لهذا السبب ... تمسحت

من قلم : اسامة فوزي


* انا لا ازعل بسهولة ولا اغضب من اي مقال ينقدني مهما كان بذيئا  ليس لاني (سوبرمان) وانما لاني تدربت على ذلك اثناء دراستي في الجامعة الاردنية منذ عام 1969 وكان استاذي في مادة النقد الاستاذ الدكتور محمود السمرة يلفت نظري دائما الى هذه المسألة بخاصة واني كنت الوحيد بين طلبة الجامعة الذي يمارس - وهو على مقاعد الدراسة-  مهنة الكتابة في الصحف بخاصة في مجال النقد الادبي الذي تفوقت فيه بشهادة الدكتور السمرة الذي كان يضع علامة 100 على ورقة الاجابة الخاصة بي وهو في حيرة من امره وكان دائما يقول انه لم يضع مثل هذه العلامة على اية ورقة اجابة منذ ان عمل في مهنة التدريس.


* اما كيف دربت نفسي على "عدم الزعل" من الاشخاص الذين يوجهون نقدهم لي وما علاقة هذا الامر بالاردنيين فهذا ما سأحاول شرحه في هذا المقال .


* ففي شتاء عام 1972 نشرت جريدة الرأي الاردنية مقالا لاحد الكتاب رد فيه على مقال سابق لي كانت الجريدة قد نشرته فاصبت بحالة من الاكتئاب بخاصة وان كاتب المقال شتمني في معرض رده على مقالي  ... وتصادف اني قرأت المقال المنشور قبل دقائق من دخولي حصة الدكتور محمود السمرة الذي كان يدرسنا  مادة النقد الادبي رغم انه كان يشغل منصبا اداريا عاليا في الجامعة (نائب الرئيس).... ولاحظ الدكتور السمرة اكتئابي وهو الذي اعتاد على طول لساني وكثرة حركتي وتعليقاتي داخل الفصل والتي كانت تضفي جوا من الحيوية على الحصة بل وكنت -  خلال الحصة - اتبارى معه في كل شيء.... فان انتقد تأخري في الوصول الى الحصة ردحت للجامعة- بشكل مؤدب - محملا  باصاتها المسئولية ... واذا وجه ملحوظة قاسية لاحد زملائي دخلت على الخط لترطيب الجو دون ان يزعل الاثنان... وكان الدكتور السمرة المعروف بجديته الزائدة داخل الفصل يعشق هذه الحركات مني لانها كانت تسهل عليه الامور وتخلق اجواء حماسية وعاطفية تكسب محاضرة الدكتور الكثير من الشفافية رغم جمود المادة التي يحاضر فيها .


* شعر الدكتور باكتئابي وأحس به فرمى "فتاشة"  لعله يستفزني فلم استجب وشعر لبرهة ان الامر جدي وظن اني فقدت عزيزا او اني قادم لتوي من مأتم فاحترم حزني وانتظر حتى نهاية المحاضرة  لينتشلني من كتفي و يسحبني الى مكتبه الذي يقع في نهاية الممر ليسألني مباشرة : "شو في"!!


* لست من النوع الذي يمكن استنطاقه ولكن للدكتور محمود اسمرة - في قاعة الصف ثم في مكتبه- هيبة كبيرة لذا حاولت الانكار ثم فضلت ان انهي الحكاية بسرعة فاعترفت له بما حصل وناولته قصاصة الجريدة التي شتمتني فانفجر ضاحكا وقال لي اني خيبت ظنه وانه كان يعتقد اني مشروع ناقد وان اكتئابي من مقال يعني اني فقدت اهم شرط شخصي للمواصفات التي يجب ان يتمتع بها من يمارس النقد ... وهو شرط الاحتمال وعدم النرفزة والانقياد الى " المزاج " الشخصي .


* واضاف ... ان الذي كتب المقال عنك  نجح في التغلب عليك لانه نجح في التأثير على حالتك النفسية وبالتالي اصبحت من حيث لا تدري مملوكا ومنقادا له واصبح " مزاجك " رهن اشارته... فبمقال واحد يمكنه ان يفرحك ... وبمقال اخر يمكنه ان يدفعك الى حافة الانهيار ... وختم حديثه معي - قبل ان يطردني من مكتبه بالشلوط- بالقول : اذا كنت تريد ان تمارس مهنة النقد عليك ان تزنر (مزاجك) الشخصي بستار حديدي لا يسهل اختراقه وان تحتكم فقط الى الموضوعية والى النظريات العلمية في النقد ناقدا كنت ام منقودا .


