قال يوسف عيسى، مسؤول مكافحة التجسس في الأمن الوقائي ان الجهاز عمل خلال الشهرين الاخيرين بشكل مكثف في ملاحقة جواسيس اسرائيل ونجح خلال هذه الفترة القصيرة بفتح ثلاثين ملفا تم تحويلها الى النيابة لتقديم لوائح اتهام ضدهم بتهمة التخابر مع إسرائيل. وخلال السنوات الخمس الاخيرة تم فتح 300 ملف آخر. لكنه يرى أن عدم التعاون من قبل التنظيمات الفلسطينية يشكل عائقا أمام مجرى التحقيق.

وقال ان جهاز الأمن الوقائي اعتقل عميلا فلسطينيا بتهمة التخابر مع إسرائيل لاغتيال الشيخ أحمد ياسين ومراقبة تحركاته وقال ان اجهزة الأمن الفلسطينية ما زالت تحقق في جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين من دون ان تتوصل الى نتيجة محددة لمدى تعاون فلسطينيين مع اجهزة المخابرات الاسرائيلية، وقال: المشكلة اننا لم نلق التعاون من حماس في تحقيقنا هذا. فالحديث يجري عن موضوع حساس جدا ومن دون أي تعاون مشترك بين جميع الاطراف ذات الخصوص بالموضوع لا يمكننا التوصل الى نتيجة محددة. ومواصلة عدم تعاون حماس مع الأجهزة الأمنية بالتحقيق في قضية اغتيال الشيخ ياسين وحاليا في اغتيال الرنتيسي سيكون عائقاً أساسياً لنجاح التحقيق في القضية.

وحال تنفيذ جريمة اغتيال الرنتيسي، خرج الوزير اليميني المتطرف، جدعون عزرا بتصريحات تفاخرية بإنجاز هذه الجريمة ونجاحها، مشيراً الى ان المعلومات الاستخباراتية التي تلقتها إسرائيل ساعدتها على نجاح عمليتها من دون ان يقلل من أهمية الأجهزة الاستخباراتية الحديثة التي استخدمتها إسرائيل في تنفيذ هذه الجريمة.

ومن جانبه، يقول يوسف عيسى، بحسب اطلاعه الواسع على كل ما يتعلق بطبيعة العملاء وخرق أجهزة المخابرات الإسرائيلية للمجتمع الفلسطيني، فإن إسرائيل تستخدم في عمليات الاغتيال ثلاث خطوات ضرورية وهي المعلومات الاستخباراتية وهذه تحصل عليها بطريقة علاقاتها القوية مع العملاء أو التصنت على المكالمات الهاتفية، اضافة الى انها باتت تعتمد بشكل كبير على الأجهزة والادوات الالكترونية مثل طائرة من دون طيار وغيرها من الأجهزة التي تزودها بها في بعض الأحيان، الولايات المتحدة الامريكية.

ومنذ انطلاقة انتفاضة الاقصى شهدت المناطق الفلسطينية ظاهرة ارتفاع نسبة العملاء بينها بعدما نجحت إسرائيل، ومن دون استخدام اجهزة الكترونية حديثة، باغتيال العديد من الشخصيات الفلسطينية والقادة البارزين، وفي حينه وجهت العديد من الانتقادات للسلطة الفلسطينية واطلقت اولها من حماس، حين صرح الشهيد عبدالعزيز الرنتيسي، في اعقاب اغتيال الشيخ صلاح شحادة: ان النجاح الكبير للعملاء ناتج عن عدم تعامل السلطة الفلسطينية بالشكل الصحيح تنفيذا لما جاء في اتفاقيات اوسلو حيث يشار بشكل واضح الى عدم ملاحقة السلطة لهؤلاء العملاء، فيما كان الوضع قبل اتفاقية اوسلو يختلف، حيث كانت التنظيمات الفلسطينية تتابع الموضوع بنفسها، الأمر الذي كان على الأقل يرعب الشباب ويجعلهم يحسبون الف حساب قبل ان ينجروا وراء أي عروض يقدمها العدو. هذا الموقف يرفضه المسؤولون في السلطة الفلسطينية بالقول ان اتفاقات اوسلو ليست السبب: انما الامر يكمن في عمليات الاحتلال والمبالغ الضخمة التي صرفتها عليهم.

وما بين هذه التهمة والرد عليها واصلت إسرائيل جهودها لتجنيد أكبر عدد من العملاء مستعينة بأحقر الأساليب المعروفة بدءا باستغلال الوضع الاقتصادي الصعب للفلسطينيين مروراً باليأس من المستقبل في ظل التدهور الأمني وضعف شخصيات الكثيرين ممن انزلقوا الى هذا الوحل وحتى الجنس، وقد تحدث أكثر من مسؤول اسرائيلي متفاخرا باستعمال مثل هذه الاساليب.

