* كتب : أسامة فوزي


* اعتقلت المخابرات الاردنية في صيف عام 1971 الطالب الاردني "موفق محادين" لاشتراكه في مظاهرة احتجاج على رفع الاقساط الجامعية وكنت من ضمن الذين زاروا والدته الحاجة "ام موفق" في مدينة الزرقاء للاخذ بخاطرها فوجدتها اكثر وطنية من ابنها وقالت لنا: ابني زلمة ... وهاي البلد ما بيصير فيها الواحد وزير الا اذا كان زلمة وخافت منه الحكومة".( الصورة المرفقة لموفق محادين ).
هذا الوعي السياسي عند "ام موفق" فاجأني لانه لخص نظرية الحكم عند الملك حسين الذي كالن يتقرب من خصومه حتى يمكن القول ان 95 بالمائة من الوزراء وكبار المسئولين في الاردن اما أنهم دخلوا السجون الاردنية من قبل او ساروا في مظاهرات او شاركوا في انقلابات عسكرية ضد النظام ... وقيام الملك بالابقاء على حياة خصومه بل وتسليمهم مراكز حساسة لا يعكس سماحة وكرما في شخصية الملك بقدر ما يكشف عن المدى الذي تأثر به الملك حسين من حفظه عن ظهر قلب لكتاب " الامير " لميكافلي والذي اعترف الملك نفسه انه يحتفظ بنسخة من الكتاب " تحت مخدته " وانه لا ينام قبل أن يقرأ فيه .


* آخر هذه النماذج تتمثل في وزير الداخلية الاردني الجديد "سمير حباشنة" الذي سكن زنازين المخابرات كثر من مرة واعتقل وطورد ولوحق ... وانتهى به الامر - كما هو متوقع - وزيراً للداخلية ومسئولا - ولو بشكل صوري - عن السجون والزنازين التي دخلها من قبل " ايام الطيش والولدنة " ربما لان أمه " أم سمير " كانت - مثل أم موفق - تعرف من أين يؤكل كتف النظام " الهاشمي " الحاكم في الاردن .


* اذا كانت نبؤة " أم سمير " قد تحققت بالنسبة لابنها سمير الذي اصبح وزيرا ... فأن نبؤة "ام موفق " لم تتحق فيما يتعلق بابنها موفق محادين الذي اعتقل قبل ايام من قبل رجال " سمير حباشنة " بسبب خبر عن الجيش الاردني نشره في جريدة يصدرها في الاردن باسم " الوحدة "  ويبدو ان موفق لن يصبح وزيراً للداخلية ولا حتى للتموين ... فقد رأيته في ندوة تلفزيونية وقد علا الشيب رأسه - مثلي- ولا زال كما عهدته - حين تزاملنا وتصادقنا في الجامعة الاردنية عام 1970 -  مشاغباً ومنظّراً يساريا اختلط عليه الامر بعد ان وجد ان " مجلس الاعيان " في المملكة والذي كان في السابق يضم الكبار الكبار الكبار اصبح هذه الايام  "حارة ابو عوّاد" مع الاعتذار لدولة العين " أبو عواد " الذي لم يكن يتوقع هو نفسه ان يصبح رئيسا لبلدية ... فاذا بجلالة الملك يعينه في " مجلس الاعيان " ... وعقبال عند " مرزوق " و " سمعة " !!


* فقعت من الضحك يوم امس وانا اقرأ مقابلة نشرتها احدى الصحف مع "مروان دودين" الذي دخل هو الاخر زنازين المخابرات - معتقلا - وخرج منها وزيراً ومديراً للاذاعة ومنظراً ومنسقا لروابط القرى "العميلة" التي شكلها الملك حسين في الضفة الغربية ... وفقعت اكثر حين اورد دودين في مذكراته اسم "عرفات التكروري" كواحد من الفسّادين الواشين وكنت قد تزاملت مع عرفات التكروري هذا في دبي عام 1980 حينما عملنا في دائرة المناهج المدرسية ... وكتبت حكايتي معه من قبل.( انقر هنا لقراءة المقال السابق عن عرفاعت التكروري " .


* صحيح ان "ام موفق" لخصت نظرية وفلسفة النظام الحاكم في الاردن في "الحكم" وتطويع الخصوم او من يتوجس النظام منهم شراً ليس باعدامهم وانما بقصفهم بالمناصب والمراكز ... الاّ ان "مروان دودين" فصّل في اللقاء المذكور تكتيكات النظام واساليبه في عملية التطويع وظهر ان عرّاب هذه النظرية والساعد الايمن للملك حسين في تنفيذها هو محمد رسول الكيلاني الذي توفي مؤخراً في عمان ولم يكلف الملك عبدالله نفسه المشاركة في تشييع جنازته رغم ان هذا الرجل - غفر الله له- هو الذي بنى للملك المؤسسة الامنية التي حفظت له العرش والتي تعرف اليوم باسم "المخابرات العامة" وليس سراً ان جميع رؤساء الجهاز ومعظم رؤساء الوزراء في الاردن كانوا موظفين عند (ابو رسول) ومنهم من كان يعد له القهوة والشاي مثل سميح البطيخي.


