اسامة فوزي : عندما وضع الامير خالد رأسه على حذائي ... وطردوا مدير جامعة الامارات من منصبه بسببي


June 20 2014 17:19
 

 

          من مفكرة : أسامة فوزي

يناير 2006


أنا - وأعوذ بالله من كلمة أنا - من المؤمنين بأن الصدفة قد تجمعك بأشخاص لم تكن تتوقع أن تلتقي بهم من قبل بسبب التفاوت في الوظيفة والمركز والأهمية ... والثروة أيضا.
وقد كتبت من قبل عن الصدفة التي جمعتني هنا في هيوستن وأمام (ملحمة الشرق الأوسط) بالدكتور عبدا لسلام المجالي رئيس الوزراء الأردني وإخوانه عبدا لهادي رئيس البرلمان وعبد الوهاب وعبد الحي ... وكتبت أيضا عن الصدفة التي جمعتني بياسر عرفات ... وأخته إنعام وشقيق الأميرة فريال مطلقة الأمير الأردني محمد بن طلال وغيرهم كثير
وكتبت من قبل عن لقائي صدفة بالباشا فؤاد سراج الدين في صالة فندق على البحر الأسود في رومانيا واليوم أحدثكم عن  صدفتين طريفتين جمعتاني بشخصيتين مثيرتين للجدل وهما الأمير خالد بن سلطان صاحب جريدة الحياة واحد قادة حرب الخليج الثانية والدكتور محمد نوري شفيق وزير التربية والتعليم السابق في الأردن ومدير جامعة الإمارات في مطلع الثمانينات ... وهي (الصدفة) التي تسببت - فيما يبدو- بطرد الدكتور من منصبه!!

قبل سنوات تلقيت دعوة من صديق لحضور افتتاح مسرحية لسمير غانم اسمها على ما اذكر (أنا ومراتي ومونيكا) كانت ستعرض في مسرح سينما قصر النيل في القاهرة وكنت آنذاك أشارك في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب فلبيت الدعوة حباً بسمير غانم الذي اعتبره واحداً من مضحكي هذا العصر ولكني تمنيت على الداعي ألا يضعني في الصف الأول تجنباً للإزعاجات ولقرب المقاعد من المنصة التي لم تشيد أصلا للعروض المسرحية ... والاهم من هذا لإعفاء نفسي من الاحتكاك بالبائعين الجوالين الذين يهجمون على الجالسين في الصفوف الأولى كما المغول ومن جرب حظه ودخل مسرحاً خاصاً في مصر سيفهم قولي هذا.

لبى الصديق رغبتي وحجز لي مقعداً في الصف الثاني ينتصف المنصة تماماً وظل الصف الأول خالياً من ساكنيه إلى ما قبل الافتتاح بخمس دقائق حين وصل رجل مع زوجته وخمسة أولاد وبنات في سن المراهقة ولم يكن صعباً علي أن اعرف الشخص الذي سيجلس تماماً إمامي ... انه سمو الأمير خالد بن سلطان بن عبدا لعزيز صاحب جريدة الحياة ومؤلف كتاب (مقاتل من الصحراء).

جلس الحاضرون أمامي في الصف الأول وظل سمو الأمير واقفاً يعطي ظهره لخشبة المسرح ويتصفح وجوه الجمهور بطريقة لافتة للنظر وكان واضحاً أن سموه لا يبحث عن احد بين الحضور وإنما يبحث عن نفسه في وجوههم لعلهم  يتنبهوا  إليه وكان كمن يقول لسان حاله: هاأنذا الأمير خالد بطل حرب الصحراء!! ... ويبدو أن تصفح الأمير للوجوه واستعراضه لنفسه على هذا النحو لم يعط أكله فلا احد من الجمهور تعرف إليه ولم يطلب منه احد أن يوقع "اوتوغراف" ولم أشاهد نفراً واحداً يطلب من الأمير صورة تذكارية ... حتى الموظف المختص بإجلاس الجمهور أشار بإصبعه إلى "الكرسي" وقال للأمير بلهجة آمرة "اقعد لو سمحت"!

كان مدهشاً أن اكتشف أني الوحيد من بين الحضور الذين تغص بهم دار السينما عرف هوية الأمير ولا أبالغ حين أقول إني أشفقت عليه فالموقف كان محرجاً له أمام زوجته وأولاده وبناته ... وربما أيضا أمام المرافق الذي (قعد) في ذيل الصف الأول وهو يضحك في (عبّه) على ورطة سمو الامير .