* بعد هذا الدرس (تمسحت) ... ولم تعد ردود الاخرين تثيرني او تستفزني الا بمقدار ما فيها من نقاط موضوعية يمكن مناقشتها بغض النظر عن اللغة التي يستخدمها الخصم والتي قد تكون قاسية او مليئة بالتهكم ... ولم اعد اكترث بالشتائم التي يوجهها البعض لي واحيانا لا اجد وقتا لقراءتها وكانت تعليماتي لجميع الاخوة الذين عملوا معي وتولوا تحرير زوايا القراء ان ينشروا ما يصل اليهم من رسائل دون العودة الي حتى ولو كانت ضدي

* ما علاقة كل هذا بالاردن والاردنيين ولماذا اطنب في الحديث عن "مزاجي" الذي لا يتعكر مهما كانت قوة الخصم ... ومهما كانت اللهجة التي اعتمدها في مقاله!!


* لقد حاولت جهات مخابراتية مشبوهة التصدي لما اكتبه عن الشأن الاردني من خلال اتهامي بمعاداة الشعب الاردني مع ان ما اكتبه موجه ضد المسئولين في الاردن وهؤلاء - في رأيي - لا يمثلون الشعب الاردني.... وكنت ولا ازال اقول انه لو كان رئيس الوزراء في الاردن يعين عن طريق الانتخاب فان رجلا مثل على ابو الراغب ما كان ليحصل على صوت واحد في هذه الانتخابات لان زوجته نفسها لن تنتخبه ... وهذا ينسحب على جميع المسئولين الذين يعينون في مراكزهم بقرارات ومراسيم تصدر عن القصر ولا علاقة للشعب الاردني بها ولو كان في الاردن ديمقراطية لما حصل لص بنوك مثل سميح البطيخي على منصب نقيب لبائعي الفلافل ولظل على ابو الراغب - كما كان- قاطع "بوليتات" في باص ابيه.


* كتابتي عن الاردن بهذه المرارة سببها عشقي الشديد للشعب الاردني وايماني بأن هذا الشعب يستحق نظاما افضل من نظامه الحالي وحياة كريمة تتناسب مع اعتزاز الاردني بشرفه وبعاداته وبتقاليده والذي يصل احيانا الى درجة (الهبل). .. لقد عملت عام 1972 في مدرسة ابتدائية فقيرة في ( الغويرية ) على مرمى حجر من مزبلة المدينة ... كان جميع التلاميذ من ( الشرق اردنيين ) وكانت حالتهم تصعب على الكافر وجميعهم تقريبا ينتمون الى عائلات فقيرة معدمة ... وفي الطرف الاخر من المدينة كان الفلسطينيون يتلقون التعليم في مدارس راقية تنفق عليها وكالة الغوث ... كان مرتب المدرس الذي يعمل في هذه المدارس يزيد اربع مرات عن مرتب المدرس الذي يعمل في مدارس الدولة ... كان وضع التلميذ الفلسطيني افضل بكثير من وضع التلميذ الاردني ... هذا الى جانب ان ابناء المخيمات في الاردن بخاصة خلال وجود منظمة التحرير فيها وقبل مجازر ايلول كانوا افضل بمراحل من حالة الشرق اردنيين الذين يعيشون على اطراف هذه المخيمات ... انا هنا اتحدث عن الوضع المالي والاقتصادي الذي ساهم في خلق تلك النعرة الاقليمية بين الجانبين والتي لعب على اوتارها القصر ... وعرفات ... والتي تمخضت بمجازر ايلول وخلقت لاحقا نعرة ... فلسطيني اردني ... وهي النعرة التي  يدفع الان ثمنها الطرفان 


* قم بزيارة خيمة بدوي اردني بسيط لا يحتكم على دينار واحد في احدى البوادي ... سيذبح لك الرجل "المعزة" الوحيدة التي يشرب لبنها وسيعاملك كملك وسيحميك من الاذى بدمه لانه يعتبر دخولك عليه تشريفا  ولولا هذا الاحساس العالي بالواجب عند ابن الاردن لما قامت امارة شرق الاردن اساسا ... فالامير عبدالله وصل الى معان هاربا من السعودية وكان - هو وجماعته- مفلسا وجائعا فنصب له " الكراشنة " من اهل معان الخيم واسكنوه في دورهم وصرفوا عليه وحموه ليس من مطاردات آل سعود فحسب بل ومن الحكومة المركزية التي كانت انذاك تتخذ من مدينة السلط مقرا والتي وجه رئيسها كتابا شديد اللهجة الى عبدالله يدعوه فيها الى العودة من حيث اتى والا !!