* التقيت بمحمد رسول الكيلاني عام 1974 في منزل رئيس الوزراء احمد طوقان وكنت يومها في زيارة  لابنه استاذي الدكتور فواز طوقان - الاستاذ الحالي في جامعة البحرين - الذي كنت اتشارك معه في اصدار مجلة اسمها (الرابطة الثقافية) بمشاركة وليم هلسة وعبدالله الشحام ... الاول " وليم " كان موظفا في احدى الوزارات .. والثاني " عبدالله " كان طالبا في الجامعة الاردنية وهو اليوم استاذ في جامعتها .... ودار بيننا حوار عن الادب والثقافة والسياسة دام ساعة او يزيد اخبرنا  خلاله - ابو رسول-  ان "بهجت التلهوني" - رئيس الوزراء الاردني - كان "منيك" واستخدم محمد رسول هذه اللفظة صراحة بل وعلمنا منه ان هذا الموضوع كان محوراً للتندر في قصر الملك حسين وربط ابو رسول بين التلهوني وزعيمة شبكة المومسات التي ضبطت يومها في عمان (شبكة رهيجة) ويبدو ان انطباعي آنذاك عن الخصومة الواضحة بين ابو رسول والتلهوني كان صحيحا فها هو (مروان دودين) في مذكراته التي نشرتها له جريدة البيان الاسبوع الماضي يؤكد هذا بل ويقول انه حصل على وظيفة هامة كان ابو رسول العقبة الوحيدة في طريقه للظفر بها بمجرد ذكره لاسم  بهجت التلهوني امامه بخاصة وان تعيين مروان دودين فيها قد تم - يومها- رغم ممانعة رئيس الوزراء بهجت التلهوني.... وقد ادهشتني شخصية محمد رسول الكيلاني بخاصة جرأته في الحديث عن الكبار في الاردن ... فقد وصف لنا كيف حقق مع صادق الشرع و" لخمه " كفا .... وكيف كان احد اقاربه الشعراء يكتب قصائد هجاء في الملك حسين ... وكيف انه حرض الامير حسن على الدكتور " سري ناصر " الذي كان يجلس امام الامير وهو يرفع " بوز كندرته " .


* نظرية "ام موفق" سمعتها ايضاً من "شوكت سبول" الاخ الاكبر للشاعر الاردني تيسير سبول ففي عام 1973 زرت شوكت في بيته خلال بحثي عن اسباب انتحار اخيه الشاعر تيسير سبول وهو البحث الذي نشرته في كتابي " اراء نقدية " الذي نشر في عمان عام 1975 واخبرني شوكت خلال الزيارة عن السنوات التي قضاها في معتقل الجفر الصحراوي بعد اشتراكه في محاولة الانقلاب الفاشلة على الملك التي تزعمها علي الحياري فقد اصدر الملك حكما بالاعدام على ابطال المحاولة ثم خفف الحكم الى المؤبد ثم اخرج المحكومين من السجن واعادهم الى وظائفهم وصرف لهم كامل مرتباتهم وسلم اكثرهم مناصب وزارية.... وكان صديقي الشاعر " سميح الشريف " احد المعتقلين في السجن المذكور .


* في الليلة نفسها نقلني ابن شوكت سبول بسيارته الى مقر "جريدة الرأي" حيث كنت على موعد مع رئيس التحرير سليمان عرار للتحدث معه عن تيسير سبول بخاصة وان تيسير كان احد كتاب جريدة الرأي قبل انتحاره ... وفاجأني عرار بحكاية تيسير الذي خاصم عرار لانه رفض نشر بيان يندد بالملك ومع ان سليمان عرار لم يكن معارضا او انقلابيا الا انه كان محسوبا على التيار الوطني وظل كذلك الى ان عينه الملك وزيرا للداخلية فتحسنت احواله واشترى ملحمة (حلال ميت) في مدينة هيوستن وكان يتردد عليها مرتين في السنة لقبض المحصول رغم انه كان يومها رئيساً للبرلمان وقد كتبت في مقال سابق عن احدى طرائف سليمان عرار وبرنس "الحلال ميت"!!