قعد الأمير في المقعد الواقع أمامي تماماً والذي كنت اسند إليه حذائي ومن يعرف طريقة توزيع المقاعد في دور السينما المصرية القديمة سيفهم كلامي ... فأزحت حذائي تأدباً ووجدتها فرصة لتأمل الأمير من ورا ... أي من رأسه فاكتشفت أن الأمير الجنرال لا يعتني بقص شعر رأسه ... ولاحظت انه يمتلك إذنين كبيرتين ورأسه بالكاد يتدلى من رقبة غير واضحة المعالم فملت إلى صاحبي هامساً :" هل تذكر مقولة مظفر النواب في وصف احد القادة العرب ... تكرش حتى بات بلا رقبة" هل تظن انه كان يقصد هذا الأمير !!

قاومت رغبة في نكش رأس الأمير بإصبعي بقصد التعارف وكان من المؤكد أن فعلتي هذه كانت سترفع معنويات سموه على الأقل لأنه سيكتشف أن استعراضه أتى بنتيجة وان احد المعجبين به يقعد خلفه تماماً ... وربما سيسعد الأمير عندما يعلم أني مثله امتلك جريدة ميزانيتها السنوية تقل عن مرتب الفراش الذي يعد القهوة لرئيس التحرير في جريدة الأمير التي تصدر في لندن ( جريدة الحياة ) وسمحت لنفسي أن احلق في خيالاتي فقد اعقد مع الزميل الأمير خالد اتفاقية مؤاخاة كالتي عقدها الأمير مع محطة ال بي سي اللبنانية ومن يدري فقد يطلب الامير مني العمل كمستشار في جريدته التي لا توزع في أمريكا كلها عشر نسخ ... وقبل أن احلق أكثر في أحلامي دق مخرج المسرحية الدقات الثلاث الشهيرة معلناً الاستعداد وأطفأت الصالة أنوارها ... وبدأ العرض.

بصراحة ... لم أراقب سمير غانم طوال الفصل الأول بالقدر الذي راقبت فيه ردود فعل سمو الأمير على المشاهد والمقالب والقفشات التي كان سمير غانم يتبادلها مع محمود القلعاوي وكنت اسمع حتى تعليقاته التي يهمس بها في أذن زوجته فيصل صداها إلى الصف الثالث ... ولما أشار سمير غانم إلى موسم الحج في إحدى نكاته عض الأمير على شفته باستعلاء ونظر إلى زوجته نظرة ذات معنى في إشارة - هكذا فهمتها- إلى أن سمير غانم يتحدث عن (ممتلكاته)... وذكرتني تلك اللفتة والعظة بلفتة مماثلة للامير - الخالق الناطق- في خيمة صفوان وكانت آنذاك باتجاه شوارزكوف!!

كنت أنسى أحيانا نفسي وأنا مستغرق في الاستماع إلى قفشات سمير غانم وتأمل قفا سمو الأمير وفي غمرة الذوبان في هذه وتلك كنت أمد قدمي واركنها على ظهر مقعد الأمير بسبب ضيق المسافة بين الصفوف ومن جرب حظه ودخل دارا للسينما في مصر سيفهم كلامي ... ويبدو أن الأمير كان مثلي متضايقا من القعدة لضيق الكرسي فكان يحاول أن يتمدد عليها مسندا رأسه إلى حذائي ظنا منه انه جزء من الكرسي ... تكررت الحادثة عدة مرات فنبهني صديقي إلى الموقف وهو مسخسخ على نفسه من الضحك هامسا  بصيغة آمرة :" شيل جزمتك عن رأس سموه " !!

انتهى الفصل الأول وأضيئت الأنوار في الصالة وهجم البائعون المتجولون على الصف الأول ومرة أخرى أقول من حضر عرضاً مسرحياً في مصر سيفهم كلامي ... ففي المسارح العالمية لا يسمح بالدخول إلا بالملابس الرسمية ولا يسمح بالأكل أو الشرب إلا في صالة مرفقة بالمسرح أما في مسارح مصر (الخاصة) فالصالة تتحول في الاستراحات وبين الفصول إلى مقهى شعبي فهذا ينادي على الكولا المستوردة ... وذاك يبيع أكواب الشاي وخمسة مصورين يعرضون عليك التقاط صور مع الممثلين ... وهجمة البائعين هذه تكون في أكثرها مركزة على الصف الأول لان الذين يحتلون هذه المقاعد - في الغالب- إما من الإخوة العرب (وهو اللقب الذي يطلقه المصريون على الخلايجة) أو من المصريين اللصوص والحرامية لان الموظف المصري الذي لا يزيد مرتبه عن مائة دولار لن يشتري تذكرة بثلاثمائة جنيه مصري لمشاهدة سمير غانم ... وللمزيد من التوضيح أقول إني في صبيحة ذلك اليوم كنت قد حشوت سني في عيادة يعمل فيها - بارت تايم- طبيب أسنان شاب اخبرني أن راتبه الحكومي في العيادة الحكومية التي يعمل فيها هو 160 جنيهاً مصرياً في الشهر أي اقل من ثلاثين دولاراً ولا أظن أن هذا الطبيب سيدفع ثلاثمائة جنيه (مرتبه لشهرين) لحضور مسرحية ... إلا إذا كان موظفاً مرتشياً أو تاجراً من تجار هذا الزمان!!

