمام ما يقال هنا وهناك عن الامتيازات الخاصة والهبات؟
> ليس من اختصاص المشايخ ان يتدخلوا او يعلقوا او يفتوا بما يتعلق بأموال الدولة. وبالامكان القول ان الدولة تعرضت لاول اختبار أميركي عندما ُطلب منها التخلص من ظواهر التشدد الاجتماعي والعمل على تغيير المناهج التي لعلماء الدعوة الوهابية دور كبير في وضعها واختيار مادتها. وطلب منها كذلك الحد من نفوذ ما يسمى بمؤسسات المطاوعة.

خيارات
< فهل وجدت الدولة نفسها أمام خيارات صعبة تتطلب تضحيات مكلفة لا بد منها؟
> الدولة بالنسبة إليها، الرهان على أميركا أهم من الرهان على العلماء او الحفاظ لهم على الكيان الاجتماعي. صح ان هناك خطراً من المجازفة واحتمال اهتزاز النظام الاجتماعي وهناك خطر على النظام نفسه من جراء التقليل من مصداقية هيئة كبار العلماء لكن الخطر الاكبر من وجهة نظر النظام هو في معاداة او اغضاب أميركا. فاذا حوصرت الدولة واضطرت الى الاختيار ما بين الاثنين إما ان ترضي أميركا وتخفف دور العلماء وتسمح باختراق اجتماعي غربي او ان ترفض الضغوط الاميركية وتبقي دور العلماء وتحافظ على التناسق الاجتماعي وتقاوم الفساد الاخلاقي، فمن المستحيل ان تختار او تفضل الخيار الثاني. لانه بالنسبة إليهم أي آل سعود هو دعم الدول العظمى لانه شريان الحياة. وهذا ما قاله لهم ابوهم الملك عبد العزيز >شمس بريطانيا في افول وعليكم بأميركا ولا تفرطوا بقيمة وأهمية دعمها (اميركا) لكم<. لذلك فاننا على قناعة بأن النظام السعودي يمكن ان يفرط بأي شيء دين او مذهب إلا رضا أميركا عليه. ما عندهم مانع يتخلون عن أي شيء. ولو ضغطت عليهم أميركا ضغطاً حقيقياً شديداً فان لا مانع عند آل سعود من اعلان ان المملكة علمانية وليست لها علاقة بالدين. لكن اميركا أكثر خبرة ودهاء وفطنة ولن تقدم على مثل هذه الخطوة حتى في اطار محاربتها للتطرف. هذا هو الذي حصل.
< فإلى ماذا أدى هذا الانفراط أو التحول في العلاقة بين الحكم و هيئة العلماء؟
> أدى الى ما يشبه انهاء نفوذ هيئة كبار العلماء على المستوى الاجتماعي بسبب الضغط الاميركي. لأن هيئة العلماء لم تستطع ان تمنع هذه القائمة من عمليات التغريب التي تشهدها المملكة الآن. مثل تغيير المناهج، تغيير وضع علاقة الرجل بالمرأة، ظهور مسائل جديدة في الشارع السعودي وفي تصرفات البعض تتنافى تماما مع طبيعة الانسان السعودي وطبيعته المحافظة.
< فهل تم الحد من نفوذ العلماء في هذا الجانب الحياتي؟
> نعم بالامكان القول بذلك. وكان ذلك بالطبع استجابة من النظام لمطالب أميركا.
< لكن ماذا عن العلماء انفسهم ألا يقاومون مثل هذا التطور؟ ألا يتعارض ذلك مع نظرتهم للأمور؟
> ليس لدى العلماء اي استعداد للتمرد على الموقف الحكومي الذي يقود الآن الى هذه الظاهرة. والشيخ صالح اللحيدان وحينما تم دمج ادارة تعليم البنات بالمعارف تقاطر عليه الالاف من الشباب غير الراضين على هذا القرار فكان جوابه عليهم ان نصحهم بالتحلي بالهدوء لأن المجتمع عنده الكثير من الاسقاطات الاجتماعية التي تعود بموجبها على القناعة بأن مسألة المرأة أخطر من أي أمر ديني آخر. يعني سب الله وسب الرسول واكفر لكن لا تفتح موضوع المرأة. ونحن لا نتجنى على أحد بل نحترم الغير. هم يرون في قضية المرأة قضية ستر لا بد منها وان وضع المرأة يجب ان يقوم على أساس الفقه الاسلامي ومن واقع الايمان بالعرف العربي بقوامة الرجل على المرأة وحمايتها. وهذا الامر وان كنا نحترمه لكنه لا يرقى الى كل رد الفعل هذا الذي اوجب ذهاب الالاف الى اللحيدان للتعبير عن رفضهم وسخطهم ورغبتهم في مواجهته. هذا الموقف اعطي من قبل هؤلاء اولوية على أي رد فعل يتعلق بوجود نصف مليون جندي أجنبي في البلاد. ولا على ان تكون المملكة موقع انطلاق للطائرات الاميركية لضرب العراق.