* لولا هذه "الفدائية" في اخلاق الاردنيين ما تمكن عبدالله من دخول عمان بحراسة عرب الجنوب وفيها انزلوه في قصر شيخ مشايخ الشركس وذبحوا له الذبائح وصدوا حملة الوهابيين العسكرية التي وصلت الى مشارف عمان دفاعا عن الامير الذي هرب خلالها الى السلط ليس لان الاردنيين كانوا ضد الحركة الوهابية او ضد ال سعود وانما لانهم اعتبروا قيام آل سعود بالهجوم على مضاربهم للنيل من ضيفهم عار لا يحتمل واعتداء على الشرف البدوي .


* خلال معارك ايلول بين الجيش الاردني والفدائيين وبعدها بأيام توجهت الى الجامعة الاردنية للحصول على بعض الكتب من مكتبتها ولم اتمكن من العودة  الى بيتي لان اشتباكا وقع بين الجيش وعناصر من الفدائيين في الطريق الموصل الى  مدينة الزرقاء .... ولاني لم اكن احمل في جيبي اكثر من (شلن) وبالتالي لم يكن بوسعي قضاء الليلة في احد فنادق عمان فقد تذكرت ان لي صديقا درس معي في المدرسة الثانوية اسمه مصطفى الصمادي يعيش في بلدة (سوف) القريبة من مدينة جرش على مشارف الجامعة  فتوجهت الى البلدة المذكورة للاحتماء بها فوجدت سكانها في حالة استنفار ايضا بعد وقوع تبادل لاطلاق النار مع مخيم سوف للفلسطينيين القريب من البلدة .

* كان توجهي الى بلدة سوف - من ناحية منطقية- تصرف " أخرق " فأنا فلسطيني الاصل والقتل كان يومها على الهوية بخاصة وان النظام الاردني نجح في الايقاع بين الفلسطينيين والاردنيين ولعبت عناصر فلسطينية دورا في هذه الفتنة لا يقل سفالة عن الدور الذي لعبته المخابرات الاردنية ... لكني كنت في قرارة نفسي اعلم الناس بعادات الاردنيين وتقاليدهم فقد ولدت في معسكر للجيش ودرست في مدارس عسكرية وثلاثة ارباع الذين عرفتهم هم اردنيون (قح) ومن عائلات اردنية معروفة وبالتالي كنت ولا ازال ارى نفسي اردنيا من داخلي وعندي الفدائية ذاتها التي تجدها عندهم ولعل هذا هو الذي جعلني اقف امام المحاكم هنا محتملا مسئولية خطأ ارتكبه محرر في الجريدة بل ولم اشر خلال وقائع المحكمة اليه او الى دوره مع ان هذا كان سيخرجني من الورطة لكني رأيت ان الموظف المذكور كان في (حماي) وبالتالي توجب علي ان ادافع عنه حتى لو اجلسوني بسببه على الخازوق.


* الليلة التي قضيتها في بلدة (سوف) شعرت خلالها وكأنني ملك ... فسكان هذه البلدة طيبون الى درجة لو تم تصويرها في مسلسل تلفزيوني لاتهم كاتب المسلسل بالمبالغة ... ولان سكان البلدة  يعرفون بعضهم بعضا ... ولان خبر وصول ضيف الى البلدة  قد انتشر بين سكانها فقد انتقلت مع مضيفي مصطفى من "عزومة" الى "عزومة" ومن "منسف" الى "منسف" ومن مجلس الى مجلس وفي اخر السهرة وجدت الحاجة "ام مصطفى"  وقد فرشت لي في صدر المنزل حتى انام ... ووجدتها في الصباح تنكشني بيدها قائلة : قوم يا ابني افطر!!


* زرت في احدى المرات مدينة مادبا لاستلام مرتبي الذي كانت وزارة التربية تحوله الى بنك الاردن فيها رغم اني كنت اعمل في مدينة الزرقاء ... وبعد خروجي من البنك توقفت لدقائق في منزل صديق زاملني في الجامعة ... فتحولت زيارتي الى مادبا الى (حكاية) ولو تركت الحبل على غاربه لقضيت شهرا انتقل من "عزومة" الى "عزومة" .