قلت ... هجم الباعة على الصف الأول الذي يشغل نصف مقاعده سمو الأمير وأولاده وحاشيته ولسبب اجهله لم يشتري الأمير أو إي من مرافقيه شيئاً ربما لأسباب أمنية أو صحية مما انعكس سلباً على تصرف الباعة الذين يراهنون دائماً على ( تنفيق) ما يحملونه على زبائن الصف الأول من الحاضرين المقتدرين القادرين على الدفع ... وعاد الأمير إلى الوقوف والاستعراض بجثته الضخمة متصفحاً مرة أخرى الحضور لعل أحدا يراه ويطلب منه صورة أو تذكار باعتباره بطل حرب الصحراء ... دون جدوى!!

زميلي الذي كان قد سخسخ من الضحك على الأمير واستعراضاته أشار إلى احد الباعة فاقبل خمسة منهم باتجاهنا متجاوزين المقعد الخالي للأمير محاولين الوصول إلينا يصوانيهم من فوق رؤوس زوجة الأمير وأولاده وكان التدافش مثيراً للدهشة وكان احد الباعة يركب على ظهر سمو الأميرة حتى يصل إلينا بينما رفس حامل صينية الشاي سمو الأمير في خصيتيه - دون قصد- لعله يسند صينيته على مقعد الأمير فتسهل عليه عملية إيصال الطلبات إلينا ... الأمير وأسرته كادوا يداسون بالأقدام تماماً كما داس الحجاج زملائهم مؤخراً على جسر الجمرات في منى ولم يرتدع الباعة عن هجومهم هذا حتى عندما صرخت الأميرة متألمة ... وتذمر الأمير بصوت مرتفع  مما دفع احد مرافقيه الى التدخل لإفهام الباعة أن هذه المقاعد تحتلها شخصية هامة جداً هو الفيلدمارشال خالد بن سلطان سلطعون الصحراء... ولكن دون جدوى .

بشرفي ... أشفقت على الأمير وأسرته من هذه البهدلة فوقفت غاضباً وطلبت من الباعة الباعة أن يعودوا من حيث أتوا وان يحضروا طلباتنا من الصف الخلفي ... فنظرت إلي سمو الأميرة نظرة شكر وعرفان ... بينما تفحصني الامير بعينيه الواسعتين متسائلاً بينه وبين نفسه إن كنت قد تدخلت على هذا النحو لإنقاذ هيبته شفقة عليه أم لأني عرفته!!

لا ادري إن كان سموه سيذكر هذه الواقعة أم لا ولكني اعلم على الأقل أن زوجته وأولاده سيذكرونها ومعهم سمير غانم وطاقم مسرحية مونيكا لان سموه صعد مع أولاده إلى خشبة المسرح لالتقاط صورة تذكارية مع الممثلين ليس بصفته أميرا وإنما لأنه نادى على المصور لهذا الغرض ... ولا زلت لا ادري إن كان سمير غانم وفرقته قد اكتشفوا هوية الأمير أم أنهم تعاملوا معه كزبون (عربي) يريد أن يلتقط صورة مع ممثل مقابل مائة جنيه للصورة الواحدة ... لكن المؤكد أن جمهور المسرحية أدرك بعد نهايتها أن الجالس في الصف الأول كان شخصاً مهما لأنه وجد موكباً من سيارات الليموزين السوداء الفاخرة تنتظر الأمير وأسرته قبالة دار السينما بعد انتهاء العرض .

الصدفة الثانية التي لا يمكن أن انساها أكثر طرافة وان كانت نهايتها مأساوية على الدكتور محمد نوري شفيق مدير جامعة الإمارات في مطلع الثمانينات ... فقد تسببت تلك (الصدفة) بطرد مدير الجامعة من مركزه!!

رويت في مقال سابق كيف أصبحت صديقاً للدكتور شفيق رغم التفاوت في السن والمركز بيننا فأنا - كنت- مجرد موظف حكومي صغير له نشاط صحفي وتلفزيوني ... وهو كان مديراً للجامعة وقد رغب في تقديم برنامج تلفزيوني تربوي من خلالي ... ورغم أن هذا لم يتم إلا أنها كانت بداية لصداقة قوية مع الدكتور الذي كان يزورني كل يوم جمعة فنخرج معاً إلى الأسواق ونتبادل أطراف الحديث في سهرات مطولة بعضها كانت تعقد في سوق للخضار في دبي كان احد كبار التجار فيه أردنيا من أقارب الدكتور.