* حتى جودت سبول الذي كان يحسب على التيار الاردني المشاغب حتى انه ترك الاردن في مطلع السبعينات ليعمل في ديوان الشيخ طحنون في الامارات ترك الديوان وعاد الى الاردن ليصبح وزيرا للداخلية وكان لقائي بجودت سبول عام 1978 مثيراً .... فقد كنت يومها مدرساً لمادة اللغة العربية في ثانوية زايد الاول في مدينة العين وخلال توجهي - بين الحصص- الى غرفة المدرسين علمت ان رجلاً اربعينياً ينتظرني في الغرفة فظننته احد اولياء الامور قبل ان يقدم نفسه لي على أنه " جودت سبول " شقيق الشاعر الراحل تيسير سبول وعضو البرلمان الاردني ... وزارني جودت في عصر ذاك اليوم في بيتي الشعبي المتواضع للاعراب عن شكره لاهتمامي بالكتابة عن اخيه الراحل تيسير وقال لي اني - في حجمي وطريقة كلامي- اذكره بالراحل تيسير.... الذي انشغلت بجمع كل ما يتعلق به تمهيدا للكتابه عنه بشكل مفصل بعد ان عشقته .... وقبل ان "يحدفني" الزمن الى حدود المكسيك فتنسيني الايام تيسر سبول وكتاباته ومخطوطاته الجميلة التي كانت تزودني بها أرملته الرائعة الدكتورة " مي اليتيم " .


* عندما اتصل بي قبل عامين رجل اعمال اردني يقيم في "هيوستن" بولاية تكساس التي اعيش فيها ودعاني لان اتوقف في بيته لتناول فنجان قهوة لان شخصاً مهماً يرغب بالتعرف اليّ اعتذرت عن (العزومة) حتى لا اتسبب لرجل الاعمال بالحرج ذاته الذي سببته له حين التقيت في منزله برئيس الوزراء الاردني السابق عبد السلام المجالي فمسحت الارض به امام عشرين نفراً من وجهاء الجالية الاردنية في المدينة وكتبت عنه مقالي الشهير " ميشو " واتهم يومها رجل الاعمال  بالضلوع في مؤامرة توريط المجالي بهذا اللقاء مع اني كنت - يومها- قد توقفت في منزله (دون عزومة) وكادت المشكلة تتطور الى خصومة ومواجهة بين عشيرة المجالي وعشيرة صاحبنا رجل الاعمال لولا ان الرجل طار الى (الكرك) ليعتذر للمجالي ويطيب خاطره ويحلف له عشرة الاف مليون يمين  انه بريء من هذه (المؤامرة) براءة الذئب من دم ابن يعقوب.... وهو صادق .


* هذه المرة كان رجل الاعمال صريحا وقال لي ان رجلا مهما من الاردن - يتعالج في مستشفيات هيوستون - يرغب في الالتقاء بي والتعرف علي شريطة ان تتم عملية اللقاء " مصادفة " دون تخطيط مسبق كأن اتوقف في المكتب لشرب فنجان قهوة على سبيل المجاملة فيتم اللقاء (مصادفة) لا تؤذي احداً ولا تحرج هذا او ذاك بخاصة في وقت تلقيت خلاله رسالة من محامي الملكة رانيا يهددني بالقضاء ... فاعتذرت لصاحبي رجل الاعمال وحملته اعتذاراً مماثلا لصاحبه الرجل المسئول .... وعلمت بعد يومين ان الرجل الهام المسئول كان محمد رسول الكيلاني اخطر رجل في تاريخ الاردن المعاصر والذي توفي اخيرا في عمان "لا حس ولا خبر".


* بصراحة ... لقد ندمت على "تياستي" فالرجل كان كنزا من المعلومات ومن المؤكد انه اراد ان يفتح معي خطاً ربما لنشر مذكراته بعد وفاته بخاصة وان الملك الجديد تجاهله وتنكر له رغم ان (ابا رسول) - كما يلقب- او (ابو العبد) وهو لقبه الحقيقي هو الذي حمى النظام الملكي في الاردن من الانهيار والسقوط حتى قبل ولادة الملك الحالي عبد الله .... وكنت قبلها بشهر قد " تيست " لاني لم استجب لرسائل خطية ومكالمات هاتفية من محامي " مجد الشمايلة " الذي كان موقوفا في استراليا والذي ابدى رغبته في التحدث لعرب تايمز عن فضيحة " مجد غيث " قبل ان يغير رأيه ويسلم نفسه للسلطات الاردنية ... فقد كان واضحا من رسائل محامي مجد الشمايلة  لعرب تايمز ان رجل الاعمال الاردني لديه الكثير من الاسرار عن فضيحة القرن في الاردن التي تورط فيها سميح البطيخي ... وهي الاسرار التي تمت لفلفتها باصدار حكم مخفف على سميح البطيخي .... والسماح له بقضاء محكوميته في " لندن " !!


* رحم الله (ابو العبد) وغفر له فقد ارتبط اسمه بجرائم اخطر جهاز قمعي في تاريخ الاردن المعاصر ولا زال مقر المخابرات العامة في عمان الذي يعتبر من اكبر المباني واكثرها تميزا في الشكل يعرف لدى المواطنين في الاردن باسم (فندق ابو رسول).


* رحم الله ابا العبد ... على الاقل لانه الوحيد من بين الذين اسسوا جهاز المخابرات وعملوا فيه  مات وذمته المالية نظيفة .... بل وعلمت أنه مات " فقيرا " .

 

لقراءة المقالات السابقة لاسامة فوزي انقر هنا