* الشعب الاردني شعب طيب كريم شجاع والمصائب التي حلت بالاردنيين سببها الدخلاء من الحكام والمسئولين واكثرهم من غير الاردنيين ... فقبيلة بني حسن - مثلا- كانت ووفقا للوثائق الانجليزية اغنى قبيلة بدوية في بادية الشام واكثرها ثراء من حيث عدد رؤوس الاغنام والجمال والدواب التي كانت تملكها ... ولكن بوصول الامير عبد الله الى شرق الاردن تم وبالتعاون مع الانجليز افقار هذه القبيلة حتى يتم تجنيد افرادها في الجيش بل واصبحت موضوعا للتندر في مراسلات الملك مع الانجليز مع ان "بني حسن" ينحدرون من "عرب الخوالد" احفاد خالد بن الوليد رضي الله عنه.


* اذا قمت بجردة سريعة لاسماء الذين تولوا الحكم والمسئولية في الاردن وساهموا في تخريب البلاد والعباد لن تجد بينهم اردنيا واحدا ... فسمير الرفاعي ليس اردنيا ... ومضر بدران ليس اردنيا ... ومصطفى القيسي ليس اردنيا ... وقائد سلاح الجو الجنرال عبود الذي كان يهرب الويسكي بطائرات السلاح عراقي الجنسية ... وعلي غندور الذي باع الملكية الاردنية لبناني الجنسية ... وسميح البطيخي الذي سرق البنوك الاردنية مستغلا عمله كرئيس للمخابرات سوري الجنسية ... وعلي ابو الراغب الذي " شفط " الاخضر واليابس فلسطيني الاصل من نابلس ... وعبد السلام المجالي الذي ينهب الاردن مع اخوته هذه الايام اعترف بنفسه وفي لقاء تلفزيوني انه من " الخليل ".... هؤلاء تنكروا لبلدانهم الاصلية وهاجروا الى الاردن ليعملوا كمرتزقة ليس الا .


* عدد المسئولين الاردنيين الفاسدين والذين يعودون الى اصول اردنية يعد على الاصابع وهؤلاء غالبا ما تلفظهم عشائرهم وقبائلهم وتتبرأ منهم .


* الاردنيون هم الاقرب الى نفسي بحكم "العشرة" حتى خلال اقامتي في امريكا منذ عام 1984 ... واذا صح ان لي عشرة اصدقاء اعزاء هنا في امريكا فان تسعة منهم من الاردن ولا اكل المناسف الا في بيوتهم .... وكانت غالبية الذين عاشرتهم في الامارات التي اقمت فيها عشر سنوات كاملة هم من الاردنيين " الاقحاح " وهم الذكرى الوحيدة الجميلة التي خرجت بها من مضارب ال نهيان بخاصة زملائي في مهنة التعليم الذين اجتمعت بهم في مدينة العين .


* الاردنيون حالة خاصة او كانوا حالة خاصة تتعرض الان  للاسف الى عملية تخريب ممنهج يقوم بها اشخاص يرون ان بقاءهم في الحكم لا يكتمل الا بدق الاسافين بين العشائر الاردنية وتحويل البرلمان الى مقر للتنابز بالالقاب واخشى ما اخشاه ان ينجح هؤلاء في مسعاهم بخاصة وان حالة الاردنيين المالية في تدهور ونسبة البطالة بين الشباب تصل الى ستين بالمائة وعدد الذين يدخلون السجون والزنازين والمخافر - من بين الاردنيين انفسهم- يزداد كل يوم!!

* ليس صحيحا ان الاردنيين غير معنيين بالهم السياسي او انهم يتبعون من يحكمهم لانهم اذلاء ... الى اخر ما اسمعه من خصومهم .... ففي المدن الاردنية الاف الشباب الذين يحملون هموم الامة كلها وتعيش فلسطين في قلوبهم والسجون الاردنية تغص بأبناء العشائر ومدينة معان التي لا تزال حتى اليوم تحت الحصار لا يعيش فيها الا " الكراشنة " وقبائل اردنية معروفة لولاها لمات الامير عبدالله جوعا ... او هلك على يدي الوهابيين


* هذه كلمة حب اردت ان اوجهها الى الشعب الاردني الطيب ولا  ابتغي منها جزاء ولا شكورا فانا لا املك شيئا في الاردن ولا افكر بالعودة ولم اعد احمل الجنسية الاردنية - فقد صادرها اللص سميح البطيخي - ولا اطمع بمنصب او مكافأة ولا يربطني بالمملكة الا قبر اختي في اربد  وقبر اعز صديق لي في معان .... المرحوم الاستاذ ابراهيم الزيادنة والكثير الكثير من الذكريات ... ذكريات الطفولة والشباب ... وما اكثرها.