يومها كانت علاقتي بالدولة الإماراتية متوترة بسبب سلسلة مقالات كنت اكتبها لجريدة الخليج عن المناهج المدرسية وقد تجاوزت في بعضها الخطوط الحمراء حين هاجمت سيطرة جماعة الإخوان على دائرة المناهج المدرسية التي عملت فيها مسئولاً عن الإعلام ونوهت في مقالاتي إلى عمليات التزوير التي تتم في الكتب المؤلفة للطلبة مما أثار حفيظة الوزير فطردني من العمل رغم أني من القلة الذين كانت تقاريرهم السنوية بدرجة (ممتاز)!!

حاول الدكتور شفيق يومها تعيني مستشاراً صحفياً له في الجامعة فرفض طلبه من قبل رئيسها الشيخ نهيان ولم تتمكن العصابة التي تدير الوزارة من تسفيري من الدولة لأني وبمساعدة الدكتور شفيق تمكنت من نقل إقامتي إلى جريدة الفجر التي عينتني مديراً لمكتبها في عجمان وقدمني صاحب الجريدة الأستاذ عبيد المزروعي يومها لحاكم الإمارة فأصبح وجودي فيها صعباً على شيوخ دبي وزبانيتهم.

كانت علاقتي الشخصية بالدكتور شفيق خاصة لا يعلم بها من الأصدقاء إلا القلة و كنت احرص على سريتها حفاظاً على الدكتور وليس على نفسي وظلت العلاقة خاصة جداً وبعيدة عن الأضواء إلى أن لعبت الصدفة دوراً في تفجيرها ووصل الأمر إلى الشيوخ وأجهزتهم الأمنية ودفع الدكتور شفيق الثمن!!

كان ذلك مساء يوم خميس ربيعي عام 1983 زارني فيها الدكتور شفيق في بيتي في الشارقة وكنا سنغادر معاً إلى موعد مع صديق يعمل في تلفزيون دبي ... ودون سابق موعد رن جرس الباب في شقتي فإذا بثلة من الكتاب والصحفيين قد جاءوا لزيارتي دون موعد مسبق كان من بينهم طارق الفطاطري - مدير تحرير جريدة الاتحاد سابقاً- وجمال المجايدة -مدير تحرير جريدة الوحدة سابقاً وعدلي صادق احد العاملين في جريدة البيان والدكتور إمام عبيد وحسيب كيالي من تلفزيون دبي مع عدد آخر من الشباب لم اعد اذكر أسمائهم.

تحولت القعدة في منزلي إلى ندوة تحاور فيها الكتاب والصحفيون مع الدكتور شفيق مدير الجامعة ... وكان من الطبيعي والمنطقي أن تثار قضايا التعليم والتربية والسياسة والحرية إلى آخر هذه القضايا المحرمة في بلادنا العربية ... ووصلت أخبار (القعدة) إلى الأجهزة الأمنية
ومنها إلى الشيوخ ... فاستدعيت إلى مقر المخابرات أولا في دبي ثم في ابوظبي ولم يستوعب إي من المحققين (الحمير) أن لقاءات كهذه تحدث عرضاً ودون تخطيط ... وأنها عندما تحدث لا بد وان تتمحور الأحاديث فيها حول المهن التي يعمل فيها المتحاورون فمدير الجامعة قطعاً لن يتحدث مع مدراء صحف وصحفيين  عن آخر أخبار النسوان في نيودلهي (وهو الموضوع المفضل لشيوخ الإمارات في اجتماعاتهم اليومية) والصحفيون لن يسألوا مدير الجامعة قطعا عن سعر البطاطا  في اسواق العين وإنما عن السياسة التربوية وما يتعلق بها وصولا إلى المشكلات العربية بمختلف أشكالها

السلطات الأمنية الغبية في الإمارات خرجت باستنتاج وحيد وضعته أمام الشيخ زايد وهو أن المدعو أسامة فوزي يعقد في شقته اجتماعات معارضة لنظام الحكم الحكم يحضرها صحفيون كبار ...  وانه نجح في تجنيد مدير الجامعة أيضا .

بعد أسابيع غادرت الإمارات إلى أمريكا مهاجراً ... أما الدكتور شفيق فقد تلقى من حكومة الامارات كتاباً يشكره على خدماته الجليلة ويقول له بصريح العبارة ... فرجينا عرض أكتافك ... ففرجاهم!