ففي تصريحات كان قد اطلقها احد الضباط الاسرائيليين الكبار، يهودا جيل، حول الموضوع قال: هناك ثلاثة دوافع رئيسية نجحنا في استغلالها لتجنيد الفلسطينيين وهي، المال أو الحاجة المادية، العاطفة ، سواء كانت الايديولوجية أو الانتقام، والجنس والملذات الشخصية.اما طرق التجنيد فتمت بطريقتين الاولى مباشرة والتي تتم عبر ضابط المخابرات الاسرائيلية للعميل مباشرة من دون تدخل وسيط وغير المباشرة والتي تتم عبراحد العملاء الذين تم ربطهم واسقاطهم سلفا، عبر المقابلات مع ضابط المخابرات أو الاعتقال أو التحقيق أو الابتزاز والضغط أو استغلال الخلافات العشائرية كما فعلت إسرائيل في العشرات من الحالات، حسب تصريحات يهودا جيل. العديد من المراكز الفاعلة في مجال حقوق الفلسطينيين وضعت موضوع ابتزاز الفلسطينيين وتجنيدهم مع المخابرات الاسرائيلية على رأس سلم أولوياتها بعد الكشف عن العديد من الحالات التي وصل منفذوها الى حالة يأس لم يعرفوا كيف يمكن التخلص من علاقتهم مع المخابرات الاسرائيلية. وكان ابرز هذه المراكز بتسيلم الفاعل في مجال حقوق الفلسطينيين، وفي تقرير له حول الموضوع ذكر ان: إسرائيل استغلت بشكل واسع العديد من المرضى الفلسطينيين الذين كانوا يضطرون الى العلاج في إسرائيل ويعبرون يوميا الحواجز الاسرائيلية واشترطوا التسهيل عليهم بالتعاون مع أجهزة المخابرات. وفي الكثير من الاحيان لم يدرك الفلسطيني الذي وقع في هذه الشباك انه سيتحول الى متعاون، فقد كانت عملية استغلاله تأتي على طريقة الرد على اسئلة وكأن الموضوع ليس إلا تحقيقاً عادياً.

وإضافة الى ذلك يرصد المركز العشرات من الحالات التي تم استغلالها في أثناء البحث عن العمل والوصول الى الادارة المدنية، في حينه، للحصول على تصاريح، كما تم استغلال الفلسطينيين الذين توجهوا لطلب تصاريح جمع الشمل، وكما بينت التقارير فإنه لا يوجد اي شخص في المناطق، تقدم بطلب خدمة اوتصريح من نوع ما من المؤسسة الاسرائيلية العسكرية، ولم يتلق عرضا من جهاز الأمن العام للعمل كعميل مقابل الاستجابة لطلبه. وحتى الطلاب الذين عبروا الجسور طلبا للعلم في دول عربية استغلتهم إسرائيل للتعاون معها. وفي احدى الحالات التي عالجها مركز بتسيلم كانت لطالب من دورا الخليل، الذي قال انه وصل الى الجسر ومعه تصاريح للمغادرة الى مصر للدراسة الا ان السلطات الاسرائيلية اعادت له التصريح من دون توضيح الاسباب.

وقال هذا الشاب انه توجه الى الادارة المدنية للاستفسار وبدأ مسلسل المماطلة والتسويف لكي أوافق على التعاون مقابل السفر، ثم انتهى بي المطاف بعد رحلة طويلة من المعاناة الى ضابط المخابرات الذي قال لي انه يعرف عني الكثير وبأنه يستطيع ان يرسلني الى المعتقل وبأنه ليس هناك غيره يستطيع ان يصرح بسفري، وبأن كل مستقبلي في يديه وقال لي اذا أردت مساعدته الآن فهو يريد بالمقابل ان اساعده. ثم قدم لي مالا، وقال لي انني استطيع ان احصل على ما اريد وسيوفر لي سيارة جديدة وسيمنحني بطاقة هوية اسرائيلية تمكنني من السفر بحرية في إسرائيل، وقال الطالب انه رفض كل هذه الاغراءات وفي النهاية تنازل عن تعليمه خارج المناطق الفلسطينية واكمل دراسته في الجامعات الفلسطينية. والمعروف ان المخابرات الاسرائيلية نجحت في الوصول حتى الى مكتب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهذا ما كشف عنه في أعقاب اغتيال صلاح شحادة عندما اعتقلت اجهزة الأمن الفلسطينية عشرين عميلا وبينهم من عمل في مكتب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في بيت لحم ومن عمل في القوة -17، الأمر الذي جعل السؤال الذي ورد على أذهان الكثيرين يثار بشكل اوسع: كيف يمكن ان ينجح المتعاونون في اختراق أكثر المؤسسات حساسية في السلطة الفلسطينية؟! والسؤال الأكثر إلحاحا اليوم كيف يمكن للمخابرات الاسرائيلية تنفيذ اي مخطط اغتيال أو اعتقال مقابل عمل العملاء بحرية في الشارع الفلسطيني وربما في قلب التنظيمات الفلسطينية. وربما يكون هذا اليوم، الأمر الأكثر أهمية لمناقشته فلسطينيا ولعلاجه قبل الحديث عنه كظاهرة متفشية لا يمكن علاجها( بتصرف عن الخليج).